Skip to main content

Essays | مقالات ذاتية

خذلان

CONTRIBUTOR
المساهم/ة
وعد قاسم

TAGS
الوسوم
posts-issue12

PDF

SHARE POST
للمشاركة
CONTRIBUTOR المساهم/ة
وعد قاسم

كاتبة ناشئة فلسطينية تقيم في سوريا. كانت قد درست علم الترجمة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية. كما حازت دبلوماً كمساعدة معمارية. وعد مهتمة بشؤون البحث في النظم المجتمعية.

WORKS BY THIS CONTRIBUTOR
أعمال للمساهم/ة
وعد قاسم
Majd Abdel Hamid, Screenshots/woman running between body bags, Aleppo.
Cross-stitch, cotton thread on canvas, 14 x 19 cm (2016)

أمسكَ بكرة رأسي، وطاح بها عدة مرات على حافة السرير، رأيت سواداً ومفرقعات ملونة نراها عادة في حوادث الارتجاج الرأسية في توم أند جيري. حينها، كنت في الخامسة عشرة من عمري وكان انتهاء حياتي على شكل مكعب.

عندما وضع أبي أسفل حذائه عليّ، أدركتُ أنني سأحيا بقية عمري مختنقة، وأن العالم بأسره سيضع أسفله عليّ. انسللت من تحت قدميه، وحطّمت عمودي الأول «الأب». وناديت:

انتظروني،

انتظروني قريباً من العمود الثاني، حينما أنتهي من فصل ورقات كانت قد بللتها دموع مجترة. أكلتِ الأحلام معها وبلعت الضحكات. انتظروني ريثما أفكّ هشاشة تجمّعت رقيقة فوق هشاشة، تلبّدت بماء الرغبات مرة، وبالكرب مرة. إن العالم لا ينتظر بل يسرع بالدوران، يدور ويدور إلى أن يدوخ ويقع على رأسي.

زحفت إلى عمودي الثالث… حبيبي. لا تدعس… انتبه.

تمزقتُ، كأوراق مبللة تمسكت ببعضها أمام جموع أطفال انتهوا الحين من دوامهم المدرسي. دعكتني الأيام على أسفلت طريق في حارة شعبية، مع بقايا بندورة وقشور بطاطا وخراء بعض الجحوش المارة المحملة بالخضار. وقفت على الطريق، طفلة تلوك العلكة، نهرتها أمها عن ذلك فرمت شطاطة العلكة عليّ وعُلكت تحت حوافر دقات العمر.

في الزنزانة المكعبة وفوق فراش أكل ونام عليه كلّ من سجن، كنتُ أفسي ذكرياتي من البرد القارس المتسرب من نافذة هذا القبو. أرتجف وأدعو ألّا أسجن لبقية عمري، بتهمة لم أكن أعرفها حتى، إلى أن قيل لي إني متهمة بـ «التهرب من المنزل».

تكوّرتُ في إحدى زوايا المكعب، أقرأ الطلاسم المحفورة على الحيطان، ذكرى فلان وفلانة. غرفة بأربع زوايا تتلاقى لتشكّلا بيتاً. يتوسّط أحد جدرانها شقّ يدلّ على الحياة، تتوسطه قضبان حديدية، ويدعونه «الباب». حينها، يسمون المكعب «غرفة السجن». 

تهت مطولاً وأنا أتخيّل تهم كل من شاركوني هذا الفراش. انتشلتني خبطات يد الشرطي على الباب الحديدي الموصد خوفاً من أن أهرب مرة أخرى. فتح النافذة المقطعة بصلبان حديدية وناولني الشاورما الشهيرة. كان قد دفع أحد أقاربي له رشوة ليدخلها إليّ. 

أخذتها بلهفة فتاة تنفخ العلكة وتنتظر بالوناً يطير بها إلى السماء. نزعتُ غلافها الورقي. كانت رائحتها نشازاً حقيقياً وسط كل روائح سواد هذا المكعب. ضربت تواترات عصبية حواسي، وانتقلت بي إلى أعالي إسراء معراج إله خلقني كي أعيش هذه اللحظة. 

أنت جائع، فيما تسري شهية الطعام محاطة بمكونات السواد، روائح البول والخراء والعرق والبرد، مخلوطة بالمني على ما أظن (قارنتها لاحقا). خليط يحاكي ألفة عرفتها مطولاً، وكل رائحة على انفراد، لكنها تمتزج الآن مجتمعة، وتقرط عصبك الحسي. 

قضمتُ الشاورما، ونزل عليّ الوحي. سيل عصبي يقبض لساني، بدايته لاسعة ولذيذة، مشبع بعصارة التوق. يلفّه القرف المنطوي عليه جوّ المكان.، ويهزّ عصباً مخفياً بين أنفك وقلبك. يحيّرك في بادئ الأمر، فلا تدركه. 

المزيج المتراكم المخلوط بالرطوبة الطاغية ولذعة الصدَأ، هو نفسه طعم الخذلان.

يختبئ بالتواطؤ في غرفة السجن، تحت اهتراء الدهان، يحاكي ألفة الفضلات البشرية. وعند أول قضمة، يسمع السجان هدير اللذة. يتجه إلى حائط السجن ويحفر بأظافره الحائط، يغريك باحتمال الحرية لاهياً. تذاع الرائحة من جديد من تحت الأظافر، فقط، لتهيمن على أي طعم آخر محتمٍ بين طيات السندويشة.

تحاول برد فعلك الأول الخروج من لهو رائحة السجن الكريهة. وبعد عدة انتفاضات واهية يرتطم الإدراك برأسك «ما فيكي تطلعي… ما فيكي». تقع في حيرة غريبة من نوعها، تجعلك غير قادر على التمييز بين ما تعودت على تسميته «بيت الراحة»، والمكعّب الذي يحاكي قرفه بيت الراحة.

تمتطيك الرائحة، تقف على خيط رفيع وبخطوات موجعة، تمشي فوق فجوة عميقة ممتدة بين أنفك وقلبك، تقول لك وبكل بساطة: أنت محاصر برائحة الخذلان.

Author

كاتبة ناشئة فلسطينية تقيم في سوريا. كانت قد درست علم الترجمة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية. كما حازت دبلوماً كمساعدة معمارية. وعد مهتمة بشؤون البحث في النظم المجتمعية.

كاتبة ناشئة فلسطينية تقيم في سوريا. كانت قد درست علم الترجمة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية. كما حازت دبلوماً كمساعدة معمارية. وعد مهتمة بشؤون البحث في النظم المجتمعية.