
في البنايات الساهرة
نوافذ عديدة
أُعتمت إلى الأبد
والباقيات بنورها
ترفو الماضي
بمِزَق الحاضرِ.
الهوائيات أشجارٌ من الألومينيوم
تتشابك غصونها الرفيعة فوق أسطح المدينة
أفرع تحطُّ الغربان عليها عند الغروب
لنرى ظلالها السود
على خلفية سماء قرمزية
أخيرًا
جاء رمضان في الشتاء
والمغرب عند الخامسة والنصف
مبكرًا نتدفأ على الإفطار
بحساء لسان الغراب
إلى أطباقنا
رأسًا
من جحيم العائلة
«مدفع الإفطار… اضرب»
تفزعُ في أسراب ناعقةً
باتجاه جبل المقطم.
❂
يفوت في لحم الليالي
إبرة في نسيج
والضوء البعيد عربةٌ
تبيع الفلافل ساخنةً
في نور الفجر الشحيح
تلتمع الخضروات على الطاولة
رغيف بلدي فوقه بضعة أقراص
وهدية من البائع
حبة طماطم طازجة
وليمونتان بالعُصفُر.
تشقق رخام تلك الأرضية
تحت أقدام السنين
ونما العشب في فجواتها
بعد زخات المطر.
لا بد أن ضرورةً كيميائيةً هناك
لطلاء الأسيجة الخشبية كلها بالأخضر
لا بد أن الأشجار تنام في الشتاء
إذ ينسحب النسغ منها وتسقط الأوراق
إلا الأشجار الإبرية، كالصنوبر
تظل ساهرة صيفاً شتاء.
أفرطت في شرب القهوة هذا النهار
وصار رأسي مُشعًا بالكافيين
حتى أنني لاحظت صدأً خفيفًا
في أحد أسنان زميلتي الشابة
ورأيت ثغرة في حديثها عن دراستها
تسربت منها قارة أخرى
شبه قارة لنكن صادقين
رأيتها تفكر في الأطفال
كأعمال فنية.
في طريق العودة
كانت الحافلة حافلةً
بنساء ورجال من قارة ثالثة
رأيت الأسيجة والصنوبر
وأسنان زميلتي تبتسم
والصدأ يلوح من أحدها
كثقب
في كلامها
ورأيت نفسي أمشي
على رصيف خاو
بجوار سياج أخضر
أفكر في زميلتي وأسنانها
وبلدتها القديمة
❂
كان أبي يقود سيارته
ويسمع «مداح القمر»
ينقل إلى السرعة الثالثة
ويرفع كفه عن مقبض الڤيتيس
ويقلبها في الهواء
كمن يتعجب من حال الدهر
تروح عيني مع حركة يده
وأتساءل
ومات بعدها بسنين
دون أن أعرف معناها
لم تكن مرةً والسلام
أخي أيضًا لاحظها
وعندما تعلّم قيادة السيارة كنت بجانبه
فافتعل نفس الحركة وهو ينقل السرعة
مقلّدًا أبي،
وضحكنا…
مات أخي بدوره
وما من شاهد آخر غيري
على تلك الإيماءة الغامضة
يضحك لها أو يأسى.
❂
اشتريت كلّ جرائد الأيام الفائتة
وتأبطتها سائراً تحت مبنى هيئة التأمينات
سأقرأ طالع أسبوع كامل مضى
وأحلّ كيلومترات مربعة
من الكلمات المتقاطعة
مُستلقياً على الأريكة
في ظهيرة العطلة المملّة.
كاتب وشاعر ومترجم مصري صدرت له تسعة أعمال أدبية، من بينها المجموعة القصصية «موسم الأوقات العالية» (2021)، ورواية «قانون الوراثة» (2002)، والمجموعة الشعرية «قصائد العطلة الطويلة» (2019). كما نقل إلى العربية عدداً من الأعمال الأدبية عن الفرنسية والإنجليزية من بينها «بطن باريس» لإميل زولا (2019) و«حكايات أمي الإوزة» لشارل بيرو (2014)، و«عطلة في فاس» لبول باولز (2013)، و«زائر عيد الشكر» لترومان كابوتي (2023) بالتعاون مع محمد هاني. يعيش بين القاهرة ومدينة ادمنتون بكندا.

