
تسكنني نغمة عتيقة أردّدها دون وعي «يا دندبيشة قومي افتحيلي أنا أخوكي أبن أمك وأبوكي».
يعود صوت جدّتي برجفةٍ بسيطة، يهتزّ رأسها بدلال وتومض عيناها الشقيّتان، أراها طفلة بشعرها الأبيض الرقيق، تمشّطه بعناية وتضع الياسمين قرطاً بأذنيها.
أمّي تغني لي «نامي نامي يا صغيرة، تا تغفى عالحصيرة، نامي عالعتيمة، تا تنزاح الغيمة، ويصير عنا ضو كبير، يضوي على كل الجيرة، يا صغتورة الحندقة، شعرك أسود ومنقى، يلي حبّك ببوسك وأن بغضك شو بيترقّى». أبي يقبّل جميع دمياتي المصطفة إلى جانبي في السرير، ومن ثم يقبّلني قبل أن يتمنّى لي ليلة سعيدة.
يعود صوت جدتي «يا محي الدين شيل هي الأغاني، يا إبني شو كفّناه ما كفنّاه؟». في السيارة مارسيل خليفة رفيقنا الدائم «بالأبيض كفّناه، بالأحمر كفنّاه، بالأخضر كفّناه، بالأسود كفناه».
في جَمعة يوم الجمعة الأسبوعية في بيت جدتي أجلس في حضن «عمتيتي»، ألمس الفراشة في عقدها بإعجاب، تضحك. «لن أعطيكِ إياها، خذي فراشة أمك»، ثم تبعدني نحو الخلف «خض خضيضة» ثم تعيدني نحوها بحركات متتالية «خض ملاح، طلّع سمنة للفلاح، والفلاح قتل مرته، على الرغيف اللي أكلته، أكلته ما شبعها، صبّح بطنها يوجعها».
بعد سنوات، يناديني زوجها عمو أمين، اقتربي لأعدّ أسنانك. أفتح فمي واحد اثنان وبخفة يقتلع سني الحليب الذي أقلقني لأيام ويعطيني إياه. أخبِّئُه بعناية في علبة مجوهرات بلاستيكية عدة أيام ثم تقنعني أمي أن أقف على الشباك المطل على الشجرة، فأردّد «يا شمس يا شموسة، خدي سن الحمار، وأعطيني سن الغزال»، وأرمي السن.
يوم الأحد مخصص للاجتماع في بيت جدي. بعد وجبة الغداء وعلى الطاولة التي تجمعنا يردّد جدي «حبة حبة أكل العنب، إتنين إتنين حشمة وأدب، تلاتة تلاتة أكل الدبب، أربعة أربعة عمرك ما شفت العنب».
خالتي تلاعبنا «منامشة يا منامشة، يا حبتين قطامشة، بعتتني معلمتي، اشتري كوز بصل، وقع مني وانكسر، حلفت لتعلقني عالشجر، والشجر مليان قروش، شيلي إيدك يا صبية ويا عروس، يا إم الشكلة والدبوس».
أسرق رشفة عصير زفّير من كوب جدي أبو صبري النائم كعادته على الكنبة. «إحم إحم»، التفتُ سريعاً، فيتابع مبتسماً «رز بلحم، أنا باكل وانتِ بتلَحوسي الصحن»، ثم يعصر أكتافي ضاحكاً: «بدي جعلكك!»
نقف أمام النافذة ذات القناطر الثلاث المطلة على المدينة القديمة، حيث اعتدنا الوقوف أبناء خالتي وأخي وأنا، في يد كلٍّ منّا تفاحة معللة نراقب المآذن المضاءة باللون الأخضر بانتظار مدفع الإفطار. نمد ألسنتنا لنرى من منا كان صائماً ونعاير بعض «يا فاطر رمضان يا مقلل دينه، سكينة اللحام تقطع مصارينه، يا فاطر اليوم في بتمك جردون، يا فاطر مبارحة بتمك فارة مالحة».
