
Nourhan Maalouf, Don’t don’t don’t you forget about me. Digital photography (2023)
وقفتُ أمام باب الشقة المعروضة للإيجار، يدي ممسكة بيد ابنتي الكبرى، وقلبي مثقل ببحثي المضني، بسؤال يلحّ عليّ: شو عم تعملي هون يا ديانا؟
مرّت أيام طويلة وأنا غارقة في بحث مرهق، وسط أكوام من الطلبات التي أرسلتها لزيارة شقق في برلين، دون ردّ. وفي كل مرة، كان الألم يتراكم بصمت، كأنه يتشبّث بي. إلى أن دُعيت إلى زيارة شقة، من قبل مالك يريد أن يقابل المستأجرين المحتملين، ليتحدّث معهم بضع دقائق والتعرّف عليهم أكثر. لم يكن يبحث عن مستأجر فحسب، بل أيضاً عن جار له. حسناً، تفهّمت ذلك. جهّزت نفسي، أخذت ابنتي الكبرى معي، وارتديتُ ملابس رسمية لأبدو أكاديمية جادة تُقنعه بأننا نستحقّ هذه الشقة. هي معركة من أجل البقاء، وأنا بحاجة إلى توظيف كل ما لديّ من رأس مال ثقافي ورمزي.
تحضّرنا ووصلنا في الوقت المحدد. أفراد وعائلات أخرى تنتظر هناك في صمت ثقيل. الكل يستعدّ ليسوّق نفسه أمام المالك الذي سيختار سعيد الحظ بيننا. ما هي فرصي؟ قليلة جداً. لكن لا بأس، أنا هنا، ولن تضرّ محاولة التمسك بأمل متضائل.
«ما هواياتك؟»، يسألني الرجل بعد أسئلة عامة. يخترقني السؤال جليداً بارداً يتسلل إلى أعماقي. تعثّرت لبضع ثوان. هواياتي؟ شو رح أتجوزك، ولا أنا بمقابلة عمل هون؟ ماذا لو لم لم يكن لدي هوايات، فهل هذا يعني أني لا أستحق منزلاً، أو أني لست جديرة بمجاورتك؟ أفكّر بهوايات لي. ما هواياتي؟ لا جواب عندي، ولكن الوقت ليس لمراجعة حياتك وقراراتها يا ديانا، اخترعي هِواية سريعاً.
الموسيقى! هي مجال عملي وعائلتي تعيش مع الموسيقى. جيد، جواب جيد، أواسي نفسي. يحبّ الأوروبي الفنون والموسيقى. لكن لا تقولي له ماذا تسمعين فعلياً، لا تتكلّمي عن روبي وهيفا وعبد الباسط حمودة، بل تكلمي عن الموسيقى بالمطلق، وسوّقي نفسك جيداً. فالموسيقى ذات حدّين. «نحب العزف والاستماع إلى الموسيقى، ولكن بهدوء». لا يجب أن نَظهر كعائلة مهاجرة مزعجة، بل «متمدنة ومتحضرة».
يقول لي إن الشقّة قد تكون صغيرة علينا، رغم أن فيها ثلاث غرف، خصوصاً «حين تكبر بنتاك». ابتسمت بمرارة، وحاولت إقناعه أن احتياجاتنا متواضعة، مساحة صغيرة تكفينا، دون جدوى، فيَختصر المقابلة. عدت إلى المنزل مُنكَسِرة الخاطر تحت ثقل الموقف. كيف وصلت إلى هذا الدرك حيث أستجدي الغرباء للحصول على مكان يُؤويني؟ كأنني لا أحاول فقط إثبات أنني أستحقّ الشقة، بل أنني أستحقّ العيش في هذه المدينة.
