
شكْلُ المشي على الإسفلت الساخن في طريق عودتي من المدرسة، رفقة صديقتي يوم ظهيرة بإحدى دول الخليج في التسعينات، ذكرى سيحتفظ بها جسدي ويؤرشفها خريطةً للصداقات الممتدة عبر الزمان والمكان. منحني المشي ذاكرة لخطوات مستمرة عن الصداقة وعبرها، خطوات تقترب حدّ تبادل الزيارات في منازلنا والثرثرة عن الحاضر وأحلام المستقبل وتخيّل الحياة الجامعية وما بعدها عند العودة إلى بلدينا «مصر وسوريا»، وخطوات تتباعد بتشعّب مسارات الحياة محتفظة بحرارة الصداقة. عملت تلك الشذرات على إمدادي بدفء مؤقت يعوّضني عن غياب صورة لم تَلتقط شرارة صداقتنا، فترة هجرة عائلات عربية في التسعينيات إلى الخليج لتحسين سبل العيش.
نودّع الهجرة ونعود إلى بلدينا مطلع الألفية، فننخرط مجدّداً في نسيج الحياة، ونبني علاقات مركّبة مع مجتمعاتنا المُنهكة. نحمل معنا رغبةً صادقة في الاندماج، يقابلها قلقٌ من نظرة الآخر إلينا كغرباء لم يشاركوا أبناء جيلهم السير في طريقة الجلجلة. رافقت تلك العودة تصوّرات أولية ومشاعر مرتبكة حول الاستقرار والانتماء، وكأن معنى الوطن يُعاد اكتشافه من جديد. ومع الوقت، خلق التوتر بين القلق والرغبة في الاندماج مسافة بين ذوات العائدين ومجتمعاتهم، مسافة تسمح بالتأمل حيناً وبالاشتباك حيناً آخر، وتكشف عن طبقات من الاغتراب والتحوّل الفكري، وتحمل أثراً أرشيفياً لمكوّنات تأثّرت بأجيال سابقة ولاحقة وأثّرت عليها. وفيما نمضي، ننتظر لحظة تحرّر تتبلور فيها رؤيتنا الخاصة لمعنى الانتماء إلى وطن، رؤية يصوغها كل عائد وفق قاموس حريته المنشودة.
❂
أفقد الاتصال بصديقتي مؤقتاً. تمرّ السنوات، ويظهر عالم المدونات بكل زخمه وجدالاته وشرارته التي ساهمت ضمن عوامل أخرى في خلق اشتعال متدرج، وفوران مجتمعي غاضب في أنحاء العالم العربي. ثم يخفت بريق هذا العالم، وتنتقل نجومه إلى شبكة التواصل الاجتماعي، فيسبوك وتويتر، فتكبر شعلة الغضب وتتأجّج بين عالمين، واقعي وافتراضي، وتشتعل الثورات وتُهجر المدونات تدريجياً حتى تُصبح أرشيفاً للماضي. تغزو صور الثورات العربية بعنفها الكوكب الافتراضي الأزرق. أما أنا، فأمتلك رفاهية التصفّح وحفظ عنف الصورة ومشاركتها وأرشفتها، بل رفاهية محو ذلك الأرشيف لاحقاً. أتتبّع اضطراب الأحوال بين سوريا ومصر ثم أشيح ببصري قليلًا، وتفاجئني صديقتي بطلب إضافة عبر فيسبوك.
نتواصل بعد انقطاع، ونندهش من تبدل الحال. كانت تتابع ما أنشر على تنوعه عن الثورة في مصر، وتراقب تناقضاتي وتحولاتي الفكرية في صمت، في الوقت الذي عجزَتْ فيه، هي اللي كانت تحت وطأة قمع نظام الأسد، عن مشاركة أي شيء يخصّ اليومي والعادي في الشارع السوري ولو بشكل ساخر. نتبادل الرسائل: إزيك وحشتيني إيه الأخبار عندكم؟ تجيب: السولار شاحح والكهربا بتيجي ساعتين في اليوم والأسعار في ارتفاع.
