Skip to main content

Short Stories | قصص قصيرة

مُغتسلٌ من دماء

CONTRIBUTOR
المساهم/ة
شيماء العبيدي

ARTIST
الفنان/ة
Nour Maalouf

WRITER
الكاتب/ة
شيماء العبيدي

TAGS
الوسوم
posts-issue12

PDF

SHARE POST
للمشاركة
CONTRIBUTOR المساهم/ة
شيماء العبيدي

إثر دراستها للعلاقات الدولية، انتقلت شيماء للعمل بالصحافة الثقافية. منذ سنة 2020، شغلت شيماء العبيدي عدة مناصب مثل مستشارة في الاتصال بديوان وزارة الشؤون الثقافية ومسؤولة إعلامية لعدة فعاليات ثقافية ومشاريع فنية.

WORKS BY THIS CONTRIBUTOR
أعمال للمساهم/ة
شيماء العبيدي
Short Stories | قصص قصيرة

مُغتسلٌ من دماء

Nourhan Maalouf, Don’t don’t don’t you forget about me. Digital photography (2023)

نام على نفسه من التعب إثر ليلة حافلة بالأحداث، وتوجّه فور استيقاظه صباحا إلى منزل جدته في الحي ذاته. هناك سيفتح خبيئته من الحبوب المخدرة، يبتلع تشكيلة منها بأنواع مختلفة ويعقبها بسيجارة من القنب الهندي، يتنفّسها بتأنّ فتكون لحظته أبديّة.

هو روتين أنيس اليومي، وقد احتفل مؤخرا بعيد ميلاده الثامن عشر. صباحاته سريعة واضحة: يبتلع المخدرات على بطن خاوية، ويتوجّه إلى مقهى الحي لتناول إكسبريس تحتوي على أربعة مكعبات من السكر، تزيد منسوب المتعة وتُطيل مفعولها على عدد أكبر من ساعات اليوم في انتظار الجلسة الخمرية الليلية. مارس يومها طقوس ما قبل القهوة بشكل اعتياديّ، دون أن تبدو على ملامحه أية عجلة أو ذهول وتوجّس. كان ذلك أمام أنظار جدته وعمّه المترقّبَين ردّ فعل من جانبه دون جدوى. سحبت الجدة ذراعه حين همّ متوجّهاً إلى المقهى:

ما تتذكر شي مالبارح؟
لا. آش صار؟

توقّف لوهلة وقد عصفت بذهنه أحداث الأمس دفعة واحدة. تحسّس يديه مستشعراً الكثير من الضمادات، رفعها متألماً واكتشف جراحاً عميقة فتحها بجسمه وجرى تقطيبها في المستشفى بإذن من شرطة المنطقة. 

لقد طرأ جديد على صباح الأمس باقتناء أنيس لسكّين كبيرة دون غرض محدّد سوى إضافتها لتشكيلة الأسلحة البيضاء التي يمتلكها. الخطر يحدّق به من كلّ صوب، وأعين المنافسين، أمثاله من بائعي المخدرات تحيط به، وهو عرضة للاستفزاز والمواجهة وضرورة ردّ الفعل. قصير وهزيل البنية، ليس له سوى أن يتسلّح بأسلحة حديديّة لخوض المعارك وإخافة الناس والباندية من حوله.

اقتناها من عند علي وزغة بعشرة دنانير. لم يكن يعلم أنّه سيحتاج بتلك السرعة إلى سكّينه الجديدة، وأنّ ضحيتها الأولى ستكون علي ذاته. سُمّي وزغة لأنه حاول تسلّق جدار عال والتصق به في محاولة للتّخفّي من دوريّة كانت على مقربة من جلسته الخمرية. شبّهه الجميع منذ ذلك اليوم بالبرص وصار محلّ تندّر ما ألبس سلوكه الكثير من العدوانية. 