هل أحاول إقناع برلين بأنني أنتمي إليها، أم ربما أحاول إقناع نفسي بذلك؟
لملمت نفسي، وأرسلت إليه رسالة طويلة، تحدثت فيها عن كيفية تنظيم المساحة والاكتفاء بالضروريات فقط، علّي أقنعه. نجحت جزئياً، فتجاوزنا المرحلة الأولى، إلا أن المالك متردّد، والقرار صعب بسبب العدد الكبير من الطلبات والمنافسة الشرسة. طلب منّا مقابلة ثانية عبر الزوم، بوجود العائلة مجتمعة هذه المرة. من جديد، جهّزنا أنفسنا، جلسنا جميعنا أمام الشاشة لتسويق نسخ مثالية من أنفسنا، من أجل الحصول على الشقّة المنشودة. لكن مع مرور كل لحظة، كنت أشعر أنني أفقد تدريجياً السيطرة على هذه الأزمة التي كانت قد بدأت تلقي بظلالها على عائلتي.
المالك بموقع سلطة. يسأل ويستفسر عن تفاصيل حياتنا: من نحن، مدخولنا، وأوقات فراغنا، عما جاء بنا إلى هذه المدينة. يتكلم ونجيب. نُعرّي أنفسنا بالكامل أمام هذا الغريب. يُخبرنا لاحقاً أن ما أعجبه وأقنعه في رسالتي الثانية كانت الصورة العائلية التي أرفَقْتُها في ملفي. حسنٌ، نحن في زمن يجب أن ترسمي فيه صورة جميلة عنكِ وعن عائلتك لتحصلي على مسكن، لا يهم إن كانت الصورة حقيقية أم لا. المهم أن تكون السلعة معروضة بشكل يرضي فانتازيا الأوروبي عن تصوره الشخصي عن شكل العائلة المثالية.
يُنهي المقابلة بالطلب من ابنتي العزف له قليلاً، سامحاً لنفسه إخضاع طفلة لا تتجاوز عشر سنوات لهذه المهزلة الاستعراضية. ترفض ابنتي، تُعيد إليّ شيئاً من توازني، وننهي المقابلة.
وصلنا فقط إلى المرتبة الثانية في سباق الشقة، ولم يخترنا المالك في النهاية. غادرت وأنا أحمل بداخلي انكساراً بات مألوفاً.
❂
فمع كل شقة جديدة زرتها في برلين، أو كل بيت انتقلت إليه، شعرت أنني في رحلة لا تنتهي، رحلة تنوء تحت أثقال مختلفة، بحثاً عن شيء أكبر من مجرد أربعة جدران. كمن تبحث عن مكان يمكنها أن تنتمي إليه، حتى ولو لفترة قصيرة، في هذه المدينة التي كانت وما زالت تصدني على طريقتها، مدينة «مفتوحة»، كما توصف، لكنها محاطة بأسوار غير مرئية، تمنحني القليل، لتأخذ مني الكثير.
لم أختر الانتقال إلى برلين. وجدت نفسي أهرب من مكان إلى آخر، بعد أن لفظتني مدينتي بيروت مراراً. لم تكن برلين، ولا حتى ألمانيا، على خارطتي، ولم يكن لدي توقعات عالية حين وصلت إليها منهكة بعد رحلة طويلة متعددة المحطات. كنت قد سمعت الكثير عن هذه المدينة، عن كونها ملاذ المبدعين والمهاجرين والطلاب، وعاصمة الثقافة العربية الجديدة. لكن سرعان ما بدأت أسوار غير مرئية تظهر لي، ليس فقط بين الأحياء، ولكن في تفاصيل حياتي اليومية. فرغم كل الامتيازات التي أتمتّع بها كأكاديمية مهاجرة، لم أتمكّن حتى الآن من تأمين منزل ثابت لي ولعائلتي. بين إقامة مؤقتة، ودخل متوسط، وهوية غير ألمانية، صار العثور على مسكن طويل الأمد في هذه المدينة معاناة مستمرة.
لسنوات وأنا أتنقل بين منزل وآخر، أسكن في بيوت غرباء، من دون أن أعرف معنى الاستقرار. لم أعد أذكر عدد المنازل التي سكنتها في برلين، ستة أو سبعة؟ حاولت التأقلم مع فكرة الترحال، وعدم التعلق بالأشياء أو مراكمة الممتلكات. أقول لنفسي، «لازم تكوني خفيفة يا ديانا، متل البدو، بتمشي بحرية وما بتتعلّقي بالمحلات اللي بتعيشي فيها، لانها مش الك». ولكنني أفشل. أغادر كل منزل وأنا أشدّ تمسكاً به من البيت الذي سبقه. أتعلق بالحي والوجوه التي أراها يومياً، وأبني فيه منزلاً وذكريات جديدة، قبل أن أُودّعه من جديد.