تمرّ السنوات ونحن نتحايل على الأحداث في بلدينا ونواصل الحياة. أتفادى أخبار العنف وأحاول أن أطفو قليلًا على سطح الحياة، فتراسلني: كيفك؟ طمنيني عنكم. أردّ: تعويم جديد. اتعودنا خلاص أو زي ماتقولي جتتنا نحست. نتبادل التطمينات والهدهدة الافتراضية على فترات.
تمرّ الأيام ثم تفاجئني الأنباء بتقدم أحمد الشرع، الداعشي السابق، نحو دمشق لتحرير سوريا. أحبس الأنفاس وأراسل صديقتي: طمنيني عليكم أول بأول. أستيقظ فأجد رسالة منها: تحررنا تحررنا خلصنا من القهر والظلم، أرد وقلبي منغمس بالقلق: مبروووك ربنا يحميكم. لا يمر يوم حتى تقصف إسرائيل مواقع عسكرية وتتوغل في الجولان واللاذقية، فتُساهم في محو أرشيف جرائم نظام الأسد من الترسانة العسكرية، كما تعمل في آن الوقت على تكوين أرشيف عُنف جديد، عُنف إعادة ترسيم الحدود والتوغل في الجنوب السوري واستلاب طوائفه، عنف يعي تماماً منطق تفعيل الإبادة والضرب المستمر في عمق العلاقات الفلسطينية -السورية-اللبنانية-الإيرانية وجغرافيا الشرق الأوسط كُلّه.
أحاول أن أتفادى أخبار العنف مجددًا فيباغتني بأجساد طفولة مُعَّنفة ومُمَثَّل بها تحدق أعينها في عيني وأعين الجميع فتردينا أسفل سافلين. تُفتح أبواب مسلخ صيدنايا البشري لتحرير المعتقلين، ونُفزع من عدد النساء والأطفال المندفعين من وراء القضبان، أطفال تُمثِّل تاريخاً طويلاً من عنف الأيدلوجيا والأيدلوجيا المضادة، وتاريخ يحمل في أحشائه جسد حمزة الخطيب، وإيلان الكردي، أطفال اختطفوا وعذبوا تحت نظام الأسد، أطفال علويين ذبحوا مع أسرهم في أحداث العنف الطائفي في الساحل، والتي اندلعت بعد عدة أشهر من فرار الأسد.
❂
متابعتي وتأثري بالأحداث في سوريا مرتبط بصديقتي بشكل خاص وبالعلاقة التاريخية بين مصر وسوريا بشكل عام،.فَبين صوتي وصوت صديقتي وَصمتينا وصوت أرشيف العالم العربي وصمته، فاعليته وتعطيله، يتحرك وعينا ورؤى مجتمعاتنا في أفق مشحون بصدى الثورات ومآلاتها. أفكّر في الصداقة كعلاقة فريدة ونادرة تشبه في أثرها الحب. وربما هي درجة من درجات الحب تصل أحيانًا إلى الإشباع الإنساني، لكن استمراريتها مرهون بالتواصل الفعّال والتعاطف الناضج، الصمود أمام المنعطفات الحياتية ولحظات الفتور واستقلال كل صديق بكيانه.
مرّ استقلالي الفكري وتحوّلاته بمراحل عديدة كان شرارة بدايتها تأثّري بالثورة المصرية أنا وعدد كبير من أبناء جيلي. أذكر لحظة مشاهدتي فيديوهات اقتحام المتظاهرين مقر جهاز أمن الدولة للحصول على أرشيفات الأمن قبل إتلافها، كي يحافظوا على أدلة تدين عنف نظام الأمن المصري، كانت لحظة غير مسبوقة مشحونة بالانتشاء والرغبة في تحدي فساد الواقع وتغييره للأفضل، لحظة رومانسية جماعية، دفعتني وغيري للتَعبير والنقد والاحتجاج والاندفاع في مسارات واتِّجاهات متشعبة، بل متناقضة أحيانًا.
فقدت في تلك الرحلة هويات قديمة لذاتي، هويات تحمل أرشيف شخصي يتفاعل مع أرشيف مجتمعي سابق وأرشيف لحظي وآني يتكوّن مع مرور الوقت. تتابع صديقتي تلك الرحلة بتفاعل افتراضي وصمت في كثير من الأحيان، يظلّ التواصل قائماً معها رغم ما ينتابه من فتور أحيانًا وبُعد المسافات وانشغال كلتانا بمسارها الخاص.