عاطل من العمل، يبيع أي شيء من أجل الحصول على ثمن المخدرات. كانت تلك السكّين آخر ما يملك بعد هاتفه الجوال وباعها قبل أن يلتفت إلى أثاث البيت خلسة عن زوجته هويدة. 

لأنيس شريك في بيع المخدّرات ومعلّم له في الحياة، هو عمّه رمزي الذي يكبره بعشر سنوات. تجمعهما علاقة استثنائية، هما صديقان قبل كلّ شيء ونديمان ويسند أحدُهما الآخر في المعارك ومحن الإيقاف والسجن. لم يعرف أنيس سواه أباً خلال السنوات الاثنتي عشرة الأولى من حياته. دخل والده السجن حين كان يبلغ من العمر سنتين وحُكم عليه بعشر سنوات قضاها كلها. خبّأ السّكين الجديدة في منزل جدّته وعمّه وتوجّها معاً ليلا إلى قاعة أفراح على مقربة لحضور حنّة أحدهم. ذهب أنيس فور وصولهما لاقتناء البيرة ونصب عمه مكاناً لجلستهما الخمرية على مقربة من حلقات السكارى المتفرقة على هامش السهرة.

أعطيني كعبة بيرة.
عندي كعبة وحدة باش نكملها مع أنيس.
تحب نعطيك أنا كعبة؟
المزايا الفارغة ما نحبهاش.

رمزي تبّلّيري، كنيته وكنية أخيه وابن أخيه. عُرف بغلظة طباعه وكونه «ما يرشفهاش»، أي أنه لا تمرّ كلمة في غير محلّها دون أن يُعاقَب صاحبها بعنف أشدّ منها لفظياً أو جسدياً. اندلعت شرارة شجار حين عاد أنيس وفرّقهما درءاً لكارثة محتومة. شعر علي وزغة بإهانة شديدة، فقد بدا مهزوماً سلفاً وأُنقذ من ضرب مبرّح. كبت غيظه وانتظر حتى ساعة متأخرة من الليل خروج رمزي الذي أقنعه أنيس بالعودة إلى المنزل. 

من بين مقتنيات أنيس الجديدة دراجة نارية، فتجارة المخدّرات مربحة جدّاً في حيّه لكثافة الطلب وليس هناك خير من ماكينة قوية للتباهي بالثروة وتجديد التموقع في الحي وأرجائه. ركب دراجته وذهب إلى محل الوجبات السريعة ليشتري شطائر استجابةً لطلب أمه. اشترى الأكل وفوجئ بعلي وزغة راكباً الدراجة المركونة على مقربة:

إيجا هنا فاش تعمل؟
فيبالي باش توصلني

كلاهما خارج عن الوعي، وكلاهما ينتظر فرصة للتشفّي. ما حصل في الحنة كان كفيلاً بجعلهما أعداءً إلى الأبد. أما فضّ الشجار السابق، فلم يكن في الحقيقة سوى تأجيلٍ له لسياق أكثر جدّية ومشروعية. في هذا العالم المشحون بالحقد والتباهي، لا يجرؤ أحد على تجاوز حدوده إلا إنْ كان ينوي الشجار والمبارزة لأمر يكنّه في نفسه دون علم الآخر، ولطالما اغتاظ علي وزغة من رمزي تبّليري لثرائه السريع وسيطرته على المنطقة رغم أنه يصغره سنّا. 

فُضّ الشجار للمرة الثانية، وعاد أنيس إلى بيت جدته مقدماً على الانتقام من استصغار وزغة واحتقاره له. روى لعمّه ما حدث، وجمع عدته الجديدة والقديمة وعادا معاً إلى ساحة المعركة حيث رشقهما اثنان من أصدقاء وزغة بالحجارة. تولّى رمزي أمر الرجلين ولحقهما واستفرد أنيس بوزغة الذي ما إنْ فتح فمه حتى رفع أنيس شفرته وانقضّ عليه فقطع أوصال خنصره حين اعترض بيده على ضربة كانت موجهة إلى رأسه، ثمّ مزّق يديه وصدره. لم تغب عن ذهن أنيس البالغ حديثاً من العمر ثماني عشرة سنة، رغم سكره التام، التبعات المحتملة لهذه الجريمة، فشلّط نفسه مباشرة ليلقي التهمة بدوره على ضحيّته وزغة وحتى تؤول الأمور إلى «تبادل عنف» عوضاً عن «محاولة قتل». 