منذ أن جئت إلى برلين، وأنا أجد نفسي كمن يبحث عن ذاته في متاهة. أراكم الأمتعة، وأترك خلفي ظلالاً مبعثرة في الفراغ لا أستطيع جمعها، والمزيد من الصناديق. صناديق في بيروت، صناديق في منازل الأصدقاء في برلين، صناديق ترافقني أينما ذهبت. صناديق هنا وهناك، أملؤها أحلاماً وأوهاماً تبدّدت، وأغلقها جيداً. فمع كل محاولة للتأقلم مع منزل جديد، يتسلل إليّ شعور مرير بأنني سأخسره قبل أن أتمكن من الانتماء إليه. وكأن الوجع يسبقني، كلما حاولت احتواءه، تلاشى جزء مني قبل أن أتمكن من الإمساك به، تاركاً في نفسي ندوباً تتسع مع الوقت. لم أعد أذكر أي كتب اشتريتها وأين تركتها، أي صور التقطتها وأردت تعليقها، أي منزل أحبّه أكثر وأحنّ إليه. فكل شيء أصبح مشروطاً على الفقدان.
خمس سنوات من البحث المتواصل عن منزل في برلين، وأنا عالقة في حلقة مفرغة لا تنتهي، أعلم أنني لن أخرج منها أبداً. لم تعد برلين مدينة لأشخاص مثلنا. هي تفقد تدريجياً ذلك الوجه الذي اعتقدنا أنّه كان يميّزها، ويجعلها مكاناً مُرحِّباً بنا إلى حدّ ما، حيث وجدنا أشخاصاً يشبهوننا وبعض المساحات لنا، في مدينة كانت تكاليف المعيشة فيها مقبولة، وسكانها معظمهم من المستأجرين الذين قاوموا طوال السنوات الماضية السياسات النيوليبرالية وتهجير السكان، وما زالوا.
مع ذلك، أشعر أننا قد خسرنا المعركة، معركة أخرى نخسرها.
❂
كأن برلين تُعيدني دائمًا إلى نقطة البداية، حيث تدور حياتي في دوائر لا نهاية لها. كل محاولة تبدأ بأمل مؤجل، سرعان ما يتلاشى، لتبقى تلك الغصة المتكررة، والسؤال الذي يلاحقني: ما الذي يجعل مكاناً ما «بيتاً»؟ وما الذي يجعله حلماً مستحيلاً هنا؟
هل الغربة هي مجرد إحساس بعدم الانتماء، أم أنها تلك اللحظات التي تجدين نفسكِ فيها في مدينة لا تكف عن التغيير؟ مدينة تتسارع بخطى تفوق قدرتي على مجاراتها، كأنني أقف في مكان واحد بينما هي تبني أبراجها وتبيع شققها، تُنشئ مجمعاتها الجديدة، وأنا وعائلتي ندور في حلقات مفرغة، نبحث عن مساحة صغيرة تمنحنا القليل من الأمان الذي يتسرّب منا في كل مرة.
أتجوّل في شوارع المدينة، أراقب الشقق الفارغة وتلك المضيئة، تلك المنازل التي تحوّلت إلى سلع للاستثمار. أتساءل عمن يسكن هنا وهناك، من مرّ من هنا قبلي، ومن طُرد بعد أن أصبح طرد المستأجرين نموذجاً اقتصادياً رئيسياً في هذه المدينة.
أدرك أن أزمة السكن ليست مجرد مسألة عقارية؛ بل هي جزء من ذلك الإحساس العميق الذي نشعر به جميعنا هنا. شعور بأن هذه المدينة، رغم انفتاحها المزعوم، تفرض قواعدها ومعاييرها على الجميع، وتغلق أبوابها أمام من لا يملك الاسم المناسب، أو المال الكافي، أو التاريخ والذاكرة المتناغمين مع صورتها. مع كل إخفاق في الحصول على شقة، تكشف لي المدينة عن قسوة لم أكن قد اختبرتها من قبل، قسوة تتشابك مع هواجسي الشخصية. وفي كل مرة أزور فيها شقة جديدة، أعود إلى نفس النقطة: إحساسي بأنني غريبة في مدينة لا تريدني، بأنني لا أنتمي. غريبة تفقد تدريجياً أجزاء دفينة منها. وكلما اعتقدت أنني اقتربت من العثور على مرادي، تذكرني برلين بأنني لست من هنا، ولا سيطرة لي على أي تفصيل فيها.
