
عام ٢٠١٩، وبينما أخذ زياد الرحباني استراحة من عنف بيروت بجولة موسيقية حول أوروبا، استضافته المذيعة اللبنانية ريتا خوري عبر أثير «مونتي كارلو العربية» دون أن تبخل على زملائها، فشاركوها الحوار معه. وقبل نهاية اللقاء، انضمّ إليها أحد أقدم المذيعين في المحطة، السوداني عاطف علي صالح، فبادر بالترحيب بالضيف متحدثاً عن مقطوعة «آثار على الرمال»، إلا أن زياد قاطعه فوراً:
بدي قاطعك لحظة.. أنا مهووس بالموسيقى السودانية.. بحط التلفزيون السوداني كل ليلة بالبيت [..] حلم روح عالسودان، لأني عندي شوية أسطوانات قديمة من السودان. من فرق جاز قديمة.. فنك.. استعمالهم للأكورديون أحياناً كتير خاص [..] وطبعاً غير الإيقاعات والتعقيدات [..] مش هينة الإيقاعات السودانية.
لم أكن، كعموم السودانيين خالي البال ذلك العام، فكانت تشغلنا ثورة تدأب على إشعالنا. ربما لو كنتُ ما أزال مولعاً بملاحقة زياد وقتها، أو منصتاً دؤوباً لإذاعة مونتي كارلو كما كان عليه الوضع في طفولتي، لسعيت لتحقيق هذا الحلم، لكلينا. لكنني كنتُ غافلاً حتى دُمرّت الخرطوم، ورحل زياد قبل رؤيتها.
اليوم، وبينما أتأمّل الذكرى الأولى لرحيله أتساءل: ما الذي يمكن أن يعنيه اسم زياد الرحباني لسوداني من مواليد الثمانينيات، لم يولد في بلده، بل في السعودية، فتعلّم أن المسيحيين هم «الضالون»، وأن صوت المرأة «عورة»، والموسيقى هي «مزمار الشيطان»؟
لو انتهى المسار بالصورة المأمولة لما سمع عن زياد شيئاً على الأرجح، ولاقتصرت المعرفة في أفضل الأحوال على صوت والدته النجمة، والاستماع إلى «زهرة المدائن» بنسخة حلال مذبوحةَ الموسيقى خالية من “المعازف”، لا لشيء سوى البكاء على قبة الصخرة وحدها دون الإنصات إلى «وحدن» مثلاً، أو إدراك كل ما يعنيه اسم «تل الزعتر» للموسيقى “الصامتة” في ختام ألبوم «إيه في أمل». وكلها أعمال طغى على أغلفتها اسم فيروز. أول صوت يتبادر إلى الأذن والذهن حين يخطر لبنان على بالنا.
قد يتّسع الأفق قليلاً ليشمل معرفةً غافلة بموسيقى فيروز وبعض كلمات أغانيها. تشغيلها صباحاً بصورة نمطية مع “احتساء” القهوة، دون الالتفات لاسم الشاعر والملحن والموزع وعازف البيانو والبزق والإيقاع، والذي هو نفسه الابن العاق. مهام جليلة تولّى زياد جلها وأكثر، بروح المُجدد المتمرد طوال النصف الثاني من مشوار أمه الفني بعد ١٩٨٦، العام الذي فُقد فيه الأمل تماماً بعودتها إلى شريك حياتها وفنها السابق عاصي الرحباني، وحلت وفاته زمن ولادتي في مدينة الرياض.
لذلك كله، لم يكن العثور على زياد الرحباني أمراً هيناً بالنسبة لي، بل رحلة اكتشاف شخصية متعددة المحطات والمنعطفات والطبقات، ما انتهتْ حتى بعد عام من اكتمال حياته التي اندلعت مطلع ١٩٥٦. تاريخ لم يكن يعني لي سوى ذكرى استقلال السودان.
كي أتعرّف على زياد، كان عليّ أن أنتظر خمسة عشر سنةً أخرى بعد أعوام الحرب الأهلية اللبنانية، أي مع بلوغي أنا لمشارف العشرين، متخلصاً من طفولة كان من بين ما صبغها شغفٌ لا يُفسَّر ببلاد الشام، ومن بينها لبنان. نبع من غياب الأسفار التام – بما في ذلك للسودان – إلا عبر قصص «المكتبة الخضراء»، وملخصات الروايات العالمية والكتب العلمية الميسرة من «مكتبة لبنان ناشرون»، وعاجلاً ما تعمّق باقتحامي مكتبة أبي وأوراقه، حيث لاحت لي أغلفة ممهورة بـ«دار العودة» و«الآداب» و«الفارابي» حتى وأنا أتلصّص، سواءً على كتاب سودانيين، كالطيب صالح أو محمد سعيد القدال، أو على العالم أجمع عبر صحيفة الحياة. شغفٌ اتسع وتحول من «جريندايزر» و«جزيرة الكنز» بدبلجتها اللبنانية للفصحى، إلى وثائقي «حرب لبنان» لعمر العيساوي وحلقاته الخمسة عشر كاملة. كرغبة مبكرة في تنفير الطمأنينة وتعذيب الذات.
رغم كل هذا الفضول، تآمرتْ أغاني فيروز عليّ، وضلّلني صوتها الطاغي عن الإنصات في الأوتار والأزرار ومَن يضرب خلف أصدائها. لم أعرف شيئاً عن ابنها البكر، وأنه جاء كأول الناشئين في معمل «الهوية اللبنانية» متخرجاً من أشهر بيوتها الفنية. بيد أنه فضل التمترس رهينةَ تمرّده على هذا البيت—الوطن رغم توقه الشديد إليه. اختيارٌ، أو بالأحرى التنازل عنه، كلّف زياد ثمناً باهظاً نتيجةَ نزوعه المستمر لكسر الحواجز، سواءً الفعلية حول بيروت الحرب، أو تلك الطبقية زمن هدوئها النسبي، منسحباً صوب المهمشين من كل حدب ليبتكر بذاته قيمةَ نجم الهامش، الساطع خلف غيوم “الثقافة الرسمية” العابرة وضح النهار. ذلك المنتوج الذي أسهم والداه، رفقة عمه منصور، في تأسيس تراثه موسيقياً ومسرحياً وسينمائياً، بل وحتى لغوياً، كما فعلا بتربيته الباكرة هو شخصياً، في مفارقة مبهرة.
كيف عرفتُ كل ذلك إذن؟ عرفته لأنني كنتُ أجهله وأنا في غمرة فضولي له، فلم أكتفِ بالبحث عن ألحانه وقصائده وصوره ومسرحياته وأفلامه وأحاديثه ومقالاته وإعلاناته وكل ما يخصّ سيرته كمن يقتفي كنزاً دفيناً، بل رافقت صوته لما تبقى من رحلتي بندم مَن وُلدَ متأخراً عن زمن كريه. زمنٌ لا يخنق المنكسرين بالحنين إليه لولا أنّ ما تلاه كان أشدّ كراهة.
