
يقدّم محمد شوقي حسن في فيلمه الطويل الأول «بشتقلك ساعات/Shall I Compare You to a Summer's Day» مستويات عدة لتصوّر العلاقات، ويخصّ منها العلاقات الكويرية، وتحديداً تجربة كويريين ذكور مع وجع الخسارات. يتجلّى مفهوم المخرج للوجع في رصده لشهادات مرويّة لذكور عن علاقاتهم: تتحدّث الشخصيات عن الرغبة التي يُشعلها اللقاء الأول، ثمّ متعة التحام الأجساد، انتهاءً بالوجع الذي يأتي على شكل فقدان نتيجةً للخيانة، أو للهجران، أو لمجرّد الملل. تتكشّف القصص المتداخلة على إيقاع سرد يحاكي فانتزايا ألف ليلة وليلة، فيما تضيف أغاني البوب بعداً زمنياً، يُعطي بدوره ماديةً لمرويات الوجع، حتى تعود رومانسية الأغاني المختارة بدقة لتجرّدها وتعيدها إلى عالم، لا هو حقيقيّ تماماً ولا هو متخيل تماماً. يبدو التجريد الزماني والمكاني وكأنه مستوى إضافي لتصوّر المخرج للعلاقات وتعقيداتها.
ما يُضفي خصوصيةً على تصوّر محمد شوقي حسن لوجع العلاقات، هو رؤيته السينمائية التي تنأى بنفسها عن الثنائيات، فتستكشف أمامنا الإمكانات الجمالية والنقدية التي تتيحها الازدواجية. فلا تبدو لغة المخرج السينمائية معنيّة بالدلالة إلى الشيء ونقيضه، بل إلى الشيء ومستوياته المركبة والمتعددة والمتوازية. تتشكّل تلك الازدواجية سينميائياً، على سبيل المثال، في تبنّي محمد شوقي حسن لجماليات الكامب التي غالباً ما تومئ إلى الخفة، لكن إن قرأناها جيداً في الفيلم سنرى كيف أنها تسير بمحاذاة سردية درامية عن آلام الخسارات. ليست الخفة نقيضاً للوجع، إذن، بل متصلة به، ولا معنى لكل منهما دون الآخر.
يدعونا محمد شوقي حسن للنظر إلى الوجع بعينه، ثم يدعونا إلى ملاعبته من خلال الصورة، وبالأهمية ذاتها، من خلال اللغة. ليست اللغة منفصلة عن رؤية محمد شوقي حسن السينمائية، بل تبدو مركزية في نظرته إلى ازدواجية الهويات الجنسية، وازدواجية المساحات التي تتحرّك تلك الهويات فيها، وازدواجية الرؤى لتجربة الوجع داخل العلاقات. يقطّع المخرج الفيلم إلى فصول لكلّ منها عنوانان، في العربية والانجليزية، وكأننا إزاء كتاب تمّ تقطيعه كي تُعاد قراءته بعين جديدة، عين أكثر كرماً وتعاطفاً.
إلا أن العناوين الإنجليزية ليست ترجمة حرفية للعناوين العربية. بمعنى آخر، هي ليست معنية بأن تكون وفية للأصل. ففي غياب أي تصوّر لمفهوم الأصلانية في الفيلم، كيف سيكون هناك وفاء لأصل المعنى في الترجمة؟ فالعنوانان الإنجليزي والعربي في الفيلم هما تأويلان مختلفان للحالة الشعورية والانفعالية التي يتناولها كلّ فصل. فلكلٍّ من اللغتين حساسية وتجربة خاصة، تجعلهما تسيران في خطين متوازيين، فلا تلتقيان إلا على الوجع. هكذا تساهم ازدواجية الترجمة في اكتمال رؤية محمد شوقي حسن حول ازدواجية الهويات الجنسية وتعقيداتها، بعيداً عن أي رؤية ثنائية تقرأ العلاقات المثلية نقيضاً للعلاقات الغيرية.
كتب محمد شوقي حسن «لا تسألوني ما اسمهُ حبيبي» (2022) عن تجربته الخاصة مع الرغبة والوجع، فاسترجع علاقة عاشها وانتهت إلى الوجع. يتحدّث عن كيف تحوّلت تلك التجربة الحميمية إلى فيلم «بشتقلك ساعات». يقدّم محمد شوقي في مقالته هذه سرداً ولغةً لوصف وجع خسارة الآخر، ولآلية تحويل هذا الوجع رؤيةً سينمائيةً متعددة الفروع، منها الخطابي والتقني واللغوي. ويشير إلى أن تلك الرؤية ما كان لها أن تكتمل لو لم تأخذ شكل عمل جماعي يدلّ من خلال ديناميته وتفرّد شخصياته وأدوارهم إلى مجموعة من الفنانين والممثلين الذين يشكّلون معاً جماعة، يتمعّن معها ومن خلالها محمد شوقي حسن في الرغبة والوجع اللذين يحيطان بالعلاقات.