شهد جمال على الشجار واقتياد الشرطة للمتشاجرين إلى مركز الأمن لإصدار الوثائق اللازمة للذهاب إلى المستشفى. علم حينها أن الأمور ستؤول لصالحه وأن غياب أنيس ورمزي عن المنطقة لفترة غالباً ما ستكون طويلة لثقل الخسائر، سيُخلي له المجال لترويج المخدّرات على مستوى أوسع، هو الذي قُبرت تجارته بسبب سطوة عائلة تبّليري. خرج حينها إلى الحيّ متلفّظا بكلّ عبارات الشتم والسباب لساكنيه نساءً ورجالاً، وهي عادةٌ مألوفة وسِمة من سمات الفتوة في حيّه. «بش نهبط نعمل نومرو خلّي نسرّح صوتي»، هذا ما قاله لنديمه فكيرينة قبل النزول لتذكير باندية الحيّ بقوته وباستعداده الدائم للمبارزة إن لزم الأمر. أراد جمال من خلال نوبة هيجانه تلك إعادة رسم جغرافيا بيع المخدرات في المنطقة وتمرير الرسائل إلى بقية المنافسين من بائعي المخدرات عبر جمل صريحة وحافية: «مازلت نشوف واحد واقف نتفاهم معاه»، قاصداً بذلك منافسيه من اللّحّامين، «رديتولي الحومة رون بوان وحد ماعاد يقدّر»، «مازلنا ما متناش»، و«أنا زادة باش نولي نقوّد». هكذا صرخ جمال في الشارع، مستفزاً الرجال للنزال والعراك وهو على يقين بأن جميعهم قد فرّوا إلى منازلهم مخافة خروج الشرطة في حملة تفقد إثر ما حصل بين الثنائي تبّليري وعلي وزغة. 

ضربه حينها أبوه بعصا غليظة وأعاده إلى البيت، ودفعه غضبه لمواصلة ضربه داخل المنزل يحرّكه شعور بالعار والخزي منه. لم يتحمّل جمال الضرب، هو الذي حمل كنية «التلّ» منذ الطفولة لنحافته المزمنة. افتكّ العصا من يد أبيه بعد أن حطّم الألم طاقة احتماله، لكن الأب الذي لم يُشفِ غليله بعد، انتقل إلى لعبة الابتزاز العاطفيّ المعهودة مع ابنه: «تحبّ تضربني؟ اضربني، هيا اضربني». 

عقار التأثيم هناك سحري وسريع المفعول. تلقّنهم شرائع التربية العائلية والمجتمعية بأنهم ولدوا مدينين لأمهاتهم وآبائهم والعالم لمجرد الوجود، بكل مليم صرف عليهم، وحتى بكلمات الدلال. هم مدينون بأرواحهم وأجسادهم ووجدانهم لمن أنجبهم. كان ذلك ما دفع جمال في تلك الليلة إلى أن يقسم شفرة الحلاقة نصفين ويُغلق باب غرفته على نفسه مستعيناً بشوكة المطبخ. كان يشلّط ساقه بكلا النصفين، ثمّ يغرز الشوكة في الجروح، وقد آثر تعنيف نفسه لمجرد التفكير في إمكانية إيذاء والده.

