Skip to main content

Critical Essays | مقالات نقدية

إيمان مرسال المترجِمة وقَيِّمة الأدب المُربِك

CONTRIBUTOR
المساهم/ة
Zeina G. Halabi | زينة الحلبي

TAGS
الوسوم
web-featured

PDF

SHARE POST
للمشاركة
CONTRIBUTOR المساهم/ة
Zeina G. Halabi | زينة الحلبي

Zeina G. Halabi is a writer, editor, and scholar of modern Arabic literature. Her research explores the contemporary legacy of 20th century emancipatory traditions, texts, and figures, with a regional focus on Egypt and the Levant. She is the author of The Unmaking of the Arab Intellectual (2017) and essays and translations on topics ranging from literature to music and visual culture. She is currently Research Associate at the Orient Institute in Beirut and the Arabic Editor of Rusted Radishes: Beirut Literary and Art Journal. She is no lover of translation, yet certain texts overtake her, insistently and without warning. * زينة الحلبي كاتبة وأكاديمية ومحررة مختصّة بالأدب والثقافة المعاصرة. صدر لها كتاب عن نقد المثقّف العربي في الأدب والسينما منذ تسعينيات القرن الماضي، إضافةً إلى نصوص وملفات وترجمات عن الأدب والموسيقى والفنون البصرية. تعمل حالياً باحثة في المعهد الألماني للأبحاث الشرقية ومحررة القسم العربي في «فَمْ: مجلة بيروت الأدبية والفنية». لا تهوى الترجمة، ولكن هناك نصوص تعترضها دون خجل أو سابق إنذار.

WORKS BY THIS CONTRIBUTOR
أعمال للمساهم/ة
Zeina G. Halabi | زينة الحلبي
Critical Essays | مقالات نقدية

إيمان مرسال المترجِمة وقَيِّمة الأدب المُربِك

من بين الكتاب البولنديين الخمسة الحاصلين على جائزة نوبل للآداب، لماذا اختارت إيمان مرسال أن تُترجم للشاعرة فيسوافا شيمبورسكا؟ ومن بين أعمال الشاعرة، لماذا اختارت أن تترجم نثرها، وتحديداً مختارات من مقالاتها النقدية؟ وإن عدنا إلى الترجمتين الأخريين الصادرتين لمرسال، كيف نفسّر خيارها في ترجمة السيرة الذاتية للشاعر الأميركي يوغسلافي الأصل تشارلز سيميك، بدلاً من ترجمة شِعره؟ ومن بين المكتبة الضخمة للأدب الناطق بالإنجليزية، ما الذي دفعها لترجمة الرواية اليتيمة للكاتب المصري وجيه غالي؟ 

أتساءل وأنا مدركة أنّ لا جدوى في الأجوبة السببية والقصدية، وأن الأجدى إعادة طرح السؤال بصيغة أكثر خصوبة: ماذا لو كانت الترجمة ممارسةً في التقييم الأدبي literary curation؟ والتقييم هنا هو اختيار لنصوص أدبية ذات دلالة ونقلها إلى العربية، لتشكّل مجتمعةً رؤية متناسقة لدى إيمان مرسال لأشكال وجماليات أدبية ستُربك مكرَّس الأدب العربي وتضيف إليه في الآن نفسه. البداية في النظر إلى ما يجمع بين سيرة تشارلز سيميك ومقالات فيسوافا شيمبورسكا ورواية وجيه غالي التي ترجمتها إيمان بالإشتراك مع ريم الريس.

قراءات مُربِكة

لا نظير للأعمال الثلاثة في العربية، بمعنى أنها أنواع أدبية غائبة عن مكرَّس الأدب العربي. هي ليست ترجمات لكتّاب الواقعية الاشتراكية أو لشعراء السجن والمنفى، أو سِيَر عظماء الأدب. فتلك الأنواع الأدبية إذا ما انتقلت إلى العربية، ستحتلّ مكانها الطبيعي، إن لم يكن المتوقَّع، بين أعمال عبد الرحمن منيف وعبد الرحمن الشرقاوي وحنا مينا وغيرهم من أدباء الحداثة العربية، من دون أن تُربك التأريخ السائد للأدب العربي وذائقة قرّائه. 