نسمع المدافع السبعة التي تثبت العيد: «بكرا العيد ومنعيّد، ومندبح بقرة السيد، والسيد ما له بقرة، مندبح بقرة الشقرا»، ينظرون إليّ جميعاً.
وأخيرا بدأت الرحلة، الباص يحملنا في رحلة إلى قلعة طرابلس، نغني ونرقص «يا شوفير، ادعس بنزين، عل مية تسعة وتسعين، ما تخاف من البوليس، نحن ولاد الليسيه، شوفيرنا ما في منه، الله يخليه لأمه، صار عمره فوق التسعين وبعدا المصاصة بتمه».
«إذا نمت بكير بيجي بكرا بسرعة». هكذا تقول لي أمي دائماً، لكن ككل الليالي المهمة يعاندني النوم، أستعيد التحضيرات في رأسي للمرة الألف: وضعت الشي طيبات، بسكويت وشيبسات، للأسف الشوكولا لا مكان له في الرحلات المدرسية، فهو يذوب بسرعة، وسامونة المارتديل، والعصير، وحضرت مطرة الماء، وقبعة. كل شيء جاهز.
في الساحة نتربّع على الأرض مشكّلين دائرة، يركض أحدنا وراءنا، يردّد:
– طاق طاق طاقية
نجيبه: رن رن يا جرس
– أبي راكب عَ الفرس، ويرمي المنديل الذي في يده وراء أحدنا، يحين دوره في الدوران.
جدي جالساً في سريره، يمدّ يده إلى المنضدة بجانبه، يسحب علبة دواء يضع فيها سكر النبات، يعطيني حبة وينظر إليّ مبتسماً. أخي مشغول، يضع الماء فوق أوراق زهرة العطرة التي جمعها في قنينة زجاجية، يضعها في الشمس ليصنع عطراً. صوت جدتي يدندن «يا ولاد محارم يويو، شدو الأوارم يويو، أوارم صيني يويو، شغل الفلينة يويو، يا ولاد شرشوبة يويو، عيشة المخطوبة يويو، يا مين خطبها يويو، شنشل ذهبها، يا ولاد أبو دنبة يويو، عضتكم كلبة يويو، كلبة شاهين يويو، شاهين ما مات، خلف بنات، بنات العيد تكبر وتزيد». تسحب الارطل الذي وضع فيه أحمد المحمود الأغراض.
أقف أمام الخزانة التي تخبّئ فيها جدتي الشوكولا خجلى، عملت تحتي، تسحب لي جدتي سروال جدي الداخلي، تلبسني إياه، تربط طرفيه على شكل عقدتين ولتنسيني فكرة العودة إلى المنزل؛ تغني لي «خديجة مديجة نطت عالدولاب، شافا القاضي من شقوار الباب، عضها وباسها وكتبلها الكتاب».
في الصيف نسكن بيتاً واحداً نحن وجدتي وخالتي، صعوداً في طريقنا عند الحلابة في الطريق الجبلية؛ يمسك أبي يدي، يدفع عني تعب الطريق فيغني «يا بيتي يا بويتاتي، يا مسترلي عويباتي، فيك خلقت وفيك ربيت وفيك بقضي حياتي».
في الصالون حيث نفترش الأرض حين يأتي ضيوف، نتحلّق حول ابن خالتي الصغير، تغنّي له جدتي «كان في بطة، نطت نطة، شافها زوزو، قلا دخيلك، تعي لغنيلك، دقي بيانو، ارقصي يا سمارة». يدور ابن خالتي حول نفسه واضعاً يديه على عينيه كأنها ناضور ويقرفص قليلاً. اليوم أجلس مع صغيرته، في الخلفية صوت التلفاز يردد The wheel on the bus goes round and round فأغني لها «زيت زيت يا حجة، اقلي لنا يا عجة، زيت زيت يا جارة، جيبي لنايا فارة، زيت زيت يا إم عبيد، نقلي لنايا بيض». تغار يارا من أختها الكبرى وتمدّ لي يدها، فأغني «باح يا باح يا ورق التفاح، يا إيدين يارا الحلوين المناح، إجا العصفور تيتوضى، على بركة الفضة، هيدا شافه، هيدا حكاه، هيدا رقّصه، هيدا لعّبه، وهيدا غناله، قرقة ولا صيصان». استبدل الكلمات التي اعتدنا على تردادها، «هيدا ذبحه هيدا نتفه هيدا قلاه وهيدا شواه وهيدا أكله»، لقد اصبحت أقسى من قدرتي على الاحتمال.