في الفيلم، كما في مقالة محمد شوقي حسن عنه، لغة على هذا القدر من الخصوصية في قدرتها على إبراز تناقضات العلاقات وازدواجية الرؤى لمفهوم الوجع. إلا أن تلك المقالة كُتبت في اللغة الانجليزية التي قلما تدلّ على الهويات الجندرية، فتُجهّل هوية الشخصيات، وتجهّل معها خصوصية العلاقات الكويرية. ماذا يتكشّف أمامنا، إذاً، عندما ننتقل من الـ«you» المحايدة إلى «أنتَ» الدالّة، دون لبس، على هوية الآخر الذي نرغب؟ بالأحرى، أي رؤى وأي سرديات ستتجلّى أمامنا عندما يعرَّب نص من الإنجليزية؟
تضيف مقالة محمد شوقي حسن التي تخيلتها مترجمةً إلى المعجم العربي للوجع سرديات عن الرغبة والتحام الأجساد والفقدان. سرديات باتت لها هوية، لذكور، فتقدّم آفاقاً جديدة، كويرية، لكنها مفتوحة أيضاً على الاحتمالات من خلال التزامها الدائم بالازدواجية، في الهوية والممارسة والخطاب واللغة. إلا أنّ الترجمة لم تكن لتكتمل إلا من خلال إرفاقها بأسماء فريق العمل الذي شارك محمد شوقي حسن في صناعة تلك الرؤية وتحقيقها، ونطق اسم كل منهم بالعربية.
— زينة الحلبي
© Mohammad Shawky Hassan
كان ذلك قبل يوم واحد من اختفائك الأخير. كنتَ قد عاودتَ الظهور وطلبتَ مني أن أنزل معك إلى البحر. أجبتك أني أخشى ما أجهل. وضعتَ يدك اليسرى برفقٍ على فخدي اليمنى وابتسمتَ. لطالما كنتَ تبتسم حين لا تعرف ماذا تقول. أو لعلك قلتَ شيئاً لا أهمية له حتّى إنّي لم أعد أذكره اليوم.
أعود إلى الصورة ذاتها مرّةً بعد مرّة. أكاد أسمع أصوات الرياح وأمواج البحر المتقطعة، الممزوجة برائحة رمل شاطئ نويبع والعطر المميز لجلدك العاري المبلل، التي لا تحضرني اليوم الكلمات لوصفها.
ماذا جرى ذلك اليوم؟
في أعلى الصورة، ثمّة ملصق صغير مهترئ، كنتُ قد دوّنتُ عليه ما يشبه محاولة متسرّعة لترجمة جملة من نَصّ لإيمان مرسال: «ما أذكره غائباً عن الصورة فلماذا أجتهد هكذا لأحافظ عليها من الضياع؟».
لماذا نسيت العديد من الأشياء التي كان لها حتماً أثر أكبر من تلك التي ما زلتُ أذكرها؟ لماذا أذكر بوضوح شعوري حين كنتُ أراقبك بغيرة وأنت تسير بأناقةٍ نحو البحر وكأنه المكان الوحيد الذي تنتمي إليه حقّاً، بينما أستمع إلى أغنية حميد الشاعري «خدني بين إيديك، وديني لقمرة في السحاب»؟ ولماذا نسيتُ تقريباً كلّ ما تبقّى من تفاصيل ذلك اليوم؟
والآن، بعد عامين على الانتهاء من «بشتقلك ساعات»، الفيلم الذي أردتُه أن يكون تأمّلاً في علاقتنا، أتساءل كيف لهذه الصورة التي ألهمت المشروع بأسره أن تنسلّ منه بسلاسة لدرجة أنني لم أعد أستطيع تحديد اللحظة، أو اليوم، أو المرحلة التي حدث فيها ذلك.