في رحلة فقد الهويات القديمة وميلاد جديدة تتلاشى صداقات وتتكون أخرى قد تصمد وقد لا تفعل أمام تحديات التغيير المستمر، أختبر المسافة التي تمنح الآخر مساحة للتنفس والنمو وتذوّق درجات جديدة من الوعي والاستقلال، أمتن لوجود صديقتي واستمرار تواصلنا، وإن عن بعد وعلى فترات متباعدة، ولأهمية الصداقة التي تحمل في طيّاتها تعدد الذات وتذكّرني باتساعها، إضافة إلى عوامل أخرى، حمتني من المضي قدماً في طرق مُتطرفة.
تتبدّل المواقع وأتابع انتشاء صديقتي بمشاهد إقتحام المدنيين السوريين قصر الرئاسة السوري في دمشق، حيث صوروا فخامة القصر ومقتنياته ونشروا صور بشار الأسد على خصوصيتها، لتصير مادة تهكم يعاد تدويرها كي تغزو الفضاءات الالكترونية. تعلو أصوات المدنيين والناشطين في لحظات اقتحام السجون، أصوات انتصار طازجة تشي برغبة الحصول على أرشيف القهر السوري على مدار عقود التعذيب. تذكّرني مشاهدة اقتحام المتظاهرين في سوريا بلحظة اقتحام المتظاهرين في مصر لأبنية السلطة وأرشيفها، وتفاعلنا مع زخم الأحداث الكبرى. ألجأ إلى الفن كي يساعدني على الفهم والتحليل.
Alina Amer, You Are a Beautiful Fig Tree, Rusted Radishes Issue 5, The Political City (2019)
يوظّف الفن الأرشيف من صورة وصوت وصمت للتعبير عن تجربة ما، عناصر وجدتني أتأمّلها وأنا أشاهد مؤخراً فيلم مها مأمون زائر آخر الليل: يوم أن تحصى السنين لمقاربة الثورة في مصر.
اعتمدت مادة فيلم مها مأمون على مقاطع فيديو من يوتيوب التي صوّرها المتظاهرون حين اقتحموا مقر جهاز أمن الدولة بداية ثورة يناير للحصول على أرشيفات الأمن قبل إتلافها. نزعت مها الصوت من مقاطع الفيديو، ثم أظهرته بشكل خفيف في مقاطع بسيطة لتضعني أمام رحلة صوتية مقطوعة في الزمن تحيلني إلى لحظة مشاهدة تلك الفيديوهات وقت الثورة.
يحاكي هذا الانقطاع الصوتي، بوصفه خيارًا فنيًا، ذلك الصمت الذي يطبع الأرشيف الرسمي، صمتٌ يحجب ما دوّى حوله من صخب المتظاهرين وارتباكهم وهم ينقّبون في الأرشيف المادي للدولة في محاولة انتزاعه من الإتلاف.
أتأمّل صمتي الآن أمام تسارع الأحداث وتعقّد الواقع؛ صمت شاهد ومشارك في آن، يحمل في ذاكرته تاريخاً شفاهياً لبعض ما شهدته الثورة المصرية. أتأمّل صمت صديقتي في بدايات الثورة السورية أمام بطش نظام الأسد، يشبه صمت أبناء كفرنبل المحتلة، أولئك الذين واجهوا العالم بلافتاتهم الساخرة في وقفاتٍ صامتة تفيض بالحياة.
ألهم الحراك هذا المعماري والكاتب اللبناني طوني شكر الذي استخدم تلك الشعارات في عمله الفني بالفيديو Speak Mouthless، وقدّم عبر عرضه الأدائي One Hundred Thousand Solitudes خطاباً موجّهاً إلى العالم الغربي، مؤكداً قدرة العرب على الحراك الجماعي من مدن صغيرة وهامشية كما في العواصم، وموازياً بين نضالهم ونضالات المجتمعات الغربية ضد السلطة.