بعيداً، إذاً، عن ذائقة المكرَّس، تبدو مرسال في خياراتها بالترجمة وكأنها تلتفت إلى الكتاب والأنواع الأدبية التي تسائل مفاهيم أساسية في سردية الأدب وصورة أدباء الحداثة العربية لذاتهم. فليس في ذبابة في الحساء، مثلاً، بورتريه ذاتي للكاتب الحداثي، بل محاولة لتشارلز سيميك لتقديم نفسه خارج خطاب البطولة والعبقرية والتفرّد. كما أنّه ليس في رواية بيرة في نادي البلياردو لوجيه غالي التزام بأقانيم رواية الواقعية الاشتراكية التي راجت في مصر في الخمسينيات، بل تشكيك موجع بالتوحيد الإيديولوجي الذي ساد آنذاك واستشراف للعنف الكامن فيه. وعلى غرار ذلك، ليس في قراءة غير ملزمة النقدية الساخرة لشيمبورسكا إجلال لما يعرف بـ«الأدب الكبير»، بل تفاعل مع كتب وإصدارات لطالما نبذها النقّاد بوصفها لا ترتقي كي تكون أدباً. 

بالإضافة إلى فرادة الأعمال الثلاثة من حيث نوعها أو مقاربتها وافتقاد المكرس العربي إليها، تلتقي هذه الأعمال على نفورها من المفاهيم التي فقدت قيمتها النقدية فصارت مهيمنة بدورها. فليس في الأعمال الثلاثة التي ترجمتها مرسال صبرٌ على السرديات الكبرى. ذلك أنّ مفاهيم مثل «التقدّم» و«التاريخ» و«الحقيقة»، تلك التي تقدّم نظرة شمولية للعالم وتختزل التجارب الإنسانية في أنماط يعاد حياكتها في صيغ سردية متنوعة، صارت في الأعمال التي ترجمتها مرسال مكمناً للنقد والتقويض. 

في «بيرة في نادي البلياردو»، مثلاً، يتناول الكاتب المصري المنفي شخصية رام، الأرستقراطي الأناركي، والذي بحكم موقعه الطبقي واللغوي الملتبس، يهيم في شوارع مصر الجديدة يشتم العهد الملكي البائد، رغم أنّه على عتبة إقصائه من الجمهورية الجديدة. وفيما يتتبّع غالي تعثرات بطله التراجيدي، يدلّ إلى خطورة الممارسات القمعية بحق الشيوعيين، كما الأقليات القومية واللغوية في مصر، أي إلى ضيق خطاب الأصالة المصرية الذي ساد في عهد عبد الناصر. 

وإن كان غالي ينتقد السرديات الكبرى من موقع رام أو من موقعه الهامشي ككاتب أنجلوفوني في طريقه إلى المنفى، فإن الشاعرة البولندية شيمبورسكا لا تتوقّف عند هامشية الكتب التي تراجعها، ولا تتأسّف على «الأدب الكبير» وعظمائه. في «قراءة غير ملزمة»، تنشر شيمبورسكا مجموعة من مقالاتها الصحفية، وهي مراجعات لكتب لا تنتمي إلى الأدب الرصين، بل لا تُصنّف أدبية حتى. هي كتب هامشية ومتنوعة مثل كتيّبات مبسطة في علم الأحياء والفلك والطبيعة، أو معاجم وموسوعات وكتالوجات تصنيفية، أو تواريخ جزئية لحوادث صغيرة وسير شخصيات مغمورة، أو كتب إرشادية في السلوك واللياقة والحياة اليومية، أو كتب الرحلات القديمة. للوهلة الأولى، تبدو تلك الأعمال وكأنها خفيفة، إلا أن فيها مفارقات وحدها شاعرةُ الأسئلة الإنسانية الصغرى قادرةٌ على رصدها كما التهكّم عليها. «نفس الشيء يحدث مع التاريخ»، تتحدّث شيمبورسكا في لسان إيمان مرسال، «فالتاريخ لا يُمكن تشييده بمثل هذه الكتل الغبية. كان من الأفضل لمَن اشترى كتاب ‘أعظم مائة طاغية’، أن يشتري كتاباً أقلّ سعراً وأكثر فائدة مثل ‘مائة طريقة لطهي البطاطس’». 