في سعيي لفهم كيف — أو هل — اختفيتَ من الفيلم مثلما اختفيتَ من الواقع، عدتُ إلى أولى رسائلي مع إسماعيل الذي صار لاحقاً دراماتورج الفيلم. ردّاً على المشاهد المجزّأة التي تمكّنت من استرجاعها من قصتنا ومشاركتها معه عبر مكالمة عبر الفيديو، أرسل إليّ إسماعيل بعض الأسئلة التي كان أولها: «ماذا يمكن للقاءٍ بالصدفة بين رجلين على البحر وقائمة من أغاني البوب أن يعلّمانا عن كيفية تصوّر أنفسنا كذواتٍ تحبّ، وكيفية تصوّر الآخر الذي أحببناه حدّ التأليه، وكيف يتداخل التصوران بصرياً وسمعياً ولغوياً؟».
Shall I Compare You to a Summer’s Day? (courtesy Aflam Wardeshan/Amerikafilm).
بينما واصلتُ تصفُّح ملاحظاتي، تساءلتُ عما إذا كان من الممكن أصلاً تمييز «الحقيقي» من المتخيّل، من الأمنيات أو ممّا كان يمكن أن يكون. ماذا يحدث عندما نعيش قصصاً لا تحاكي أنماط الأفلام والمسلسلات والأغاني السائدة؛ وبـ«نحن» هنا، أقصد أمثالي القادمين من الأقاليم، والذين طغت ثقافة البوب على تصوّراتهم عن الحب والعلاقات؟ وإلى أي مدى نحن مستعدّون لتطويع هذه القصص كي تتطابق والتصنيفات التي تفرضها المنتجات الثقافية تلك؟
ما عشناه، أنا وأنت، تجاوز تصوّرنا للعلاقة كما نعرفه. عندما يتحدث إليّ أحد بعد عرض الفيلم ويسألني عن هويتك، خصوصاً أن الفيلم مهدىً لذكراك، لا أجد السؤال متطفلاً، أو غير لائق إلى حدّ بعيد وحسب، بل أجده أيضاً سؤالاً مستحيلاً. فكيف يمكنني أن أفصح عما كان بيننا إن كنت لم أدرك ماهيته حقّاً، ولم أستطع أن أضعه مطلقاً في أي قالب من قوالب العلاقات التي كنت قد ألفتها؟ لعلّ حيرتي اليوم أكبر وأعمق مما كانت عليه عندما كنت حياً.
قد تعود هذه الحيرة إلى أن الفيلم، تماماً كقصتنا، كان يجب أن يكون متجذراً في المخيلة كما في الواقع، أن يكون وثائقياً وخرافياً في الآن نفسه، مستمدّاً روحه ممّا حدث — أو ممّا ظننته قد حدث — وشكلَه من مجموعة حكايات شعبية بعيدة تماماً عن الواقع كما في «ألف ليلة وليلة».
❂
لكنْ ليست هذه نقطة البداية.
قبل حوالي اثني عشر عاماً، وضمن ورشة عمل سوبر 8 شاركتُ فيها في بروكلين، أنجزتُ فيلماً مَقالياً من ست دقائق في محاولة لاستيعاب أحد أطوار اختفاءاتك، ولا أستطيع أن أتذكر الآن عن أيّ منها أتحدّث. صوّرت ومنتجت الفيلم في أقل من أسبوع؛ كان من أسرع الأشياء التي أنجزتها في حياتي. حتى العنوان الذي اخترته، «في مثل هذا اليوم»، يُبرزُ كم كانت ذاكرتي عنك ضبابية، حتى في ذلك الحين.
On a Day Like Today, 2012 (© Mohammad Shawky Hassan).
كان التعليق الصوتي المسجّل بالإنجليزية عبارةً عن كولاج نصوص لفيرجينيا وولف، وإلياس خوري، وربيع علم الدين، وألن غينسبرغ، وكريس ماركر. بعد العرض الجماهيري الأول والوحيد للفيلم، أردتُ إعداد نسخة مترجمة يمكنني تقديمها إلى جمهور عربي.
لكني استدركتُ أنّه في النسخة المترجمة، وبخلاف الترجمات الأدبية، كان لا بد للنص المترجم أن يرافق الشريط الصوتي المسجّل، فتتضافر «الصورة» والصوت والنص المكتوب لتكوين صورة متكاملة لا يمكن الفصل بين عناصرها. لسببٍ ما، لم يبدُ التداخل بين النصوص المروية بالإنجليزية والمترجمة على الشاشة بالعربية مناسباً. كان الخيار الآخر تسجيل الشريط الصوتي بالعربية، مما كان ليخلق نسختين مختلفتين من الفيلم.