أقرأ شعارات كل من كفرنبل المحتلة وميدان التحرير بالقاهرة عام 2011 هنا، واليوم، وأسمع أصداء: «يسقط النظام والمعارضة، تسقط الأمة العربية والإسلامية، يسقط مجلس الأمن، يسقط العالم، يسقط كل شيء» / «من مصر إلى وول ستريت لا تخاف تقدم واحتل أوكلاند». أقرأ أنقاض عالم مضى وأصغي إلى ماتبقى من التجربة.
❂
أن يسقط كل شيء، ربما يعني أن أبُقي على بعض الخيوط للبدء من جديد. والبدء يحتاج إلى عودة ولو على استحياء إلى الذاكرة أو التفاعل افتراضيًا مع واقع بديل، وربما العودة إلى وميض الصداقة في ذاكرتي تعويضاً عن صورة لم تُلتقط. والتأمل في صور صداقات أخرى باتت أرشيفاً لعلاقات انتهت أو فَترت عبر الزمن.
أُبحر كمعظم أبناء جيلي وقت الثورات وخمودها في عوالم افتراضية، فالتقي بآخرين عبر أنشطة واهتمامات تجمعنا. تُبحر صديقتي في العالم ذاته بدون إحداث ضجيج سياسي. أشرد أحيانًا في متابعة العالم فيحدث أن أتفاعل افتراضيًا مع سجن يعرف بـ«المسلخ البشري» في صيدنايا، عالم أشبه بألعاب فيديو حروب. لم أتحمّل هذا الواقع الافتراضي، ففررت منه سريعاً وتناسيته، ثم عدت إليه وأنا أكتب هذه المقالة، وقد أصبح أرشيفًا يوثّق أشكال التعذيب في السجن. بين التوثيق والذاكرة الأرشيف وصناعته يقع المتابع في دوامة من الانفعالات لا يمكن نسيان أثرها لتغدو ذاكرة مُرتَبِكة مُرَّكبة مُتفَاعلة ومُنفَعِلة ومُخَّدرة من هول الأحداث، لا يخفف وطأتها سوى حديث دافئ مع صديقتي.
حواري المتبادل مع صديقتي جعلني أجمع أرشيفاً هجيناً دون قصد، أرشيفاً يستند إلى مراسلاتنا وتجاربنا المتوازية، لكنه يقوم على خلفية أقدم: تاريخ طفولتنا ومراهقتنا المشتركة في الخليج. وذلك الفضاء، وفق تجربة معظم جيل المهاجرين، يصنع ذاكرة جمعية خاصة، ذاكرة لا تنتمي إلى مفهوم الوطن بل إلى العيش المؤقت. فمن شرائط الـVHS التي غذّت خيالنا بأفلام كرتون من قصص الأدب العالمي والسندباد وغيرها، أحدث الأغاني ورسائل الأهل على شرائط الكاسيت، إلى المسلسلات السورية والمصرية التي أدّت دور الهوية البديلة، مروراً بالمطاعم المتنوعة، والأسواق التي تجمع بين المُولات الحديثة والأسواق الشعبية، وصولًا إلى جدة كمدينة ذات ميناء جوي وبحري تستقبل ثقافات متعددة، عبر وفود الحجيج والمعتمرين من جميع أنحاء العالم وما يصحبه من انتعاش اقتصادي للمدينة، وأوروبيين وأمريكيين يعملون في قطاع البترول، وآسيويين يساهمون في القطاع الصحي والخدماتي وغيرهم. كل هؤلاء شكّلوا أرشيفًا يوميًا غير رسمي.
كما كانت الطقوس الدينية المكثّفة والرقابة الأمنية المرافقة لها، ورمضان الفاتر بالمقارنة مع بهرجته الاحتفالية في مصر وسوريا، والأعياد المُوحشة بدون الأهل، جزءاً من هذا الأرشيف الناقص، أرشيف البيوت المؤقتة والآباء المنشغلين بالعمل وطموحات الهجرة. حتى تصوّرنا الساذج عن الوطن، وترديد أوبريت «الحلم العربي» الذي شاهدناه عبر الفضائيات، وطقس شراء الهدايا عند العودة، كلها كانت عناصر تُراكِم هذا الأرشيف الهجين للغربة.