❂
في عزلة الحجاز ونجد، حيث كان أقصى ما يمكن أن يعانيه المرء هناك هو القلق من صفارات الإنذار إبان الشهور السبعة لغزو صدام حسين للكويت، وهواجس سلاحه الكيميائي، كان لبنان يدخل عهداً آخر وقتها: توقف الاقتتال الداخلي. بينما حجبت مغامرة الخليج الثانية الدعم العراقي لرئاسة ميشال عون العسكرية الأولى، واكتفتْ إسرائيل بشريط حدودي محتلّ تاركةً بقية نقاط التفتيش للجيش السوري. لم يهتزّ حزب البعث مع تفكّك الاتحاد السوفيتي بعدما قاتل رديفه العراقي ضمن التحالف الغربي لتحرير الكويت الخاطف. في حين استمرّ النضال لتحرير جنوب لبنان و(بعضاً من فلسطين) طوال ذلك العقد، فأين كان زياد من كل ذلك؟ وما كان يفعل؟
عندما أتصفح موقع Discogs، وهو قاعدة بيانات ومتجر للتسجيلات الصوتية حول العالم، أجد التسعينيات حافلة بمحطات رئيسية ضمن مسيرة شاقة. بدءاً بعام ١٩٩١، حين ودّع زياد الحرب بشريط فيديو لحفل جاز بعنوان «على قيد الحياة من بيروت». عرض فيه ألحانه الخاصة داخل خلاط ضمّ موزارت ومحمد عبد الوهاب وعبّود السعدي. كما شهد العام كذلك مواصلة فيروز لمغامرتها صوب التجديد بـ«كيفك انت؟».
لم يكتفِ زياد في هذا الشريط بخلع هالة أمه وأنسنة ملائكيتها غنائياً، بل دسّ ثلاثاً من مقطوعاته الخالية إلا من بعض دندنتها في لالات «ضيعانو» أو لازمة «يا ليلي». كما سبق له فعله في ألبومهما السابق «معرفتي فيك» (١٩٨٧) الذي فكّك فيه «حبيتك بالصيف»، لحن عاصي ومنصور الشهير، وبنسختين معدلتين (ريمكس) ما زالتا ملهمتين لمنسقي الأسطوانات حتى عصرنا الحالي.
لاحقاً، ظلّ أكثر ما يشدّني لـ«كيفك انت؟» فوق مزجه الرائق للأغنية الشعبية مع موسيقى الجاز، هو تسجيل عفويّ مُهندَس لبروفة أغنية العنوان. في السانحة التي يقلب المستمع بعدها شريط الكاسيت للوجه الثاني ليجد الأغنية في حلتها الأخيرة. مكاشفة رائعة لسجية فيروز وراء الكواليس بينما يلقّنها ابنها اللحن والكلمات الناقصة بفكاهة نادرة. لم يعد زياد تكرارها إلا خجلاً بمقاطع “إعادة” المفككة.
في السنوات التالية لهذه التجربة، واصل زياد الكتابة والتأليف مع عودة رفيق دربه الآخر، جوزيف صقر، وهو من سبق له استعارة صوته واحتكار أدائه من عملهما المبكر معاً في مسرحيات فيروز والرحابنة. ورغم فارق السن الكبير بينهما، اجتمعا في مشروع فني فريد موسيقياً وكوميدياً، وبالتأكيد سياسياً، لم تعطلّه الحرب إلا في نصفها المتأخر بعد الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢.
من هذا الثنائي الفريد، انطلقتْ ظاهرة فنية أخرى معاكسة لما هو سائد في صناعة الموسيقى، وهي فكرة “الملحّن النجم”. حيث لا تُنسب الأعمال الموسيقية لمغنييها (إلا فيروز واستثناءً مع سلمى مصفي ولطيفة) بل تسوّق بمؤلفها شعراً وألحاناً، كما هو الحال مع الأعمال المسرحية.
عندما غاب جوزيف عن المشهد، لجأ زياد للممثل أنطوان كرباج مسرحياً في «أمرك سيدنا» و«أبطال وحرامية»، بينما زاد من الاستعانة غنائياً بأصوات نسائية متعددة، منها مونيكا عسلي، أو شريكته الفنية الأطول حميميةً كارمن لبس، وغيرهما، ممن لم يكن لفيروز بأيقونيتها الراسخة أن تمسي مؤهلة، أو قانعة، لشغل غنائيتهن المرحة إلا لماماً.
وقتها، وبمعزل عن جوزيف وفيروز، زاد زياد العيار مقتحماً بأصوات بشرية أكثر رقة (سامي حواط) عوالم الجاز والسول (الأميركية السوداء) والبوسا نوفا (البرازيلية) بتجريبية جامحة في كل من: «شريط غير حدودي» (١٩٨٧)، وحفل الجامعة اللبنانية الأمريكية المسجّل «بها الشكل» (١٩٨٦)، وقبلهما «أنا مش كافر»، و«هدوء نسبي» (١٩٨٥)، والأخير بالذات نال حظاً أوفر من التوثيق لتحضيراته سينمائياً بإنتاج النجدة الشعبية اللبنانية، وإشراف أخته ليال، ومع ضيف الشرف وعازف العود، مارسيل خليفة.
لم تأتِ هذه الحداثة الموسيقية من قطيعة تامة مع التراث، بل بمثابة استمرارية جدلية بالغة التنوع. تبدّت أولاً في الألحان الشرقية لعوالم الرحابنة وكلاسيكيات المصري سيد درويش، سواءً في «بالأفراح» (١٩٧٧)، أو بالتعاون الأسريّ النادر مع عمه إلياس الرحباني في «حمى الرقص الشرقي—Belly Dance Fever» (١٩٧٩)، في حين سجّل زياد حضوراً متميزاً في الموسيقى الكنسية بـ«كرياليسون» (١٩٧٧). تعاونه الوحيد مع الموسيقار بشارة الخوري (حفيد سميّه “الأخطل الصغير” وابن العمة سلوى الرحباني رعيّة أخويها قبل اكتشافهما لفيروز).
من هنا تحديداً، تطورتْ تجربة زياد في خلط الجاز والسول والفنك والموسيقى الغربية الكلاسيكية معاً، بترانيم كنيسة مار إلياس في أنطلياس، فخرج بأصوات لا يمكن أن تجتمع معاً في أي سياق آخر، منها الليدي مادونا، ماجدة الرومي، وسامي كلارك، كل هذا والحرب في أوجها.