كان جمال صديقاً لأبيه، وهو المختار من بين إخوته والمحظيّ بالدلال: «بابا كان ديما يهزني معاه»، هذا ما يقوله دوما لندمائه في لحظات البوح النادرة. ففي الأماكن التي يستولي عليها الفقر ويُحرم فيها الآباء ممارسةَ فعل الأبوة بحرية وطلاقة وانتصار، وحتى لا ترتسم الهزيمة على وجه أي أب يعود مساءً إلى المنزل دون أن يكون قد اشترى كل ما رغب فيه ابنه أو كل ما يحتاج إليه على الأقل، تتبدّل المقاييس ويمارس الكلّ حنانه بطرقٍ مختلفة، لتكون كلمة «بابا ديما يهزني معاه» أكبر مدعاة للتفاخر بين الأتراب والأقران، وعلامة مُثلى على حبّ الأب وحنانه. يصطحب الأب ابنه إلى السوق والرحبة والمقهى والجامع وساحات تناطح الأكباش ومباريات كرة القدم. يسمح له بمشاهدة أطراح ألعاب الورق في المقاهي، منها «الشكبّة» و«الرامي»، ويغضّ النظر عن استراق ابنه رشفةً من الكابوسان أو الإكبسريس القابعة أمامه. ولا بأس إن مرّت كلمة سفيهة على مسامعه دون قصد. هكذا يُعلّم الأب ابنه الحياة — ذلك إن أحبّه — فاتحاً له أول أبواب المجتمع. يعيش الطفل حلماً كبيراً بالرجولة ويصنع لنفسه صوراً لما سيكون يوما ما: بطلاً وشهماً وذكياً سريع البديهة، صلباً كأبيه. سرعان ما يتبدّد الحلم عندما ينسحب الأب إلى مشاغل الدنيا. تُقصم ظهور الآباء في أحيائنا وتميل وجوههم نحو الشحوب، ويأكل الشيب قلوبهم على عجل. يصير الشاب منهم طليقاً في الحياة مكبلاً بذاكرته، يرمّم شخصيته المبتورة في الأزقة المظلمة وأدراج مخازن الماء والحلقات الليلية خلف أشجار السرول التي تُقام فيها التجارب الأولى، سجائر كانت أو كحولاً أو مخدرات.

لم يكن رئيس المركز قد أتمّ أسبوعاً من يوم تعيينه في المنطقة، حتى صار يعلم الكثير عن الحيّ. على مكتبه قائمة بأسماء المروّجين وتحرّكاتهم، لكنه لم يبدأ بعد بإيكال مهامّ لعاملة النظافة بالمركز ولا لعسّاس البلدية. كان يبحث عن خطّة أكثر إحكاما للإطاحة بهم ولن يكون من بينها استدراج المستهلكين واستنطاقهم ولا استغلال «الكوارط المحروقة» كالعاملة والعسّاس. لم يحلُم قطّ بالعمل في مكان كهذا فور ترقيته، كان يحلم أن يحكُم حياّ راقيا وهادئا، لا يهزّ نومه شجار ولا يرى فيه دماء صبغت طفولته وشبابه في تلك الأحياء. كان يحلُم بأن تبدأ أيامه بوجوه الحسناوات وروائح العطور الثمينة، لكنّه رُمي هناك لخشونة ما في طباعه وقناعة المسؤولين عنه أنّ ذاك ما يُلائمه. 

عندما مثُل أمامه المتشاجرون، لم يستغرق الكثير من الوقت للتعرّف عليهم بعد أن اتّصل به عون النبطشية الليلية للقدوم ومعاينة الضّرر وإمضاء التساخير. إنّهما أنيس ورمزي تبّلّيري، وذلك علي وزغة الذي يمسك بيده ويصرخ ألما وغيظا. لا أحد يعلم أنّه طفّار، فهو يمارس أهواءه المثلية بعيداً عن المنطقة. لقد أقسمت سُعاد المخبرة لزوجته هويدة ألّا تقول لأحد، لولا أنّها لم تجد أيّة طريقة للتقرّب من الشرطيّ الجديد، سوى أن تفشي له سرّاً خطيراً يجهله الجميع. 