❂
شيء ثابت وحيد يرافقني، يلازمني كظلٍّ دائم، هو البحث الذي أصبح امتداداً لذاتي. صرت أنام ساعات قليلة، أستيقظ عند الخامسة صباحاً، أُرسل الطلبات. غدوت مهجوسة بسوق عقارات المدينة، أقرأ عن الأزمة، أبحث عن تدخل الدولة وسياساتها لحلها، أقرأ عن مقاومات سكانها. وأبكي. أصبحت أيضاً آلة للبكاء، تبكي أينما كان وأمام أي شخص. أبكي في العمل إن سألني أحدهم عن جديدِ بحثي عن شقة، أبكي في الصف الألماني عندما تسألني معلمتي إن وجدت منزلاً. أتابع يومي، يكملون حياتهم، أواصل عملي، لكنني بالكاد أستطيع التنفس.
أصبح البحث عن منزل نديمي الذي لا يتوقف عن تذكيري بالهامش الذي أعيش فيه. أعبئ الطلبات، استمارة تلو الأخرى، منزل باهظ الثمن أو رخيص، قريب من مسكني الحالي أو بعيد، لم يعد يهم. سأترك مُكرهة حارتي، وأُبعد بنتيّ عن أماكنهما وأصدقائهما من جديد، المهم أن أجد منزلاً. أقلّل من توقعاتي، وأرفع ميزانيّتي. رغم ذلك، المنافسة شرسة، وأنا في أسفل السلّم، أحاول التشبث بأي شيء. أزور منازل في ضواحي المدينة البعيدة. شركات كبيرة تبني مجمّعات جديدة في مناطق معزولة، لسد حاجة السكن وإخراج الطبقات الوسطى والفئات المهمشة من المدينة إلى ما سيصبح حتماً غيتوهات مستقبلية. حتى هناك، حيث لا أرغب أصلًا في السكن، بعيدة عن تفاصيل يومياتي التي بنيتها هنا وأحياء المهاجرين التي تمتلئ بالألوان والأصوات والروائح المألوفة.
سماسرة يطالبونني بآلاف اليوروهات مقابل خيوط أمل واهية، ومالكو شقق يرفعون الإيجارات بمجرد أن يزداد عدد الطلبات. فوضى لا نهاية لها، أتوه فيها بلا هدى، وفي كل خطوة، كانت الندوب تتكاثر في داخلي كغبار يعلو شيئاً فشيئاً، حتى غطّى كل زاوية. حتى المستأجرون الذين يغادرون منازلهم يستغلون الأزمة، يطلبون مبالغ طائلة مقابل ممتلكاتهم. استغلال للأزمة من قبل الجميع، يمزّقني ببطء، في معركة هي من أصعب المعارك التي خضتها.
محدلةٌ تطحنني، وهي تبتسم لي، تذكّرُني بهشاشة وضعي في بلاد الاغتراب رغم كل الامتيازات التي أمتلكها، وترميني وحدي في بحر من الأسئلة التي تلاحقني كظل ثقيل لا يفارقني: عمّ نبحث حقاً في غربتنا وسط الحداثة النيوليبرالية والمجتمعات الفردانية؟ هل نبحث عن بيوت بدلاً من بيوتنا القديمة التي لم نعد نعرفها؟ عن رعاية واهتمام يذكّراننا بأننا كنّا جزءاً من مجتمعات، أم عن استقرار نسينا معناه؟
❂
أزور منزلاً… أسمّيه منزل الخراب. كلّ شيء فيه يحتاج ترميماً: الحيطان، الأرض، الحمام، المطبخ. مزبلة دخلتها وكأنني أنظر إلى جروحي التي أصبحت مفتوحة في جسدي، دون أن أتمكّن من ترميمها. المكان بأكمله يشعرك بأنك دخلت مكاناً نُسي تمامًا من الزمن. رغم ذلك، تريد الشركة المالكة تأجيره لمدة سنتين فقط، ليقوم المستأجر بترميمه، وبعد انتهاء العقد ترفع الشركة السعر من جديد، كأنه إصلاح مؤقت لم يُكتب له الدوام.