لا يمكن أن أنسى كذلك الأسطوانتين النادرتين، «آثار على الرمال» (١٩٧٥)، الموسيقى التصويرية لمسلسل تلفزيوني من إخراج إبراهيم الخوري، أعاد فيه معالجة قصة يوسف السباعي غير السعيد بتجربة مواطنه جمال مدكور في فيلم «آثار في الرمال» (١٩٥٤) رغم بطولة فاتن حمامة وعماد حمدي له. في حين أعاد زياد توزيع المقدمة الموسيقية التي سبق له أن وضعها لمسرحية فيروز والرحابنة «ميس الريم» (١٩٧٥) مع مقطوعة ملحمية سمى بها الأسطوانة الثانية «أبو علي» (١٩٧٩).
هدأ زخم زياد الإنتاجي هذا، وللمفارقة، ما أن انحسرت الحرب عن بيروت. حيث ظلّ موقف زياد ثابتاً على عدم ترك مدينته طوال سنوات المعارك والحصار. دون أن يلجأ للصمت فيما يخص التعليق السياسي وآراءه الراديكالية الفجة. قرارٌ جسور ربما شكّل الدافع لتلك الغزارة المحمومة، التي لا تنجم إلا عمن يسابق موعد رحيل مبكر. وللغرابة، لم يؤثّر ذلك الجموح بأي شكل على جودة الأعمال والموهبة الفذة وراءها، ولكن سرعان ما خفت تدريجياً بدءاً من سنوات التسعين. كأنما النضج صنو التمهل.
وبينما كنتُ أتردّد للتو على مدرستي الابتدائية عام ١٩٩٢ في جدة، أسمع بالكاد عن مايكل جاكسون أو الشاب خالد، ظلّ زياد غارقاً في محليته العالمية، يستمع لموسيقى الجاز والپنك دون أن يغادر بيروت، مواصلاً توليفها على إيقاعات الرق وأوتار البزق. عائداً لشريكه القديم جوزيف صقر، ليقدّما آخر أعمالهما الساخرة معاً، «بخصوص الكرامة والشعب العنيد» وجزئها الثاني «لولا فسحة الأمل»، المسرحيتان اللتان لم يحسن زياد توثيقهما فحسب – في عادة ورثها من الرحابنة – بتسويق تسجيلات النص، والمقطوعات التمهيدية والانتقالية، فضلاً عن الأغاني بالغة القصر، بل تعاون كذلك مع أخته ريما لإعداد نسخة متلفزة، جعلت من العملين أكثر مسرحياته إتاحة بالصورة.
وفي وقت تباعد فيه عصر الرحابنة عن حاضر فيروز، لتُدفع بذلك إلى الاجترار والحنين، صحب زياد جوزيف إلى الاستديو بروح شبابهما السبعينياتي قبل أن يترجّلا معاً من على خشبة المسرح للمرة الأخيرة. وعبر تسجيلات «صوت الشرق»، خرجتْ إلى الأسواق أهم الشراكات الفنية لزياد (فيروز، جوزيف صقر، وكارمن لبس) مجتمعةً عام ١٩٩٥، وبشكل استعادي، في ألبوميّ «بما أنو» و«إلى عاصي».
خرج الأول مع جوزيف صقر، حيث استغلّ زياد زخم الغناء والتمثيل معه، وقدّم آخر أعمالهما الغنائية الخاصة، دون أن تُسجّل مساراتها في سياق عمل مسرحي آخر، أي على العكس من أغانيهما الأقدم «سهرنا يا أبو الأحباب»، «بنت المعاون» (من «سهرية»)، و«نزل السرور»، «حن الحديد»، «أنا اللي عليكي مشتاق» (من «نزل السرور»)، وأشهرهم بالطبع «اسمع يا رضا»، «البوسطة»، «عايشة وحدا بلاك» (من «بالنسبة لبكرا شو؟»)، فضلاً عن «قوم فوت نام»، «راجعة بإذن الله»، وأخيراً وليس آخراً «يا زمان الطائفية» (من «فيلم أمريكي طويل»).
جاءت فرادة «بما إنو» نتيجةً لذلك التراكم الذي لم ينجم عن مزيج الموهبة بالخبرة فقط، بل من توظيف مصادر الإلهام الموسيقي المتعددة لدى زياد. بصورة لم تغب عنها حوارية الأعمال السردية. فإضافة إلى مقاطع العتابا ذات اللحن المتكرر، استغلّ زياد شعبية صوت جوزيف في «هيك بتعمل هيك»، و«تلفن عياش»، و«مربى الدلال»، والأغنية عنوان الألبوم. مستعيداً روح تجاربهما السابقة، بثقل مرحلتها الزمنية، والسخرية من إحباطاتها السياسية أو العاطفية. حتى ليضطرّ الواحد إلى البحث في الإنترنت للتأكد من تاريخ إصدار الألبوم.
لم يقف زياد عند ذلك في هذا العمل، فإذا به يمزج الشرق بالغرب مجدداً، ساحباً جوزيف صقر بهدوء بعيداً عن الفولكلور في أغاني: «قلتي لي»، «أفلاطون»، «0007»، والتي لم تخلُ رقة إيقاعاتها من عجائب الكلمة الساخرة، سواءً من السلطة أو الذات. مضفياً على كل ذلك مقطوعات متناقضة المزاج في الشريط نفسه: من الصخب المزعج في «الجو حالياً»، مروراً بالكرنفالية الفولكلورية لـ«رقصة العرس». مع مقدمة هادئة بالناي والبزق والبيانو في «دخول»، كأنما أغاني الشريط بحوارياته الغنائية وضعتْ لنص مسرحي لن يرى النور.
مع هذه الجرعة المكثفة من التجريب والتفاعل، صار زياد مستعداً للعودة إلى فيروز بروقان، فانتهى بعد سنوات سبع من إعادة توزيع مختارات من كلاسيكيات الرحابنة في ألبوم «إلى عاصي» أو كما وصفه في إعلان إذاعي عند إطلاقه: “من الأخوين رحباني، ومن فيروز، أهدي عاصي الرحباني”. لفتة امتنان للشريك المؤسس، والزوج الراحل، والأب الخالد في خلفته. سجّل الابن — الوفيّ الآن — آلاتها الغربية مع الأوركسترا السيمفونية للإذاعة في أثينا لمعالجة نزيف المواهب الذي عانى منه لبنان الحرب، تاركاً أمر الآلات الشرقية وصوت فيروز لاستديو «نوتة» في بيروت، لاعباً في الوقت نفسه على سبع آلات، بينما تولتْ كارمن لبس إدارة الإنتاج.