لا مكان للتصنيفات ولا للّوائح ولا للعظمة في مكتبة الشاعرة-الناقدة البولندية، ولا في مكتبة الشاعرة-المترجمة المصرية. فكما شيمبورسكا، لا تلتفت إيمان مرسال في أعمالها الشعرية والنثرية، ولا في ترجماتها الأدبية كما يبدو، إلى السرديات الكبرى، بل إلى جزئياتها المعاشة لكن غير المرئية، إلى المكوّن الثقافي وانطباعه الشعوري الذي يضيء تصوّرنا عن تجارب حياتية اعتيادية، كالأم الحاضرة-الغائبة في صورة ولدها كما تصورها إيمان في كيف تلتئم، أو إلى النظام الأبوي بواسطة شخوصه السلطوية، كالأب والزوج أو حتى الناقد، الذين يساهمون في محو كاتبة مثل عنايات الزيات. فكما يتّضح من سيرة الزيات كما روتها إيمان، لا تمثّل الرواية التي كنت قد كتبتها الزيات أهمّ ما في تجربتها، بل لعلّ ما يبقى لنا من تجربة الزيات هو آلية التعتيم على روايتها وصد طريقها ككاتبة. هي سرديات صغرى تشكّل معاً المكون الثقافي للسردية الكبرى عن تضافر السلطة القومية مع الأبوية بوصفه إيديولوجيا.

وعلى غرار مرسال، وفيما الجميع منشغل بالأسئلة الكبرى، تلاحق شيمبورسكا أثر ما يسقط عادةً من السرديات الكبرى: «هؤلاء الذين يشيحون بأعينهم من وجود متحف للأزرار: ‘ليس لديكِ مشاكل أهم من مشاكل الخياطين في وادي النيل؟’ بالطبع لدي مشاكل أهم، لكن هذا ليس مبرراً لتجاهل المشاكل الصغيرة.» أقرأُ شيمبورسكا، فأسمع مرسال وهي تقرأ إحدى قصائدها. 

وفيما يسردُ النقّادُ تاريخَ الأدب المصري الحديث من خلال جينيالوجيا ثابتة تبدأ من محمد حسين هيكل وطه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، تعير مرسال صوتها لوجيه غالي، وهو الذي لم يتّسع له التأريخ السائد للأدب، سواء بسبب لغة «بيرة في نادي البلياردو» الإنجليزية أو بسبب هرطقة كاتبها الإيديولوجية. تترجم مرسال غالي فيحتلّ مساحته الطبيعية في مكتبة جيل جديد من القرّاء الذين قد لا يعرفون أنّ في الأدب العربي الحديث أصواتاً إنجليزية تسرد قصّةً مصرية، مصرية جداً. 

وبدلاً من الالتفات إلى عجلة التاريخ، تنقل مرسال في ترجمتها لـ«ذبابة في الحساء» صورةً لسيميك كصعلوك تائه دهسته العجلة ذاتها، إلا أنه نجا منها ساخراً. يسرد الشاعر طفولته في بلغراد والفقر الذي عرفه في الحرب العالمية الثانية قبل انتقاله إلى فرنسا ثمّ أميركا التي صار فيها شاعراً ومحرِّراً. تُبرز ترجمة إيمان أسلوب الشاعر المتقشّف حتى في سرده للحروب والقتل والجوع والامبراطوريات قيد التفتّت والتشكل. كلها أحداث كبيرة، إلا أن الشاعر ومُترجمته يسردانها بواسطة شخصيات صغيرة، هامشية، كثيفة الحساسية، قليلة العاطفة، لا تعرف النهايات السعيدة ولا تلك المأسوية، بل تهيم في برزخ من التكرار السيزيفي.