بعد اختبارات عدّة، اتّضح أن أي ترجمة لن تكون ممكنة إن سعت فقط إلى التطابق مع الأصل. بل إنّ النسخة الجديدة من الفيلم، على عكس النسخة الإنجليزية، دلّت تلقائياً، ودون قصد أو تأمل عميق، على الإجهار بميول كويرية. الحبيب الذي كان جنسه مستتراً في «you» المحايدة بالإنجليزية، بات «أنتَ»، الضمير واضح الذكورة في العربية. كان الفيلم الجديد سيبدو، بلا شك، رسالة كتبها رجل إلى آخر، أو ربما إلى عدد من الرجال.
عندها، فهمتُ أنني لم أعد مهتمّاً بترجمة مباشرة للأصل؛ بل كان لا بدّ أن يكون عملاً جديداً بأكمله. تماماً كما كانت الخطوط ضبابية بين الواقع والخيال وبين الصوت والصورة، باتت الخطوط بين الأصل والترجمة ضبابية أيضاً. بعدها بعشر سنوات، ما كان محاولةً لترجمة فيلم ذاتي محايد جنسياً من 6 دقائق، صار فيلماً موسيقياً كويرياً تعاونياً طوله 66 دقيقة، لا يشبه الأصل إلا قليلاً.
❂
أثناء تطوير الفيلم الجديد، بدأت قصتك التي كان من المفترض أن تشكّل أساس السرد، تتلاشى جزءاً تلو الآخر. صورتك في ذاكرتي وأنت تسير نحو البحر وأنا أستمع إلى قائمة أغانيّ، قاومت كل المحاولات لتجسيدها، ومثلما فعلت أنت، تلاشت في الهواء وتحولت أنت تدريجيّاً إلى حوريّ البحر.
Animation Moodboard, Shall I Compare You to a Summer’s Day?, anonymous artist (courtesy Aflam Wardehan).
أقول «صورتك في ذاكرتي» لأن الشخص الذي يظهر في الصورة في بداية هذه الرسالة ليس أنت، بل صديق لي يشبهك كثيراً من الخلف. لقد ساعدني في إحياء تلك اللحظة قبل بضع سنوات، إلا أنني فتحت الكاميرا عن غير قصد، فأفسدتُ جزئياً أغلب صور الفيلم ولم يتبقَّ منها سوى تلك الألوان الباهتة والبقع وآثار الأحماض. تماماً كما كنت حازماً في ألا تترك أثراً، تمكّنتَ، بطريقتك أنت، من الإفلات من أي إمكانية لإعادة إحيائك.
حتى عندما فكّرتُ بكتابة تلك الرسالة، بحثتُ عن الرسائل التي تبادلناها عنك، أنا ولينا، بعدما شاهدت الفيلم للمرة الأولى، ولكني تذكّرت أني كنت قد أعدت تحميل سيغنال على هاتفي، وأدركت أني أضعت كل أرشيف رسائلي. سألت لينا، ولم تجدها هي الأخرى. عدتُ وتذكّرت أني كنت قد أرسلت الرسائل إلى دانيال، فطلبت منه أن يبحث عنها في أرشيفنا الذي كان قد حفظه بدقة. لكني لا أعرف كيف أن شهرين من السنوات الثلاث التي عرفته فيها، اختفيا تماماً، بما فيهما يناير 2022، أي عندما أرسلت له تلك الرسائل.
عندما أستعيدُ القصة، أدرك أن ظهورك في الفيلم بشخصك، بدلاً من الشخصية الأسطورية الخيالية التي لطالما تقمّصتها بكل ذلك السحر، كان ليشكّل ربّما خيانة لك.
❂
هل تفهم الآن لماذا أجد صعوبة في الردّ عندما أُسأل عن هويتك؟ فقد تغيّرت الأمور إلى درجة أنك لم تعد أنت، ولم أعد أنا، وحتى الحكاءة التي تصوّرناها، دنيا وأنا، من أجل الفيلم، لم تعد شهرزاد الرسوم المتحركة التي كبرنا ونحن نسمعها ونشاهدها.
أصبحت القصص «الحقيقية»، أو بالأحرى ذكرياتنا عنها، مجرّدَ منطلقٍ، أو بالأحرى عدّةَ عملٍ بدلاً من هدف نودّ إعادة إحيائه بدقّة. ومع عملي مع زيرو، ونديم، وسليم، وأحمد على ترجمة تجاربنا الشخصية، المؤلمة بغالبيتها، إلى فيلم كنا نأمل أن يتجاوز حدود قصصنا، بدأتُ أبتعد أكثر فأكثر عن المادة الأصلية.