مع مطلع ١٩٩٧، غاب جوزيف صقر للأبد. طامساً عيد ميلاد شريكه الأثير قبل أن يتمّ عقده السادس، فقال زياد راثياً يائساً: “مات وعطاني عمره. أنا عمره شو بدي فيه؟ أنا العمر اللي عليّ مش قادر كفيه”.
عندها فقط، هجر زياد المسرح هو الآخر، وبدلاً من الاستسلام لهمومه المتثاقلة مطلع أربعينياته، عاد مع فيروز في «مش كاين هيك تكون» (١٩٩٩). في مساومة موسيقية استعان خلالها بألحان السوري محمد محسن في القصائد الكلاسيكية الفصيحة: «جاءت معذبتي»، «ولي فؤادٌ»، «لو تعلمين»، «أحب من الأسماء». بينما تنوّعت أعماله الخاصة من دس المقطوعات الآلاتية «وقمح»، إلى الأغاني العاطفية المرحة التي سارت على مزاج الكلاسيكيات الرحبانية: «اشتقتلك»، وأغنية العنوان. فضلاً عن التحية المؤثرة وغير المباشرة لشقيقه الأصم والمشلول منذ الولادة، هَلي، في أول أغاني الشريط: «سلّم لي عليه».
طوال السنوات اللاحقة، وكلما وجدتُ المزاج لفيروز، ظللتُ أخلق تفضيلاً لتسجيلاتها الأحدث. معتقداً بالطبع أن أغاني كـ«سلّم لي عليه» و«سألوني الناس» و«ما قدرت نسيت» هي من أعمال الأخوين رحباني. وعندما يتعلق الأمر حقاً بإحدى أغانيهما التي أُعيد توزيعها، كنتُ أظنّ أن تفضيلي لها ناجمٌ فقط عن تطوّر تقنيات التسجيل والإنتاج الصوتي، غير مدرك أنني أميل لأصابع زياد أو ألحانه.
لن أعرف أياً من ذلك في حينه، وما كنتُ لأهتمّ وأنا في مرحلتي المبكرة (في المعرفة والحياة)، فقد ظلّ كل ما يصلني من لبنان هو كل شيء آخر غير هذا الفتون.
❂
جهل جيل التسعينيات بموسيقى زياد الرحباني ــ وأنا منهم ــ ظاهرة لطالما دفعتني للتأمل، خاصة حين ندرك احتفاظ لبنان وثقافته السمعية والبصرية بحضورٍ طاغٍ في العالم العربي، خاصة السعودية، منذ التسعينيات، لكنه تعدّى بكثير أعمال فيروز والرحابنة الثمانية، ليبقى حضوراً إعلامياً ملتبساً.
زاد من بروز هذا الإعلام والتباسه، الانطلاق من تناقضات سياسية واجتماعية فاضحة. لعبتْ السعودية، والملك فهد تحديداً، دوراً أساسياً في تدجينها مع انتهاء الحربين، الأهلية والباردة. تكلّل في قصر مؤتمراته في الطائف – مصيف الحجاز الجبلي وموطن السعادين الذي وكأنما اختير لترادفه مع “الطائفية” اللبنانية — وانتهى الدور بتمكين الملك لرعيّه الصيداوي، رفيق الحريري، من المشهد الاقتصادي والسياسي للبنان، بالشراكة عنوةً مع سوريا الأسد.
لم يكن الشارع السعودي ليهتمّ بأي من ذلك، فقد ظلّ لبنان وسوريا أكثر تعقيداً من أن نفهمهما، ولكن دون أن يحرمنا هذا الجهل من سطحية الافتتان بتناقضاتهما والمشهدية المغايرة. فمع انتشار القنوات الفضائية وخروج أسطح المنازل وأطباقها اللاقطة من سطوة «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، هيمنت التلفزة اللبنانية بالغة الحداثة، وتحديداً محطتا «LBC» و«تلفزيون المستقبل»، على صورة لبنان وصوته في المحيط العربي، في حين حصر الإعلام السوري مشاهديه في التاريخ، وناور المحظورات بالدراما والكوميديا الاجتماعية.
اهتمّ أهلي بطيف مختلف من الثقافة التلفزيونية. تسيّدته «الفضائية السورية» سهرة الخميس ببرنامج «إذا غنّى القمر» بموسيقى اليوناني ياني، وشارة آلاتية لأغنية راب جامايكية «ها قد أتى المشاكس Here Comes The Hotstepper» أما النهار، فيعود إليه «المستقبل» ليلعلع بفواصل غنائية مصورة لأحمد قعبور، قبل أن أميزه رفيقاً أيديولوجياً لزياد بأغاني «أناديكم» و«نبض الضفة»، إضافة إلى زاهي وهبي وبرنامجه المقتبس لكلمات وألحان زياد «خليك بالبيت».
في هذه الفوضى، انعكستْ تناقضات لبنان على السياسات السعودية المتشابكة بدورها. فالقناتان المتنافستان لبنانياً، «LBC» و«المستقبل»، ظلّتا ولوقت طويل تحت هيمنة التمويل السعودي. رغم تعارض توجههما شكلياً مع التيار الرسمي المحافظ للمملكة. في هذه الخارطة المتشابكة التي تذيب الفوارق العقائدية لصالح الربح والاستقرار، كيف كان لي أن أسمع من جدة ترددات «صوت الشعب» مثلاً؟ أن أعرف من هم «أبو علي» و«صبحي الجيز» و«أحمد العربي»؟ أن أعبر شريط الحدود لأسمع همهمات الأول من أيار في «المعمل»، أن أعرف من يكون هذا الزياد؟
حتى والداي اللذان امتلكا ذائقتين مغايرتين لما كان سائداً حولنا، ظلّتْ مكتبتهما الموسيقية بعيدة عن ألبومات فيروز المعاصرة لطفولتي، ناهيك عن اسم زياد الرحباني. مع كون أمي، سعودية المنشأ والتربية، امرأة شرق أوسطية بامتياز. لم يقتصر مزاجها على سودانيين أمثال أحمد المصطفى، وعبد الكريم الكابلي، وفرقة البلابل، بل تعدتهم إلى عبد الحليم حافظ ومحمد منير، جنباً إلى جنب طلال مداح، وخالد الشيخ، الذين كان بإمكاني العثور على تسجيلاتهم المصورة على شاشة التلفزيون.