أعود إلى دندبيشة. أحاول تذكر القصة فلا أنجح، أسأل العائلة، تومض عيونهم ويسيل خيط الذكريات. تحكي لي عمتي عن «العنزة العنوزية يلي قرونا ملوية»، وقصة أخرى تخبرني فيها عن أحمد المحمود بائع الحي الذي يتصل ليطمئن عليها إذا انقطعت عنه، الهاتف الأرضي أصبح مخصصاً له. تتذكّر نداء بائع الفجل«أولتك منافع يا فجل، وآخرتك مدافع يا فجل».
في السوق بائع الفجل يجرّ عربته، أسمع مكالمته مع أحد الزبائن «ببعتلك صورة الفجلات، ما تعتل هم إذا عجبوك بجبلك ياهن».
تختلط الصور في رأسي كما تتداخل الأصوات في المدينة قصة دندبيشة لم تتضح.
كنت قد قررت النزول إلى السوق، يملؤني التفاؤل، سأطرح سؤالي على المارّة وسيغنون لي، سوف يروون الحكايا لأختار منها ما أريد وأنسج حكايتي.
لكن الأمر كان أعقد مما تخيلت. أخبرني أحدهم كيف تخلّت عنه أمه صغيراً، آخر قال لا أريد التذكر لم يعد هناك من أذكره، وأخرى حكت عن الأغاني التي اعتادت على غنائها لصغارها، وحين طلبت منها وصف المشهد، اغرورقت عيناها وتوقفت عن الحديث، أشاحت لي بيدها «وينن؟!»
«عصفوري طار وطير عصفوري
كان صغيّر ربيته على إيدي
ولما كبر وطيّر صار ينقرني بخدودي».
كانتا سيّدتَيْن حول عربة الخضار يجرها شابٌ من الواضح أنهما تعرفانه، غنّت لي واحدة وهي تتراقص «الكومبانيوس بجاه الحق، المستحق الكومبانيوس» و«كان في بطة حلبية عم تسبح تحت المية، شافوها العسكرية، قالولها وين تذكرتك، قالتلهن نسيتا بالبيت، أخدوها عالكاراكون، قالتلهن باردون باردون»، أشارت إلى جارتها قائلة: «هيدي جارتي من سوريا جاية من حرب، فطلعلها حرب».
سبق يوم نزولي هذا حادثة مقتل شابين، كان الحديث عن مقتلهما يتسلّل إلينا من نوافذ المنازل والمقاهي. الأزقة تذكر أبناءها، أخطأت حين أسأت قراءة مزاج المدينة.
غريبة هي مفاتيح الذاكرة، روائح صور ونغمات تحرك شذرات تومض وتغيب، تختلط المشاهد والأصوات. أحياناً تبدو حيّة واضحة، مرات أخرى تكون ضبابية أو مبتورة، تتشابك الصور، تتسارع تتكرر تنخفض وتيرتها وقد تتجمّد لبرهة. تأتي من دون ترتيب وتسلسل زمني أو منطقي واضح.
من خلال العديات، أحاول بناء جسر بيني وبين ماضٍ خلته امّحى بسبب الأيام التي تطحننا، إلى زمن أكثر بساطة ألوانه أكثر سعادة، محميّ بحضن من أحبّونا، لكنه لم يكن أقل قسوة.