تجاه هذا المصير، يسخر سيميك من الكمال كقيمةٍ ويحتفي بالنقص، بنقصه هو كمصدر للالتباس الذي يُنبت شعراً. من هذا النقص تحديداً، تتشكّل رؤية سيميك للشعر كما مفهومه لشخص الشاعر، لا كرمز أخلاقي، أو كبطل يغيّر مجرى التاريخ ويقدّم عبرةً للأجيال من خلال شهادته الشعرية، بل ككائن عادي، يسرد إخفاقاته كما ملذّاته في مسار خالٍ من البطولة أو الرومنسية، فيكتب سيميك: «ممكن للمرء أن يكتب سيرته الذاتية عبر وصف كل وجبة استمتع بها في حياته، وستكون قراءتها أكثر متعةً ممّا نقرأه عادة. بصدق، ما الذي تفضله، وصف أول قبلة أم الكرنب المطبوخ بإتقان؟». لا مواقف عظمى أو مشاعر كبرى، إذاً، بل إصرار على تأريخ الذات من خلال التفاصيل الاعتيادية، كمتعة الأكل، والشخصيات الثانوية، وعبثية العنف، وكلها تعيد تذكيرنا بأن لا بطولة في الشعر، ولا عند الشعراء.

Omar Mismar. Views for Rent, 2023.

بلاغة بديلة

من نقد البطولة يبرز نقد البلاغة مكمناً لشاعرية إيمان كما الكتّاب الذين ترجمت لهم. تنظر إيمان مرسال إلى البلاغة بوصفهاً أدائية لغوية وإيديولوجية وتضحك، أو هكذا أحبّ أن أتخيّلها. تتناول في أعمالها الشعرية والنثرية، مواضيع كالفقد والأمومة والهجرة، من ضمن ما يُسمّى «القضايا الإنسانية الكبرى»، إلا أنها تنأى بنفسها عن الثقل البلاغي الذي غالباً ما يُسقَط عليها: «إذا طرح نصٌّ ما بلاغةً جديدة خارجاً عن بلاغة قديمة وسائدة»، توضح الشاعرة في حوار قديم لكن آني مع محمود الورداني، «فهذا معناه أنه خاطر ولم يقبل بالمضمون، أنه ملتصق بلحظته التاريخية، أن لديه بصيرة اعتنى بها، وليس معناه الوعي بموقف قبلي من البلاغة.» لا ترفض الشاعرة-المترجمة البلاغة تماماً، بل تقدّم بلاغة بديلة، خاصة بها، على المقلب الآخر من الأدائية السائدة. 

تتجلّى بلاغة مرسال في علاقتها باللغة ليس بوصفها «موقفاً قبلياً»، أو منجزاً ثقافياً وتاريخياً عليها الامتثال له، بل كلسان قيد التشكّل، قيد التشكيك، ليس امتداداً للشاعر التنويري أو الملتزم بل تشكيك بدوره ومركزيته. «سقطت ادعاءات الكاتب عن نفسه» تقول مرسال، «فهو ليس أكثر وعياً من الآخرين كي يقدم لهم معرفة جاهزة ومكتملة وكليّة، ولم يعد متماسكاً داخل حياته اليومية حتى يمارس على القارئ نبوّة جمالية.» 

إزاء ذلك الإدراك بانحسار نبوّة الكاتب، كيف لمرسال أن ترثي شاعراً كان شخصه، كما لغته ومواقفه من الشعر نفسه، على نقيض ما تسعى إلى تحقيقه؟ هكذا تتوقّف إيمان عند موت محمود درويش فتسائل سردية النبوّة المنسوبة إليه: ماذا لو كان درويش الشاعر حبيس لحظته التاريخية، حبيس الصورة، حبيس اللغة؟ تستعيد مرسال الشاعر بلغة لا هي عاطفية تماماً ولا هي نقدية فحسب، بل لغة تأملية، تتيح إسقاطات الشاعرة على الشاعر، وتطرح أسئلة على الذات أكثر مما تجزم، فتكشف بانسحاب انفعالي، تراجيديا أن يصبح الشاعر (كما الشاعرة) نبياً.