“I don’t love you anymore, but I don’t love you any less,” multimedia installation by Mohammad Shawky Hassan (Photo Timo Jaworr).
تماماً كما تحولتَ إلى الكائن البرمائي الذي لطالما تخيّلته، تحولتْ سائر السرديات الشخصية إلى مخيال جماعي موجود بشكل فضفاض في مساحة ملتبسة بين ما كان وما كان يمكن أن يكون، واختلطت التفاصيل لدرجة أنه بات من المستحيل تتبّع مصدر الكلمات التي نطق بها أي منا في الفيلم، كما أشارت حسندرا ببلاغة بعد أحد العروض.
أصبحت ثيمة «ألف ليلة وليلة» التي أصررتُ على استخدامها في بداية المشروع، مجرّد مرجع استندَ إليه أمين لإنشاء أكثر من عشر منمنمات لترسيم فصول الفيلم. لم تعد الغابة، والبحر، والسرير، والنادي، أماكن تبدأ فيها العلاقات أو تنتهي، بل تحوّلت بفضل فيرونيكا وكارلوس إلى مساحات هلامية يمكن للآخرين أن يُسقطوا عليها قصصهم الخاصة.
❂
تحويل الأشخاص، والقصص، والأماكن، والذكريات إلى فيلم، يعني التركيز، ولو جزئياً على ما يخدم السرد، والأداء، والجماليات، بدلاً من الانغماس الكامل في استذكار ما جرى. وذلك يعني التكرار إلى ما لا نهاية، والضياع في تفاصيل صغيرة مثل اختيار أقمشة فضفاضة قابلة لامتصاص عرق الراقصين على مدى يوم كامل من التصوير، وقضاء ساعات مع مريم في اختيار الأغاني التي تلائم السردية، وترتيب المشاهد مع آلاء في كتل يمكن تصويرها، والجلوس بصبر أثناء بروفات الكورس بينما يطلب خيّام من المغنّين تكرار السطر ذاته من الأغنية مراراً وتكراراً حتى يصلوا إلى حالة من التناغم. يعني ذلك أيضاً قصّ النصوص وحذفها مع كارين في غرفة المونتاج لضبط إيقاع متتالية ما، أو سماع كل كلمة من مرثيّتي مراراً وتكراراً بينما تجرّب كندا بترددات صوتي، وأنا أقطّع الطماطم في المطبخ.
Shall I Compare You to a Summer’s Day? (copyright Aflam Wardeshan/Amerikafilm).
الخيبة كبيرة المعلمات. هل غادرتَ حقاً إلى أيّ مكان؟ ابتعدتَ كثيراً عن هذا العالم، ولم تصلْ إلى أيّ عالمٍ آخر. حياتك السابقة تختفي، والحياة الجديدة لا تبدأ، وأنت مرهَق من عبء هذين الاختفاءين على كاهليك، يكاد يسحقك. اختفاؤك راحةٌ وخطرٌ يلازمانك، قد يقع الآن. عشتَ بالفعل على شفير العدم. قد يختفي كلُّ ما حولك في أيّ لحظة، دون أنْ تبتلعه الأرض، مثل تصعّد النفتالين. هذا جزء من مصاعبك اليومية في الرجوع إلى الحياة اليومية. ما عدت تدري ماذا تريد في هذه الآونة. لست تدري أين أنت، أو لماذا تتكلّم. كلُّ ما في الأمر أنّك منتبهٌ إلى ما يمضي. الساعات تمرّ. ثمينةٌ كلُّ دقيقة، أمَضُّ من سابقتها وأجمل.
مَن خدعك بأنّ هذا الصوت داخل صدرك ينقل الحقيقة؟ من غرّرك بأنّ الاستماع إليه هو الصواب والصدق والنجاة… إلخ؟ شرودك مزيّف لأنك عاجز عن تعطيل انتباهك. لم تستطع قطّ ألّا تنتبه.
لا مناص ممّا أذعنتَ له وزاولتَه. الانتباه والتحديق المتواصلان أفسدا عليك إمكانية الاستمتاع، صانعَين هذه الغرابة التي تطوّقك.