أما أبي، فلربما وقع عليه لومي الأكبر، ليس فقط لميله إلى هوامش الثقافات السائدة، بل لكونه هو بالذات شيوعياً. ففي مدينة كجدة التسعينيات، عاش أبي وهو يضرب حولنا حصناً من الأغنيات ضد المؤثرات الثقافية المحلية. سواءً عبر أجهزة البيت، أو ذاك الذي درج على حشر الشرائط فيه وهو خلف مقود السيارة. فلعب الكاسيت، خاصة خلال المشاوير، في تشكيل ذائقتي الموسيقية، لتنهض أولاً بصعود السلم الموسيقي والتوقف عند نغمته الخامسة، فأستمع هناك على رفيق شبابه محمد وردي، وبقية الرفاق، محمد الأمين، وأبو عركي البخيت، ومصطفى سيد أحمد، وجلهم مؤلفون موسيقيون لم تقتصر مسيراتهم الفنية على الاعتناء بالمفردة الشعرية المغناة فحسب، بل وارتبطوا فكرياً باليسار والحزب الشيوعي السوداني تحديداً.
من هذا المدخل، تعرفتُ ومنذ فترة مبكرة على تمظهرات «الفن الملتزم» و«أدب المقاومة»، وشهدتُ امتعاض أبي المتكرر من افتتاننا، أنا وأختي بكاظم الساهر مثلاً، الذي ظننت بسذاجة أن تلحينه لقصائد نزار قباني كان له أن يستهوي أبي، لكنه، المريد لمحمود درويش، ظلّ يبغض كاظماً بحجة غريبة، وهي أنه فنان عراقي لا يمتلك موقفاً واضحاً من ديكتاتورية صدام حسين، موقف اتخذه من نزار قباني وعلاقته بنظام حافظ الأسد بالأسبقية، دون أن يشمل مظفر النواب.
في المقابل، وما أن يقرّر أبي وأمي الخروج معاً عن مألوف الموسيقى السودانية، سواءً الطربية أو الثورية، فإنهما دائماً ما يلفان المؤشر على الموجة اللبنانية. بصورة يطغى فيها طربهما بماجدة الرومي، وجوليا بطرس، وبالطبع مارسيل خليفة وفرقة الميادين، على فيروز نفسها أحياناً، أمر أجده اليوم غريباً حين أستحضر مثلاً النسخ المؤداة لأغاني «يا محلا نورها» و«الحلوة دي» لسيد درويش، فلا أتذكرها إلا بصوت أميمة الخليل ومارسيل حصراً.
تكمن غرابة هذه الملاحظة تحديداً في مصادفة أبعد. ففيروز، التي بدأت مشوارها الغنائي في المدرسة أولاً مع الأخوين محمد وأحمد فليفل مطلع الخمسينيات، انتظرتْ لإصدار أول أسطواناتها حتى العام ١٩٥٧ الذي حلّ بثلاثة تسجيلات لها: «راجعون»، و«سهرة مع فيروز» فضلاً عن أسطوانة ثالثة اقتصرتْ على أغنيتين كلتاهما لسيد درويش: «زوروني» و«يا محلا نورها». الموسيقار السكندري الذي تجاوز تأثيره العشرينيات، بل وضفة المتوسط الأفريقية، ليطغى على زياد الشاب ذاته، فكرّر التجربة في أول أسطواناته على الإطلاق: «مهرجان رحباني—A Rahbani Festival» (١٩٧٣) المحتوية على عزف آلاتي فحسب لأشهر أغنيات أمه، ومن بينها: «الحلوة دي» و«يا محلا نورها» أيضاً.
يُعزى ذلك بالطبع لكون مصر شغفاً رحبانياً بامتياز، خاصة في حقبة سطوتها الثقافية على العالم العربي، سبق زيارة العروسين (عاصي وفيروز) لها عام ١٩٥٥. شهر عسل طويل امتد في شقة بالزمالك حتى صار ستاً. تركتْ خلالها النجمة اللبنانية الصاعدة أكثر من أربعين تسجيلاً للإذاعة المصرية، سرعان ما انتهت بعودتها مع زوجها إلى أنطلياس حاملاً بمنتوجهما الأهم: طفلاً أسموه زياد.
❂
على منوالٍ مغاير، دفعتْ أعباء أبي الاقتصادية بالانفصال جغرافياً عن أميّ مطلع الألفية الجديدة. بعد ستة عشر عاماً وأربعة أبناء، جئت أنا أولهم، ولكن بدلاً من الهجرة العكسية إلى السودان، الذي ظللنا على قطيعة قصرية معه بذريعة المعارضة السياسية لنظام عمر البشير وحروبه المتناسلة، اختارتْ العائلة الهجرة، ولو جزئياً، إلى مصر.
هناك، انفتحتُ على عالم جديد. ما لبث أن انطلقتُ منه بعيداً عن ملل الكتب المدرسية والهوس بامتحانات الشهادة الثانوية، وبدأتُ أستلهم الأجواء الحيوية للأوساط الفنية والثقافية، سواء المحلية، أو تلك التي كان يعجّ بها مجتمع اللاجئين السياسيين السودانيين، فبتّ أرى العالم، بل والسودان نفسه، أقرب من القاهرة.
لأسباب متعددة، تنقّلتُ مع أمي وأخواتي عبر شقق مختلفة في منطقة القبة دون أن يتضمن أثاثنا جهاز تلفزيون. تسيّد تلك الحقبة جهاز الكمبيوتر وشبكة الإنترنت، فيما بدأت في شخبطة قصائد المراهقة والقصص المستلهمة من أدب الواقعية السحرية، والنشر من بوابة التدوين الإلكتروني.
وقتها انفتحتُ بهوس على عوالم الرقمنة الصوتية وملفات mp3، مع الأغاني المصورة التي باتت تنتشر عبر وسيط جديد. وللغرابة، جاء اقترابي من عالم زياد عبر ابن عمه غسان. حيث ذاع صيته، بعد عقدين من الإنتاج وسبع ألبومات، بأغنية «سنة الألفين» المصورة، والتي تزامنت مع نجاح المقاومة في تحرير الجنوب. كأنما صدح بها غسان في إجابة معاصرة على مجايله الأسبق حين غنى: “رح ينقطع الأمل الباقي بهاليومين.. مننطر لسنة الألفين”. فما الذي أتى بعد الأصفار الثلاثة؟
أكثر تقليعات غسان الرحباني انتشاراً تلك الفترة كانت دون شك إشرافه على فرقة «فور كاتس — 4 Cats». لم أكن أنتبه أبداً لتبديل “القطط” فيها إلا مع بروز نيكول سابا، الناجحة في اقتحام السوق المصري ومع عادل إمام نفسه إبان فترة انحطاطه المتأخر «التجربة الدنماركية» (٢٠٠٣). شكّلت تلك الحالة سانحة جديدة لتعمّق غسان في كلاسيكيات أبيه إلياس كـ«كان عنا طاحون» و«حنا السكران»، أو حتى زياد نفسه في «ولعت كتير»، ولكن على هوى الصورة النمطية لمشهد لبنان الفني في الألفية الجديدة.