وإن كانت بلاغة إيمان تأملية، تفكيكية عند موت درويش، فهي تأخذ شكلاً أكثر حدّةً، مثلاً، في استعادتها لحياة سنية صالح، الشاعرة السورية التي لم يكن ممكناً لها أن تكون. تبحث مرسال عن أثر الشاعرة السورية المغمورة فلا تجده إلا في ظلّ الشعراء الكبار، من أدونيس إلى الماغوط، وفي سرديتهم عن نفسهم ومريديهم ونقادهم. أمام ذلك المشهد الشعري-السلطوي، تصير لغة مرسال جارحة، سخريتها باردة وموجعة وهي تصف القامات التي ساهمت في محو أثر سنية، وكل ذلك في لغة محايدة رغم انحياز مرسال الشعري. هو انحياز شعري، إلا إنه لن يتحوّل انحيازاً لغوياً مشبعاً عاطفياً.

وإن كانت البلاغة البديلة تلك تُبرز خصوصية مرسال، فإنّها ليست خاصة بها، ذلك أنّنا نستشفّ بلاغةً مماثلة في النصوص التي اختارت أن تترجمها. نراها في شعر شيمبورسكا وسيميك، كما في نثرهما اللذين يكشفان فيهما عن شاعرية تكمن في صغر مواضيعهما التي لا ترقى لأن تحتلّ رفّ السرديات الكبرى في الأدب. فلغة الشاعرين مقتصدة في وصفها للشذرات اليومية البسيطة التي تُخفي مفارقات وغرابة لماحة، وباردة، وعارية من العاطفة المباشرة، فتدلّ على عبث العالم وعنفه، وقد تدل أيضاً على جماله، دون الكثير من الشرح أو الانزلاق نحو الابتزاز العاطفي.

لعلّ أهمّ ما في شاعرية شيمبورسكا وسيميك، هو رؤيتهما للجمال الذي تراه إيمان «ليس في الفداحة والألم كوحدات نفسية خارج الموضوع، بل الجمال في زاوية النظر، في الانحراف، في تقديم ما يراه الآخر عادياً ومألوفاً داخل سياق يمنحه القدرة على الحياة والإدهاش». تلتقي ايمان مع الكتّاب الذين ترجمت لهم على السؤال الذي يطرحونه عن عالم ذاتي، محدود واعتيادي تتسائلين للوهلة الأولى عن جدواه — جدوى توقّف إيمان عند صور فوتوغرافية أو عند اللقاء الأول والأخير بين غريبَيْن أو عند موت عصفور، أو جدوى اهتمام شيمبورسكا بقرون الوعل البري أو بالطيور أو مغنيات الأوبرا. إلا أن نصوص أولئك الكتاب تُقفل على جملة، لا هي طويلة ولا هي رنانة، بل كافية لتهدم توقعاتك عن النهايات وتربك عالمك. 

تراجع شيمبورسكا، مثلاً، كتاباً عن إنسان النياندرتال، موضوع قد تظنينه بارداً، شديد التخصص، قليل الخيال. إلا أن الشاعرة ستختم المقالة باستفهام مباغت يسحبك إلى عالم سفلي من الإدراك، عن ارتباط الحزن بقدرتنا على تسميته: «هل كان إنسان النياندرتال يبكي؟ هل استجابت قنواته الدمعية بالفعل للألم؟ والأهم من ذلك، هل استجابت للبؤس والويلات؟ لربما كان غير قادر على تسميتها بدقة — لكن هل ستصدمنا الإجابة؟ أنا بنفسي أجد صعوبة أحيانًا في أن أُسمّي الأشياء.» تدعوك الشاعرة في لسان مرسال إلى التعاطف مع الإنسان الأول من خلال تكشّفها أمامك — كيف أنها مثله قد تعجز عن تسمية مكمن وجعها. وكأنّ شيمبورسكا، لحظة تماثلها مع الآخر الغريب، تتكثّف مشاعرها وإدراكها بذاتها في جملة واحدة «ولكني أبكي»، هي لم تقلْها إلا أنك سمعتِها بالفعل، فاستقرّ عندك وجع الشاعرة. كل ذلك دون الانزلاق إلى الإنسانوية والأخلاقوية. شاعرية فحسب.