تبدو عاجزاً عن السير بمفردك على خلاء الأرصفة، خائفاً من وحدتك في هذه الشوارع المفتوحة — أقفرتْ أو اكتظّت، ضاقتْ أو رحبت، ترامتْ أو قصرت... تمرُّ وتَنسى. تمرُّ وتُنْسى. لم تُضِفْ شيئاً. لم تنَلْ شيئاً. إلى متى سيحثّك كل ما تراه كي تتأنّى؟ خللٌ ما يعتور ما تراه، فينبهك إلى خللٍ آخر يعتورك. ما تنقله عيناك يتحوّر ويتوه عن ثبته. إلى متى؟ طال تهيُّؤك، وما صرت لمّاحاً ولا مجدّداً. لم تُفحِمْ مجادلاً بقوة حججك. لحسن طالعك، لم تجتذب أعداء ولا مريدين. ربما فات أوان خياراتك في عزلات الهواء الطلق. تحدّق بالمراوح والقناديل على جدران هذه القاعة الخالية، وتُميل جسدك يساراً لتسترق النظر إلى نصف وجهك، عابساً في مرآة الحلاق. من تقاطيعك يتصبّب ندمٌ على الصرامة. ستكرّس ما تبقى من شحيح الوقت للتهكّم بنفسك.
تتنقّل داخل غيابك. من يراك، الآن، يرى فيك أحداً سواك. مرة أخرى، يدهشك أنك لستَ سواك. هذا يحزنك ويمتعك معاً. أنت هو أنت، وأنت مَن ينقُصك. فأيُّ هزَل أبلغ إيلاماً من هذا؟
❂
القدرة على التحوّل الدائم التي طغت على الفيلم، لم تتوقّف حتى بعد اكتماله. انتشرت الأخبار في مصر بأنّ الفيلم سيكون، بالصدفة، الفيلم العربي الوحيد في مهرجان برلين السينمائي لذلك العام. ما بدا أنّه فضيحة تحوّل إلى أسبوع جنوني انتشر فيه ملصق الفيلم على نحو واسع — لسخرية القدر، على يد خصومه — مما أدّى إلى أن تحتلّ صورة تحوي أجساد ثلاثة ذكور عارية ومتضافرة الفضاء الافتراضي في مصر. وكما لاحظ زيرو وإسكندر، فإن «الشهقة» التي أدّتها أربع شخصيات رئيسية في الفيلم، والتي جاءت بناءً على فكرة عرضية كان قد قدّمها أحد أعضاء الكورس في نهاية جلسة تسجيل طويلة، أصبحت الصورة الملازمة للفيلم، وكأن أعضاء الكورس استشرفوا لحظة ستمتدّ فيها سردية الفيلم إلى ما بعد زمنه المحدّد.
رغم أنك قد تكون غبت عن الفيلم بالمعنى الحرفي للكلمة، باستثناء التلميحات الصغيرة التي كنت وحدك لتفهمَها، فإن جوهر ما جمعنا لا يزال حاضراً في كل جزء من الفيلم. الحيرة، والغموض، والمراوغة، والتحولات، التي جسّدتَها، ما زالت تطغى على كل تفاصيل الفيلم. ولكن الآن، بينما أكابد في تذكّر تفاصيل ذلك اليوم على البحر، ما زلتُ أتمنّى لو كانت لديّ صورة.
❂
بشتقلك ساعات (2022، 66 دقيقة، عربي / إنجليزي)
تأليف وإخراج: محمد شوقي حسن
تمثيل: دنيا مسعود، أحمد الجندي (زيرو)، سليم مراد، نديم بحسون، حسندرا، أحمد عوض الله، ريتشارد جبريل غيرش
مونتاج: كارين ضومط
تصميم الصوت وتأليف الموسيقى الإلكترو أكوستيك: كندة حسن
مدير التصوير: كارلوس فاسكيز
ديكور: فيرونيكا فوست
التأليف الموسيقي : أمين فيزابادي
قائد الكورس: خيام اللامي
تسجيل الصوت: تسفيتلينا فالكوفا
الشعر والمكياج: نوريا دي لاريو
مساعد مخرج أول: آلاء عبد اللطيف
إنتاج: محمد شوقي حسن، ماكسي هاسلبرجر، هشام مارولد، كارلوس فاسكيز
منتجون مساعدون: كريم مارولد، بالتاسار بوسمان
إدارة الإنتاج: ديلارا تشاتاك
الدراماتورج: إسماعيل فايد
تصميم الرقصات: جوناثان سانشيز
الخط العربي: شهد الصباغ
تصميم العناوين: مينا موريس
تصميم البوستر: محمود فتحي