طغى هذا الضجيج على ما كان يصنعه زياد وقتها بهدوء، وبألبوميّ جاز صافيين: «Monodose» (٢٠٠١)، بصوت سلمى مصفي (قبل أن تقتبس الفور كاتس منه «ولعت كتير») إضافة إلى شريط فيروز الأكثر اختلافاً «ولا كيف» (٢٠٠٢). حيث امتزجت الروافد المتعددة والألحان المقتبسة بجرأة أكبر مما سبق: الجاز في «بيذكر بالخريف» وغالب الألبوم، مع الموسيقى اللاتينية في «لا والله»، والترانيم الكنسية في «يا مريم»، إلى الرثائية الثورية «صبحي الجيز»، التي أخذها صوت فيروز من خالد الهبر إلى أفق أبعد.
هذه المرة لم أكن بعيداً. ففي قاهرة الألفينات، بدأتُ أتلمّس طريقي للوصول إلى بيروت البديلة التي لا نراها على التلفزيون أو الإنترنت في نسخته البدائية. أتذكّر إحدى المقالات المنشورة في «زوايا — جريدة الثقافة الحية للشباب العربي»، التي كان يحررها بيار أبي صعب وتصل لباعة الجرائد ومكتبات وسط القاهرة، هناك قرأتُ لأول مرة عن زياد وجوزيف. شدّني فوراً أن يغنّي فنانان مُسيسان «يا زمان الطائفية». من يكونا؟ تساءلتْ. بدأتُ أسأل الناشرين اللبنانيين في معرض القاهرة للكتاب عن تسجيلاتهم. حيث كان الإنترنت العربي ما يزال منغلقاً على هذه النوعية من الموسيقى، فيما لا تضم مكتبة الكاسيت التي راكمتها من جدة سوى ألبومات «كونشيرتو الأندلس»، و«جدل» لمارسيل خليفة، و«قصص» لجوليا بطرس.
على صعيد مماثل، كانت الخيارات تتضاءل في سوق الكاسيت الموشك على الزوال مقارنة بالثورة الرقمية وما رافقها من سهولة القرصنة، ولكن دون أن يُفتح المجال بعد للروائع النادرة. حتى أنني أذكر ردّ أحد الباعة المصريين عندما سألتُه عن أي ألبوم لمارسيل خليفة عنده، فسأل بحيرة: “ما سمعتش عنها قبل كدا، بتغني إيه؟”، في خطأ جندري متكرّر، سبق لي وواجهته في مكتبات سور الأزبكية مع أمل دنقل.
لحسن الحظ، شكلتْ عطلات أبي في مصر، وصحبته، مدخلاً إلى عالم ثريّ ورثته فيما بعد. من ندوات حيّة لمحمود درويش ومريد البرغوثي، إلى حفلات رشيد طه ومارسيل خليفة (أخيراً!)، وكان هذا قد جاء صحبة أميمة الخليل لإقامة حفلين ضمن مهرجان “الربيع عاد من تاني”، الذي بدأت به مؤسسة المورد الثقافي سنوات نشاطها. حضرتُ الحفلين. مستمتعاً – آنذاك – بخطابية مارسيل الناقدة للانحطاط الثقافي العربي وأغانيه الشعبية المعاصرة، لولا أن المناسبة تزامنتْ مع استعداده للسفر مباشرةً مع فرقته لإقامة حفل مشابه، هذه المرة في السودان.
وقتها، كان قد غادر القاهرة مرشدي الأدبي، وأستاذ والدي في المرحلة الثانوية: د. حيدر إبراهيم علي، بهدف نقل نشاط مركز الدراسات السودانية إلى الداخل، والرد عملياً على الفعاليات الهزيلة التي دعمتها الحكومة السودانية بمناسبة اختيار الخرطوم عاصمة للثقافة العربية عام ٢٠٠٥.
كانت حرب الجنوب (الآخر) قد انتهت بعودة النشاط الحزبي والثقافي في السودان، ولكن دون أن تعود أسرتي، وأنا على مشارف الجامعة. فصارت إقامة أمسيات مارسيل خليفة، ونصير شمة، ومحمود درويش، وغيرهم، ممن حضرتهم خلال تلك السنوات وجهاً لوجه في مصر، أشبه ما يكون بالـ”فومو— Fomo”. أو ما يمكن ترجمته من الإنجليزية: “الخوف من تفويت الفرص”، فكيف لكل هؤلاء أن يزوروا السودان ويحيوا السهرات فيه دوناً عنيّ، أنا الذي أحمل جنسيته؟
كان بانتظاري فرصة أخرى في الزمالك عام ٢٠٠٦، ونتيجة تعرفي على النشاط المسرحي المستقل من “ساقية عبد المنعم الصاوي” ذاتها. هناك، وبعد مهرجان الربيع، سمعت عن فتح مؤسسة المورد الثقافي باب التقديم لورشة مسرحية في بيروت حملت عنوان “بداية اللعبة”. سجّلتُ فيديو بكاميرتي الرقمية الجديدة، وأديتُ مشهداً هزلياً صامتاً في الحمام، وعلى الرغم من ردائته، قُبلتُ بكرم جمّ في الورشة، ورأيتُ بيروت قبل الخرطوم.
❂
لم تكن الرحلة مقتصرةً في روعتها على رؤية لبنان أخيراً، بل واللحظة الفارقة التي زرته فيها. فحتى حزيران ٢٠٠٦، كان الفضاء السياسي مشحوناً بنشوة ذات دوافع متعارضة: فبينما استثمرت المقاومة في انتصارها وتحرير الجنوب، حتى بدت استعادة مزارع شبعا قضية محسومة، غرق التيار المضاد (١٤ آذار) في نشوة نصر مماثلة إثر انسحاب الجيش السوري (مع ثورة الأرز) وما لحقة من اغتيالات دامية استهدفت اليمين واليسار، بمن فيهم الحريري أيضاً. والأهم أنني وعيتُ ذلك وغادرته قبل اندلاع تموز بأسبوعٍ واحد.
تعرّفت على المسرحي اللبناني عبد الرحيم العوجي فوق خشبة «دوار الشمس» وقتها، فبدأت صداقة عفوية سرعان ما أخذني فيها من الطيونة إلى شارع الحمرا. انكببتُ فوراً على التسجيلات الرقمية المنسوخة في أسطوانات مدمجة. لم أبالِ بحقوق الملكية الفكرية، فانتزعتُ ما حسبتُه حقاً متأخراً لاسترداد روائع قديمة، مثلتْ بالنسبة لي تجديداً مستمراً ما أزال في طور اكتشافه.