شاعرية نعم، لكن دون رومانسية سائدة. تستحضر مرسال الرومانسية بوصفها حنيناً للماضي، أو تهذيبًا للواقع، أو الهروب منه عبر الإقامة في المثالية والطهرانية، فتلعّبها، تعذّبها، تهزأ منها وتقطّعها إرباً — مصيرها مثل تلك الوردة في قصيدة «الشر» — ثم تعود وترينا رومانسية خاصة بها. فرومانسية إيمان تقوم على اجتراح جماليات للأثر، على التكثيف في الصورة، على الإيقاع الذي لا يعلن عن نفسه ضجيجاً، على الانحياز إلى العوالم الداخلية الخشنة، على المباغتة التي تخضّ مَن يُطربه الثبات. 

هي رومانسية لدى إيمان ولدى من تترجم لهم أيضاً. كشيمبورسكا التي تكشف لنا عن رومانسية خالية من الانفعالات المبتذلة، ليس الحب فيها معطوفاً على الجمال ولا الكمال، بل على خيال مغاير لهما، لا بل على نقيضهما. هكذا يبدو لنا الحبّ في «متجر الانتيكا» لشيمبورسكا، كما ترجمتها إيمان، حيث تصف رجلاً متزوجاً من إمرأة كاملة الأوصاف وحال مشاعره بعدما اصطدم بامرأة متلعثمة، متعثرة، لا هي بالضرورة جميلة، ولا هي بليغة، وليس فيها شيء من وقار زوجته. ولعلّ كل ذلك النقصان هو ما يجعل حبه لها مباغتاً، بل ممكناً. هنا الرومانسية هي رغم القصور والنقصان، لا بل بفضلهما. 

معرض افتراضي

تحدّد إيمان مرسال من خلال خياراتها في الترجمة الأصوات الأدبية التي لا بدّ لها أن تشكّل إضافةً إلى مكرّس الأدب العربي. لا يتجلّى هذا الدور في خيارات إيمان للأعمال المترجمة وحسب، بل أيضاً في اجتراح شجرة نسب للعمل المترجَم ولأعمال عربية أخرى. إن كانت إيمان تقرأ لشيمبورسكا، فلا بدّ أن تكون الشاعرة البولندية قد أثّرت عليها وعلى جيلها الشعري. سيلتقط قرّاء إيمان تلك الإشارة وسيبحثون عن أعمال أخرى لشيمبورسكا أو لسيميك، ويطوفون في يوميات وجيه غالي، فيبدأون ببناء رفّ صغير للكتّاب الذين كوّنوا ذائقة شاعرتهم (أنا عن نفسي، لم أكن قد قرأت لسيميك وشيمبورسكا قبل أن تقترحهما عليّ إيمان مرسال وريم الريس في ترجمتيهما). 

لكنّ المترجمة لا تكتفي باجتراح شجرة نسب أدبية، بل تبدو وكأنها تطرح من خلال ترجماتها سؤالاً افتراضياً بصيغة «ماذا لو؟». 

ماذا لو كان الكاتب شخصية غير استثنائية؟ في مقابلاتها كما في شعرها ونثرها، تنفر إيمان مرسال من أيّ تصوّر لعبقرية الكاتب أو لاستثنائيته، فتبحث في سرداب «الأدب الكبير» عن شخصيات كسنية صالح وعنايات الزيات، تلفتنا من خلال غيابها عن المتن أو من خلال اعتيادية مواضيعها ومقاربتها للقضايا الكبرى. لا نعرف مثلاً الكثير عن وجيه غالي سوى أنه بعد نفيه من مصر، عمل في مصنع في ألمانيا الشرقية، قبل أن يستقرّ في لندن ويموت فيها انتحاراً. كما أنه ليس هناك ما هو استثنائي في يومياته. وعلى غرار غالي، لا يبدو أنّ هناك ما هو استثنائيّ في شخص شاعر شديد التأثير والخصوصية كتشارلز سيميك. 