تحصّل الخصوم على الرّخص وتمّت مرافقة كلّ منهم إلى مستشفى مختلف، قبل أن يعودوا في اليوم التالي لإتمام إجراءات البحث والتحقيق. أمّا الشرطيّ الجديد مكرم، فقد وضع كرسيّاً في شرفة المركز، يتطلّع إلى الشبابيك المضيئة منها والمظلمة، ويفكّر في الحلقة الأضعف من بين شخصيّات حيّه وأقلها إيحاءً بأنه المُخبر الجديد. ثمّ ها هي هويدة، بزغت أمامه فجأة سائلة عن زوجها المطعون غدراً كما قيل لها.

خلال حياتهما الزوجيّة، لم تدّخر هويدة أيّ جهد لإسعاد علي بعد أن حاربت عائلتها من أجل الزواج منه. قبلت بالعيش معه في منزل والديه في السنوات الأولى للزواج، وادّخرت في الأثناء من مساعدات أبيها لاستئجار منزل صغير تتوسّع فيه مع رضيعيها. تغاضت عن علاقته السريّة مع عروسيّة، زوجة فتحي الذي يعمل منذ سنوات في ليبيا وغفرت له المجون والمقامرة. غفرت هويدة كلّ شيء وتغاضت عنه بقلب سموح، لكنّها أبداً لم تنسَ ذلك اليوم. 

كان يوماً صيفيّاً هادئاً، نعمت العائلة بقيلولة طويلة، ثمّ استفاقوا معا لتنفيذ ما اتفقوا عليه. ذهب وزغة لاقتناء الجعة من وردي القاطن على الناصية بينما أعدّت هويدة طفليها لاصطحابهما إلى منتزه ليس ببعيد. هم يسمّونه منتزهاً، وهو في الحقيقة بطحاء مسيّجة فيها أرجوحة وزحلوقتان وبائعو الفشار ولحية جدّي. اتفقت مع وزغة بأن تغيب عن المنزل ساعتين أو أكثر، مع احتمال أن تمرّ على منزل حماتها وسلفتيها المجاور للمنتزه. 

أهلا أختي هويدة شنحوالك؟ دارك فيها ضياف وانت هنا؟

أنزلت الولدين من الأرجوحة وعادت أدراجها مسرعة إلى المنزل. رشيد الكذّاب لا يكذب، لكنّه سُمّي كذلك لفرط معرفته بتفاصيل كلّ شاردة وواردة عن الحيّ دون أن يتحرّك من مكانه أحياناً. لقد أجبرت هويدة وزغة على اقتناء البيرة وشُربها في البيت حتى لا يعود إليها مسحولاً مثل كل مرة. حضّرت له كلّ لوازم القعدة منذ الصباح، وتركت المنزل حتى يستمتع بمفرده على أنغام «أنا اللي صنتك يا وردة»، أنيسة سكرته ومسبّبة كلّ المتاعب. 

لم يخطر على بال هُويدة سوى أبيها الذي طالما توعّد بالشجار مع وزغة لكسله وسوء سُمعته، أو خالها الذي يُشاطر الأب كره هذا الصّهر الذي دائماً ما يدعونه بالطّحان في جلسات المقهى والمنزل. تركت الأبناء في الشارع مع أطفال آخرين يلعبون، ولم تجد أحداً في غرفة الجلوس، فدخلت غريزيّا إلى غرفة النّوم. ها هو زوجها يجثم على ركبتيه خلف مؤخرة رجل آخر وقد ولجه. فاق الموقف حدود استيعابها هذه المرة، وخطرت بذهنها صورة زجاجات البيرة الوطنية في الصالة. كسرت إحداها على رُخام الطاولة ومرّرت بسرعة الضوء أنياب الزجاج المكسورة على يدها اليسرى. فرّ الدّم من عروقها كما عندما يُثقب أنبوب الماء. فتحت وريداً إلا أنها لم تمُت كما كانت تريد.