لا بأس، أحاول إقناع نفسي. سنرمّم الخراب بمساعدة أصدقاء، وندبّر أمورنا بالتي هي أحسن، علّنا نستقر قليلًا في هذا المكان المتهالك. أرسل كل أوراقي، أتحمّس لفكرة الحصول على منزلٍ أملأ فراغاته، ولو لفترة قصيرة، وكأنني أبحث عن لحظة وجيزة من الراحة وسط دوامة الألم.
لكن جشع الشركات لا حدود له. بعد أخذ وردّ لمدة أسبوع، وأوراق واستمارات، وآمال وأحلام، يتّصل بي الوكيل ليخبرني أن الشركة تريد إعطائي المنزل، لكن لسنة واحدة فقط. هم مدركون تماماً مدى الأزمة وحاجة الناس الملحة إلى سكن، ممّا يدفعهم للقبول بأي شيء، تحت أي شرط، حتى لو كان خراباً.
بكيت، ثم غضبت. أدركت لحظتها مدى هشاشتي، واستعدادي للتضحية بالكثير من أجل وهم الاستقرار المؤقت. أن أقبل بما لا يُقبل، أن أسمح لنفسي بالعيش في مكان لم يكن يصلح حتى للسكن، فقط لأن فكرة العثور على مكان ثابت، ولو لفترة وجيزة، أصبحت هاجسي الوحيد. كيف وصلت إلى هذه النقطة؟ كيف أصبحت حياتي وحياة عائلتي مرهونتين برضى أصحاب العقارات وقراراتهم الجشعة؟ وكيف سأتمكّن من لملمة كل تلك الأجزاء المتناثرة مني بعد ذلك؟
كتبت لهم رسالة رفضت فيها هذا التلاعب المهين. كنت أعرف، لن تغيّر شيئاً هذه الرسالة، وسيجدون حتماً من يقبل استئجار الشقة تحت هذه الشروط المجحفة. لكنني لم أستطع أن أترك هذا الغضب المكبوت دون أن أُفرغه. أفرغت في تلك الرسالة كل مشاعري، كل إحساسي بالاستغلال وسط أزمة السكن الخانقة في برلين. كان الوجع يفيض من كل حرف كتبته، وكل كلمة كانت تخرج محملة بغضب ومرارة.
شتمتهم، ودعوت عليهم كما كانت تفعل جداتنا وأمهاتنا عندما يغضبْن. شعرت للحظة بأنني أعود إلى مكان مألوف، أعرفه ويعرفني، وكأنها محاولة لاستعادة شيء من السيطرة في عالم يزداد قسوة وجشعاً. كنت بحاجة إلى تلك اللحظة من الصراخ التي تعيد لي بعضاً من قوتي التي فقدتها وسط هذا الجنون.
فكل طلب أرسله للحصول على شقة يشبه حجراً ألقيه في الفراغ، ليسقط في بئر لا قعر لها، يضيع فيه الصوت والصدى. وكل مرة أرمي فيها هذا الحجر، أشعر أنني أدور في دائرة جديدة من الفشل، تزيدني في كل مرة إحساساً بالضياع. أخسر فيها أجزاء أخرى من نفسي، وتنتهي المحاولة دائماً بالخيبة ذاتها، خيبة ثقيلة تلتف عليّ كظل لا يزول. هي ساعات وساعات أمضيها لتجهيز ملفي الذي يتعدّى أحياناً الثلاثين صفحة. ملفي أطول من أوراقي البحثية، وملفات التقديم على وظائف أكاديمية. أكتب رسائل وخطابات. أفكّر في كل الذين لا يستطيعون تحضير ملفات طويلة كهذه والوصول إلى المواقع والإعلانات.