وعلى هذا المنوال أيضاً، تقدّم شيمبورسكا نفسها: «لذلك وللاستفادة من النصائح الموجودة في هذا الكتاب، تقدمت بعينة من كتابتي الخاصة من أجل تحليلها. يمكن تلخيص النتائج في جملة واحدة: سيداتي وسادتي، أنا لست رائعة، لكن كان من الممكن أن أكون أسوأ. وهذا ما عرفته منذ فترة طويلة على كل حال». هكذا، ومن خلال ترجمة صورة مغايرة لعبقرية الكاتب وتفرّده، تكون مرسال قد قالت الكثير عن الأيقنة المائلة نحو الابتذال، والتي رافقت صورة الكتاب العرب المكرَّسين.

تطرح ترجمات إيمان مرسال سؤالاً افتراضياً آخر، يبدو للوهلة الأولى بسيطاً، إلا أنه سيُقلق راحة نقّاد الأدب العربي ومؤرّخيه معاً. ماذا لو دخلت النصوص الثلاث المقرَّر الأدبي العربي؟ 

لو نظرنا إلى رواية وجيه غالي على أنها رواية عربية بالرغم من لغتها الإنجليزية، فلا بدّ أن تتبدّل رؤيتنا لهوية الأدب العربي، حيث أنه يمكن للروائي المصري أن يكون ناطقاً بغير العربية، ويمكن له أيضاً أن يناهض الاستعمار باللغة الإنجليزية، كما يمكن لرواية مكتوبة بالإنجليزية أن تكون مصرية، فتُقرأ بموازاة الأدب المصري، ضمن غيرها من الاحتمالات التي تفسح المجال لأسئلة عن مآلات الأدب ما لم يتمّ نفي كتّابه — من وجيه غالي وجورج حنين وألبير قصيري والطاهر جاووت وآسيا جبار وغيرهم من الذين شذّوا عن الأقانيم اللغوية والإيديولوجية للأدب القومي. 

الترجمة كممارسة في التقييم

في مشروع إيمان مرسال الأدبي الذي تتقاطع فيه قصيدة النثر مع نثر عابر للتصنيف، ثمّة ضلعٌ ثالث: الترجمة كممارسة في التقييم الأدبي. مع إيمان، ننتقل من وجيه غالي إلى تشارلز سيميك، ومنه إلى فيسوافا شيمبورسكا كمن يتنقّل، ليس في متحف أو صرح وطني كبير، بل في معرضٍ طيّارٍ للأدب، معرض افتراضي نسّقته إيمان على مهل تحت عنوان: ماذا لو كان هذا أدباً أيضاً؟ من بين الكتاب المصريين المعاصرين، لعلّ إيمان مرسال أكثرهم اهتماماً  بهذا السؤال.

لم تكن طريق إيمان مرسال إلى الاعتراف النقدي سهلة، فمنذ التسعينيات ولقصيدة النثر أعداء يطعنون في أصالتها الثقافية. فإيمان لم تعرف التكريس إلا بعد عقود على صدور أولى مجموعاتها الشعرية، أي بعد ترجمة أعمالها إلى لغات عدّة وترشيحها لجوائز أدبية عالمية ونيلها لأكثر من واحدة. إلا أنها، وبعدما راكمت السلطة الرمزية تلك، عادت والتفتت إلى المكرّس العربي من خلال خياراتها في الترجمة، فساهمت من خلال الترجمة إلى العربية في تعريف القارئ العربي على ما استذوقته هي من الهامش — هامش المتن أو هامش الهامش — بوصفه ذلك الذي يُربك المتن في إطار بحثه عن جماليات مغايرة.