لم أكتف بالتعرف على معاصرين كريما خشيش، وتانيا صالح، أو الإنصات لألبومات مارسيل خليفة الأقدم، ولكنني أخذتُ أُشبع شغفي بالاستماع أخيراً لزياد الرحباني، رفقةَ جوزيف وسامي وسلمى، مسرحياته وموسيقاه، وكل ما كان يمكن الحصول عليه وشراؤه. بما في ذلك أول شريط كاسيت أقتنيه لفيروز: «كيفك انت؟» الذي شهد آخر عهدي بالتمشيات مع سماعات جهاز ووكمان—Walkman.
وبينما أدهشني وجود معالجتين موسيقيتين طويلتين لقصيدة «أحمد العربي»، للمقارنة بين ألحان مارسيل خليفة وخالد الهبر المناورة حول نثريتها الملحمية بأوركسترات سيمفونية، جاد عليّ بائع التسجيلات بتسجيل نادر للقصيدة بصوت محمود درويش نفسه. لا يرافقه سوى عزف هادئ على البيانو أخبرني أنه لزياد. كان المفضّل لديّ حتى حفظت القصيدة كما فعل أبي في الثمانينيات.
ما لم أعِه ذلك الوقت، أن سلوك القرصنة — وفي شارع الحمرا ذاته — هو ما أسهم منذ الحرب في معاناة زياد المبكرة مع مشروعه الموسيقي مالياً. لسنوات ظللتُ أقرأ كلمة «زيدا—Zida» على صورة أسطوانة «أبو علي» بإملاء خاطئ معتقداً أنه اسم «زياد» ذاته. كان الأمر لعبة لغوية قام بها خلال شراكته القصيرة مع بائع تسجيلاته المفضل خاتشيك مردريان (تسجيلات تشيكو) عند تأسيسهما معاً لشركة صوتيات، أنتجا خلالها العديد من الأسطوانات وشرائط الكاسيت: بدءاً من أول ألبومات زياد لأمه «وحدن»، مروراً بعملين لخالد الهبر وآخر لمنى مرعشلي، وأخيراً تسجيلات مسرحية «بالنسبة لبكرا.. شو؟»، و«فيلم أمريكي طويل». جلها أعمال عانى الموسيقيون والفنيون لتسجيلها بين المعارك لكي تخرج بصورتها بالغة القيمة فنياً الآن، لكنها مع الأسف، فشلت ذلك الوقت تجارياً.
مع عودتي من بيروت لدخول الجامعة في مصر ومعي كل هذه الغنائم، بدأتُ أشعر وكأنما صرتُ إنساناً ذا خبرة أعمق بالحياة، يتأثّر بحروب الجوار لأنها وقعت في مكان يعرفه وأحبه، لا من باب التضامن العربي فقط، أو يرى في حسن نصر الله ما أهو أكثر من شيخ شيعي معمم يقود تنظيماً رجعياً. عندها، أخذتُ أنعزل أكثر فأكثر عن محيطي الجامعي وما يشغل اهتمام زملاء الدراسة. وبينما كان زملائي يناضلون لحضور حفلات عمرو دياب وتامر حسني وشيرين عبد الوهاب، كنتُ أغيّر رأيي في لطيفة التونسية لأنها امتلكتْ بصوتها شيئاً يمكن به تعويض غياب فيروز في «معلومات أكيدة» (٢٠٠٦). في وقت لم أكن أميّز فيه بعد صوت زياد عن سامي حواط، كنت مندمجاً في الرحلة.
الجو العام نفسه بدا مثيراً للاغتراب قبل انفجاره. فبعد نجاتي من طفولتي السعودية، بكل محمولات تيار الصحوة السلفي، أخذتْ نسخة ليبرالية مخففة تنتشر في مصر مع تسجيلات عمرو خالد، ومصطفى حسني، والدروس الدينية المتلفزة، التي استهدفت أزياء النساء وجدل الحجاب والنقاب أكثر من غيرها.
سرعان ما غذّى كل ذلك حراك ٢٠١١ وما تلاه. في وقت كنتُ فيه مسحوراً بالمختارات المسجلة من إذاعة صوت الشعب: «العقل زينة»، أو «تابع لشي تابع لشي»، و«بعدنا طيبين.. قول الله»، أستمتع حين تختار قناة مصرية بيانو زياد وكلمات جبران خليل جبران خلفيةً لصور الجماهير في ميدان التحرير بينما يشدو صوت فيروز: “الأرض لكم، قدسوا الحرية، حتى لا يحكمكم طغاة الأرض”، مؤمناً أن ألبومها الأخير معه «إيه في أمل» (٢٠١٠) — أول أعمال زياد التي أسمعها وقت صدورها على الفور — كان رسالة جاز سرية لنا في الشارع، فاتنا أن ندرك كونها وداعاً مبكراً لثنائي الأم والابن.
مع هذه المسموعات المغايرة، والتي لم يخفّف الزمن من طزاجتها وعصريتها، واصلتُ نشاطي الأدبي والمسرحي بروح مختلفة. أكتب أو أمثل، قبل أن يتلقفني الربيع العربي في احتكاك مباشر مع التاريخ. في ذلك المستقطع القصير قبل الضياع، تابعتُ المشاركة في الفعاليات الإقليمية بالأردن ولبنان مجدداً، وفي كل مرة انتهيتُ فيها هناك، أخذتُ أستغلّ عطلة الصيف وفروق العملة للتسلّل براً إلى سوريا.
لي علاقة هيام أخرى بسوريا لا يسع السياق هنا لوصفها حق قدرها. ولكن، يمكنني أن أختار لحظة فارقة توجز مدى السعادة التي كانت تجلبها لي صعلكتي مع الأصدقاء في حواري دمشق العتيقة، تلك اليوتوبيا التي ترددنا خلالها على باعة التسجيلات الصوتية بينما نتجوّل في ساروجة وبابا توما حتى سوق البحصة، والعثور على المزيد من زياد هناك، والذي فاقت شعبيته في سوريا (مع فيروز والرحابنة) عدد مستمعيهم في لبنان، بل وربما تعداده السكاني.
في ٢٠٠٨، أخذتني مشاركة بملتقى للكتاب الشباب إلى لبنان. وخلال عامين من مراكمة الصداقات وتكرر الزيارات، أُخطرت باستعداد أصدقاء وصديقات من لبنان وسوريا وفلسطين للسفر إلى الشام. حيث لم يُتح لي فقط حضور فعاليات عاصمة ثقافة عربية بعد الفرص الضائعة عليّ في الخرطوم، بل وخطف تذكرة محظوظة لحفل زياد الرحباني في قلعة دمشق، حيث دفع الإقبال الشديد ونفاد التذاكر السريع إلى مدّه حفلتين متتاليتين.