يعيش خويا قلّي لانا صبيطار بعثتوه؟ للرابطة ولا للشارل نيكول؟
لهالدرجة خايفة عليه؟ أنا مشى فيبالي طلّقتو من صيف عمناول…

خرجت هُويدة من المركز بعد أن أعلمته بما كان يحصُل في بيت جمال وما فعله به والده، وكذلك بالكارثة التي حلّت بمنزل عروسيّة في تلك الأثناء. لعروسيّة ابن وحيد اسمه إبراهيم، يدرس الإعلامية بالجامعة ويحظى بوسامة جعلته يختال بين أقرانه بالحيّ. لكنّه كان سيّد عالمه الصّغير، طموح وابن أبيه وأمّه وسيكون مهندسا في يوم من الأيّام. كان يقضي أيام العطلة الصيفيّة مع صديقه الوحيد وجدي، يلعبان «البيلوت» لساعات في مقهى قصيّ بعيداً عن مناكفات أبناء الحيّ ونظراتهم المشمئزة لأقرانهم ممّن واصلوا تعليمهم، خاصّة الذّكور منهم. 

كان قد اقترب من منزله حين استوقفه مُخلص ولد المستيري:

فمّا شعول؟
لا صاحبي ما نتكيّفش
سيّب علينا عاد
سيّب انت صالح عيش خويا خلّيني نروّح أمّي وحدها
شكون قلّك وحّدها؟ آه وزغة روّح بكري اليوم عندو حنّة

طالما تغاضى إبراهيم عن رائحة السائل المنويّ التي يشتمّها في غرفة نوم أمه وأحياناً في قاعة الجلوس، ودائما ما كان يقنع نفسه بأنّ تلك رائحة استمنائه التي ترافقه رغم حرصه على أخذ حمّام ساخن في كلّ مرة. وتذكّر أنّ آخر مرّة وضع فيها رأسه على كتف أمه، لقط أنفه رائحة عطر رجاليّ رخيص يعرفه لكنّه نسي مصدره. تراجع عن العودة إلى البيت وحملته خُطاه إلى منزل وردي، اشترى جعة بكلّ ما لديه أمام أعين البائع المصدوم: «حتى ولد عروسية ولا يشري في الشراب! تي هاي تناكت الحومة».

اثنتا عشرة زجاجة سلتيا، أتمّها ودخل إلى البيت بخطى متثاقلة ووجه عابس. لم يقبّل رأس أمه المنتظرة على طاولة العشاء ودخل مباشرة إلى غرفته تحت نظراتها الواجمة. كلّ ما كانت تفعله مع وزغة لم يرفع عنها يوما شعور الذنب أو الخوف من أن يُفتضح أمرها يوماً ما. أمّا إبراهيم، فلم يشعر برغبة في المواجهة ولم يستطع أن يستكين لشكوكه في الآن ذاته. لا ينوي الموتَ، لكنْ تكسّرت في قلبه صورة عن نفسه إلى الأبد. كذلك إبراهيم مات في غرفته وحيدا بعد أن قطّع شرايينه بشظيّة مرآة. 

عادت هويدة صباحا إلى مركز الشرطة بعد أن حُجز وزغة في المستشفى لثقل جراحه. جلست مع أنيس وعمّه تبّلّيري في انتظار الشرطيّ الجديد الذي كان بصدد إتمام إجراءات نقل جثّة المُنتحر إلى التّشريح.

Author

إثر دراستها للعلاقات الدولية، انتقلت شيماء للعمل بالصحافة الثقافية. منذ سنة 2020، شغلت شيماء العبيدي عدة مناصب مثل مستشارة في الاتصال بديوان وزارة الشؤون الثقافية ومسؤولة إعلامية لعدة فعاليات ثقافية ومشاريع فنية.

إثر دراستها للعلاقات الدولية، انتقلت شيماء للعمل بالصحافة الثقافية. منذ سنة 2020، شغلت شيماء العبيدي عدة مناصب مثل مستشارة في الاتصال بديوان وزارة الشؤون الثقافية ومسؤولة إعلامية لعدة فعاليات ثقافية ومشاريع فنية.