لا تُزحزِح ترجمات إيمان مرسال هالة الكاتب وحسب، بل تزيح، بفعل تلاعبها بحدود الأدوار وصرامتها، سلطة الناقد الرمزية أيضاً. لسنا في إطار الناقد صانع الملوك، ذاك الذي يُنعم ويحرم، فيحدّد الذائقة الأدبية، بل نحن في عالم «القراءة غير الملزمة»، أي القراءة التي لا يدفعها مشروع فكري ينتمي إلى «الأدب الكبير»، أو تحدّده إملاءات الناقد، بل يدفعه فضول القارئ وحده، والأهمّ حريته في التأويل، أي التوقّف عند مفارقات وتفاصيل في النص الأصيل وإعادة تركيبها في سردية بديلة لا تخلو من الشاعرية. 

تترجم مرسال نصوصاً لا ترقى لأن تكون أدباً كما يريده التأريخ القومي أو الأكاديميّ السائد. إلا أن مرسال، وعلى غرار شيمبورسكا، ستقرأ في تلك النصوص النثرية شعراً. فالناقدة، كما تبدو في تلك الترجمات، هي قارئة أولاً، والقارئة هي شاعرة أيضاً. ومثلها، ترينا إيمان من خلال ترجماتها كيف يمكن للشاعرة أن تكون مترجمة وللمترجمة أن تكون قيّمة أدبية. تتلاعب إيمان مرسال بتلك الأدوار الصارمة، بكل تلك الخفة، بكل ذلك الثِقَل. وكأنها بمشاركتها لنا لمن تقرأ ولمن تترجم، تعرّفنا مرسال على جماعتها الأدبية، في معرض يتناول خيالاً أدبياً مربِكاً، وكأنها تقول: قد يكون الشعر هنا، قد يكون الأدب هكذا.

Author

Zeina G. Halabi is a writer, editor, and scholar of modern Arabic literature. Her research explores the contemporary legacy of 20th century emancipatory traditions, texts, and figures, with a regional focus on Egypt and the Levant. She is the author ofThe Unmaking of the Arab Intellectual(2017) and essays and translations on topics ranging from literature to music and visual culture. She is currently Research Associate at the Orient Institute in Beirut and the Arabic Editor ofRusted Radishes: Beirut Literary and Art Journal. She is no lover of translation, yet certain texts overtake her, insistently and without warning. *

زينة الحلبي كاتبة وأكاديمية ومحررة مختصّة بالأدب والثقافة المعاصرة. صدر لها كتاب عن نقد المثقّف العربي في الأدب والسينما منذ تسعينيات القرن الماضي، إضافةً إلى نصوص وملفات وترجمات عن الأدب والموسيقى والفنون البصرية. تعمل حالياً باحثة في المعهد الألماني للأبحاث الشرقية ومحررة القسم العربي في «فَمْ: مجلة بيروت الأدبية والفنية». لا تهوى الترجمة، ولكن هناك نصوص تعترضها دون خجل أو سابق إنذار.

Zeina G. Halabi is a writer, editor, and scholar of modern Arabic literature. Her research explores the contemporary legacy of 20th century emancipatory traditions, texts, and figures, with a regional focus on Egypt and the Levant. She is the author of The Unmaking of the Arab Intellectual (2017) and essays and translations on topics ranging from literature to music and visual culture. She is currently Research Associate at the Orient Institute in Beirut and the Arabic Editor of Rusted Radishes: Beirut Literary and Art Journal. She is no lover of translation, yet certain texts overtake her, insistently and without warning. *

زينة الحلبي كاتبة وأكاديمية ومحررة مختصّة بالأدب والثقافة المعاصرة. صدر لها كتاب عن نقد المثقّف العربي في الأدب والسينما منذ تسعينيات القرن الماضي، إضافةً إلى نصوص وملفات وترجمات عن الأدب والموسيقى والفنون البصرية. تعمل حالياً باحثة في المعهد الألماني للأبحاث الشرقية ومحررة القسم العربي في «فَمْ: مجلة بيروت الأدبية والفنية». لا تهوى الترجمة، ولكن هناك نصوص تعترضها دون خجل أو سابق إنذار.