هذا الإرث المشترك هو الذي مهّد لاحقًا لتكوين أرشيف صداقتنا: أرشيف يبدأ من مساحة غير مسيّسة، ثم يتقاطع لاحقاً مع أرشيف الثورات والواقع المتصدّع في بلدينا. ومع غياب صورة واحدة تجمعني بصديقتي، صرنا نعوّض هذا الفراغ عبر بناء أرشيف جديد: أرشيف تتكوّن مادته من تواصل متقطّع عبر الفضاءات، نتبادل فيه الأخبار السياسية باقتضاب، لكن نُطيل في وصف الأثر الذي تتركه الأحداث على حياتنا اليومية. ما ترسله لي من سوريا يتحوّل إلى سجلٍّ موازٍ للرواية الرسمية، سردٌ دقيق لواقع اجتماعي مُلغوم تشكّل عبر سنوات الحرب والقمع، بينما تمثل رسائلي لها طبقة أخرى من توثيق ما جرى في مصر من تغيرات اجتماعية وسياسية.
هكذا نصبح مصدراً معرفياً متبادلاً: أحدّثها عن بحر الإسكندرية وتحولاته، فتخبرني عن حدائق اللاذقية وتغير عمرانها، أصف لها تبدّل إيقاع الحياة واللغة والعلاقات، فتصف لي التجريف والانحدار الذي أحدثه الأسد.
التبادل الواقعي، الحواري، التراكمي هذا، هو ما شكّل أرشيفنا المشترك، أرشيفًا لا يعتمد على الصورة، بل على الصوت، وعلى الصمت أيضاً. أرشيف عَفَوي لا يهدف لتثبيت ذكرى، بل لفهم ما يحدث حين يتغيّر بلدان في وقتٍ واحد، ويظلّ خيط الصداقة بينهما هو الوسيط الذي ينقل أثر التغير، بعيداً عن الأرشيف الرسمي للدول.
ومع الوقت، صار أرشيف صداقتنا يتقاطع مع أرشيف آخر أثقل: أخبار القتل والانفجارات والزلازل. لا نبحث عنها، لكنها تنزلق إلى يومنا وتحرك حوارنا بطرق لا نتوقعها.
انتحاري من سرايا أنصار السنة سُيفجّر نفسه في كنيسة مار الياس في منطقة الدويلعة في دمشق. أقرأ خبر الحادث على عجالة من متابعتي لسوريين وصديقتي. أتعاطف سريعًا، تصيبني المرارة وألجأ للسكرول عبر خبر اعتيادي تافه آخر، هي وسيلة دفاعية، طورتها كما الملايين غيري للقفز على عنف الأحداث والمثابرة على شحذ النفس وممارسة الحياة، وكأن الجسد يختار أن يحمي ذاكرته بواسطة التجاهل. أتابع تفاعل صديقتي مع الأحداث في سوريا في الوقت الذي أتوقّف فيه عن مشاركة الأحداث في مصر وما يحدث لِجوامعها وكنائسها ومجتمعها إلا فيما ندر، ربما مللًا أو خدراً أو حتى سبيلاً لإعادة توجيه الطاقة لمكان في الوعي أكثر قدرة على التأمل وإعادة البناء والإنتاج. أعود إلى خبر حادث كنيسة دمشق لاحقًا عبر أرشيف الإنترنت. ألاحظ اختلاف تفاعلي، وأراقب كيف استجاب جسدي وعقلي للحوادث بهدوء. أفكّر في التفاعل مع الحدث لحظياً بانفعال ومعه أرشيفياً بمنطق تحليلي. وفي أثر كلا التفاعلين على الجسد والذاكرة والوعي الفردي والجمعي وكيفية إعادة إنتاجه والتفاعل معه بصور وأشكال متعددة تختلف حسب اختلاف طبيعة المتلقي.