ربما يكتسب حفل آخر رمزية أكبر في حالتي، أي القاهرة ٢٠١٠، حيثُ تسلّلتُ من بروفات أحد عروضي المسرحية (قبيل عرضه لاحقاً في دمشق وبيروت كزيارة أخيرة)، مسرعاً يومها للقاء فناني المفضل ضمن فعاليات مهرجان القاهرة للجاز، وفي “ساقية عبد المنعم الصاوي” لا غيرها. المكان الضيق ذاته الذي شهد محاولاتي الأولى في المسرح ونشر القصص وتأليف الأغاني، لا وبل انطلاق رحلتي صوب زياد، وهو هنا في الزمالك يستدعي حاضنته في شهر عسل والديه. مع كل ذلك، فإن حفل دمشق، وحظوة استماعي إليه فيها لأول مرة وجهاً لوجوه، تبقى هي الذكرى الأُثرى لدي.
طوال الفترة الفاصلة بين اندلاع الثورة السورية (وحربها)، وبين رحيل زياد، ظللتُ أتحاشى الاستماع إلى تسجيل «حفل قلعة دمشق ٢٠٠٨»، كما أفعل مع تسجيلاتي المصورة في الشام قبل قيامتها. اليوم، أحاول التعايش مع إحباط ما بعد الثورات الذي أنهكني. نظراً لاستمراره بصورة أفدح مع تحول الثورة المضادة في السودان إلى حرب جديدة، ليست بين جنرالاتها حصراً، بل وضد السودانيين أجمعين.
أفقُد اهتمامي ويذوي غضبي من تصريحات زياد حول احتجاجات السوريين، وموقفه المتوائم — الذي عاد وتراجع عن حدته — مع النظام الذي أسهم في تحويل ثورية لبنان إلى حرب أهلية طاحنة قبل أن يرتدّ السحر عليه. النظام عمل أولاً على محو “تل الزعتر” أمام أعين زياد شاباً، واغتيال كمال جنبلاط وجورج حاوي والعديد ممن لا أعرف لهم أسماءً، فكيف أزايد على من شهد كل ذلك وأنا محض فكرة في علم الغيب؟
أتناسى النغمة العدائية والاستخفاف اليائس، لأنني بت أفهم دوافعها. تلك النية لتحذيرنا — أكثر من مرة — من مآلات الأمل الساذج دون ممارسة توازي شططه على الواقع، بمقدرة جدلية فريدة كان زياد يقفز بها على الراهن، وتصوّر ما بعده قبل أن يصبح ماضياً.
أستعيد لحظتنا في دمشق. الرقص والتصفيق واقفين فوق مقاعدنا. لا نعبأ بمن أتى من أين، سنةً ودروزاً وموارنة وعلويين (وحقاً كان الأمر كذلك). الشعور بالاعتزاز كلما شغل أحدهم تسجيل الحفل أمامي اليوم، وتذكيره بأنني حضرتُ هذه الأصوات حيةً في الشام، وأن حنجرتي هتفت مع صخبها، بل وسمعتُ من ميكروفون زياد كل كلمات غزله فينا، ودهشته من غنائنا معه حتى «عودك رنان»، ضمن الجوقة التي ضمت رشا رزق كمصادفة نوستالجية سعيدة. أُسعد عند شكره للجمهور كأنه هو من حضر للاستماع لا نحن، وقوله ببهجة نادراً ما تُسمع في صوته: “فعلاً حلوة كتير طلعت!”، أو اقتراحه الذي لم يُنفذ، بألا نكلف الدولة بالصرف على البروفات، ومودعاً بشكل لا يُنسى: “منشان المستقبل بيناتنا، بركي كل ما تجتمعوا سوا بهيدا المحل أو بغيره، تعلمونا بشي طريقة، والأمانة العامة بتضلها تفوتنا.. تأملنا بطاقات [تصفيق] يخليكم”.
قد يبدو مفارقاً أن أجمل ذكرياتي مع زياد كانت حفلاً اضطرني فيه أن أغادر مدينته، والسفر براً للاستماع إليه في عاصمة أخرى (شقيقة) مروراً بالمعابر. ما لا يعلمه هو، وكثيرون من معارفي، أنه لولا تلك الرحلة بالذات، لما كنتُ قد تشبّعتُ بذكريات سعيدة عن أماكن لم تعد كذلك، ولما أدركتُ أنني بت أجتاز حدود المشرق كرحالة (تجربةٌ ما عاد باستطاعتي مواصلتها اليوم)، وهو ما حرّك الشجاعة الكافية لديّ ذلك الصيف لكسر الحاجز النفسي، واتخاذ القرار المؤجل بزيارتي للسودان أول مرة، مفاجئاً كل عائلتي بالوصول إلى موطني منتشياً من حفلٍ في دمشق.
❂
لم ألتق بزياد في حياتي. ليس بيننا أي أحاديث وضحكات متبادلة، وما جمعتني به ذكرى شخصية واحدة سوى بين جموع، لكنه رغم ذلك ظلّ أكثر الفنانين والمنظّرين السياسيين الذين أثّروا على وعيّ ووجداني طيلة عقدين. كان قد وصل فيهما بالفعل إلى عتبات الخلود، لتعرفه وتجلّه أجيال أحدث بكثير من مرحلة ذروته، وفي بلدان ما كان له أن يتخيّل وجود محبين له فيها، أراد زيارة بعضها دون أن يوفق.
لهذا، وحين أُقلّب الرصيد الذي خلفه، بكامل نشوته وآلامه، مدركاً أن هنالك الكثير مما يمكن أن يفاجئنا في الأرشيفات مستقبلاً، أوقن أن تجربتي معه ما كان لها أن تتأثر بمجرد وفاته سريرياً، بعدما أصرّ هو على الرحيل، وأنه طالما ظلّت على رأسي أذنان قادرتان على السمع والاستمتاع، فإن زياد لم يمت، ولن.
كاتب من السودان. صدرت له مجموعتان قصصيتان من القاهرة عكستا اهتمامه بالذاكرة والمنفى وتغير معاني الانتماء. انشغل منذ ٢٠٠٣ — تقريباً — بالأدب، والمسرح، والإدارة الثقافية، والصحافة الرقمية، وبالإنتاج السينمائي والتلفزيوني حسب التساهيل، مستكشفًا كيفية تفاعل الفن والسرد مع التاريخ الاجتماعي والسياسي. عمل كمحرر في منصتي «3ayin» و«Beam Reports» المعنيّتين بصحافة المواطن والتقارير الاستقصائية حول السودان. حائز على جوائز مغمورة، وفي جعبته مجموعة شعريّة غير منشورة. في ورطة منذ عشر سنوات لإتمام روايته الأولى.