يهتزّ سطح الصداقة وعمقها بضربات الطبيعة. بين زلزال اللاذقية العنيف وهزة الاسكندرية المتواضعة المتأثرة باليونان، تتعاطف كلتانا. أبدأ: طمنيني عليكي وعلى الولاد. تجيب: احنا نجونا الحمدلله بس البيت تصدع. تسألني صديقتي بعدها بعامين فأجيب: أنا كنت نايمة وما حستش بحاجة، وبعدين أنا حياتي فيها زلازل وهزات كتير مش محتاجة زلزال. نتبادل الضحك ونجدّد دفء المودة. تشتعل الحرائق في غابات اللاذقية وسنترال رمسيس في توقيت متزامن تحزن كلتانا ثم نهون على بعضنا بتبادل الريلز الفكاهية دون الحاجة للكلام كثيراً.
❂
الأرشيف المركّب الذي جئنا به من الخليج تكوّن لحظة طفولتنا ومراهقتنا المشتركة داخل فضاء عام منزوع السياسة، فكوّنّا، غير قاصدتين، أرشيفاً موازياً أقل عُمْقاً في التوثيق، لكنه أكثر كثافة في التجربة: أرشيف من الذكريات والممارسات اليومية. لاحقًا، حين عادت كلٌّ منا إلى ديارها المأزومة بالثورات والتحولات، تداخلت طبقات الأرشيفين في مراسلات متقطعة وصوت وصمت وانفعالات مشتركة. هكذا صار الخاص مرآة للعام، والعام امتداداً للخاص، تجربة فردية تتحرّك داخل سياق سياسي أكبر، وتعيد تشكيل وعينا بما عشناه وبما تعيشه بلداننا وتمنحنا موقعاً أكثر وعياً وفاعلية داخل مجتمعاتنا.
تنشر مجلة فَمْ هذا الحوار ضمن سلسلة «الكتابة عبر الأجيال» التي تشمل فعاليات وحوارات ونصوص لكاتبات وباحثات ابتكرن أساليب سردية لاستعادة الذاكرة الجماعية والوقوف على ما نُبذ من إرث الماضي، فاجترحن مقاربات جديدة في فن التنقيب والسرد. انطلاقاً من أعمالهنّ الروائية والبحثية وسيرهنّ الذاتية، نسعى للإضاءة على أطوار من الكتابة تسائل صيغ السرد المهيمنة، فتعيد تخيّل الماضي. السلسة من تنظيم سارة مراد وريما رنتيسي وبرعاية كليّة الآداب والعلوم في الجامعة الأميركية في بيروت.
* * *
This piece is part of “Transgenerations,” a series of talks and texts by writers on their search for the discarded traces of the past and their experimentation with forms of retrieval and narration. Inspired by their archival scholarship and work in memoir, biography, and fiction, it showcases modes of writing minor histories that reimagine the past and challenge dominant narratives. The series is curated by Sara Mourad and Rima Rantisi and supported by the Faculty of Arts and Sciences at the American University of Beirut.
Sarah El Raghy is a multidisciplinary artist, writer, and researcher based in Alexandria, Egypt. Her work engages archival materials and overlooked histories, connecting personal narratives to broader social contexts. She has published with Adab 360, Khat 30, Amkenah Magazine, the Contemporary Image Collective (CIC), and the Panorama of the European Film Festival bulletin, Cinema Zawya. She is currently participating in the international photography program Through the Lens Collective (TTLC). She studied veterinary medicine at Alexandria University, and the humanities at the Cairo Institute of Liberal Arts and Sciences (CILAS) in Alexandria
❂
سارة الراجحي فنانة وكاتبة وباحثة متعددة التخصصات مقيمة في الإسكندرية، مصر. تتفاعل مشاريعها مع المواد الأرشيفية والتواريخ المنسية لربط السرديات الشخصية بالسياقات الاجتماعية الأوسع. نشرت كتاباتها في «أدب 360» ، «خط 30»، «مجلة أمكنة»، مركز الصورة المعاصرة ( CIC)، ونشرة «بانوراما الفيلم الأوروبي»، سينما زاوية. تشارك حاليًا في برنامج التصوير الفوتوغرافي الدولي (Through The Lens Collective (TTLC. درست الطب البيطري بجامعة الاسكندرية والعلوم الإنسانية في معهد القاهرة للفنون والعلوم الحرة بالإسكندرية (CILAS Alex).