أمشي في شوارع المدينة، أضع السماعات على أذني، وأستمع إلى أغنية «الدنيا زي المرجيحة». أصغي لحكمة المُغَنّي المصري عمرو السعيد، وأرقص على أحزاني: «الدنيا زي المرجيحة، يوم تحت وفوق، فيها خلق عايشة ومرتاحة، وفيها ناس مش فوق، وأنا ماشي بتمرجح فيها من تحت… لفوق». كان هذا المقطع بالذات يرافقني، ويملأ ذلك الفراغ الموحش بداخلي. أتأرجح مع كلماته، وكأنني أملأ أجزائي المتناثرة بشذرات من عالمي الماضي، في محاولة يائسة للتغلب على الشعور بالعجز والاغتراب. كنت أستمع إلى الأغنية، وأطمئن نفسي، هذه الأوقات هي ما يصفه عمرو بـ «التحت»، ولا بد لي أن أصل إلى «الفوق»، كما يقول. أصدقه… يجب أن أصدقه.
❂
لكنْ، وسط هذا التأرجح بين الأمل الهش واليأس الثقيل، تأتي لحظات عابرة تذكّرني بأن معركتي هذه ليست فردية، وأن الثقل الذي أحمله ليس لي وحدي. هو جزء من عبء أوسع، مشترك، عبء الرحيل المستمر عبر الأجيال والبحث عن مكان لنا في عالم يتغير بسرعة ويجرّدنا من تفاصيلنا. وهذه المدينة ليست مجرد مكان يستهلكني، بل يمكن أن تمنحني لحظات غير متوقعة من الرعاية. أحياناً تظهر لمسات إنسانية من غرباء، كما حدث عندما اتصلت بي وكيلة عقارات بعد زيارة شقة لتنصحني عن حقوقي كمستأجرة. في تلك اللحظة، شعرت أن هناك من يرى فيّ إنسانة في مدينة يبدو أنها لم تعد تهتم بغير الأرقام والاستثمارات.
كانت أوراقي غير مكتملة، وهي تريد أن ترشدني عن حقوقي في المدينة، تسترسل وتستفيض. وفقاً للمعايير الألمانية، هي تتدخّل في ما لا يعنيها. تعتذر إليّ، قائلة إنّها مثل أمي التي تخاف عليّ، تنصحني لأنها تعرف مدى استغلال من لا يعرف القانون الألماني. حاولت إخبارها أنني أصبحت عليمة بخبايا سوق العقارات، وأنني في انتظار هذه الأوراق الناقصة، لكنني صمتّ. فذلك غير مهم. ما يهم هو وجود شخص ما، في هذه المدينة، توقّف للحظة أمام طلب غير مكتمل، وقرر إرشاد صاحبته.
تركتها تنصح، واستمعت إليها بامتنان. لا تعرفني هي، ولم أحصل على المنزل في النهاية. لكنها تركت عالمها لثوان، واتصلت بي لتشاركني نصائح حول القوانين وكيفية حماية نفسي. ابتسمتُ بحزن وأنا أفكّر أنّه لو كنت في بيروت، وحدث لي أمر مشابه، لكنت استشطتُ غضباً من تدخلها في ما لا يعنيها. لكن هنا، في مدينة أنا فيها مجردة من شبكة معارف كبيرة تحميني، يصبح لهذا الاهتمام معنى آخر تماماً.
هكذا هي هذه المدينة، تعرّيك من كل شيء، ومن حيث لا تدري تلمسك التفافة من شخص غريب لا يريد منك شيئا. فرغم ألمي وبحثي الأزلي عن منازل، ما زالت المدينة مليئة بأصدقاء يحاولون مساعدتك ومساندتك بكل الطرق. بناس، غريبة أو قريبة، تقاوم تحولات المدينة وتؤمن بأخلاقيات وسياسات الرعاية.
❂
في هذه المدينة التي لا تكف عن الحركة، أجد نفسي أحياناً أتوقّف للحظات، أنظر حولي، وأتساءل: هل سأجد يوماً ما أبحث عنه؟ كيف يمكن للمرء أن يبني بيتاً في مدن قاسية لا تتوقّف عن التحول؟ وهل الانتماء وهم، مجرد شعور نطارد أطيافه دون أن ندرك أن الغربة قد تكون حقيقتنا الوحيدة؟ أعرف أن كل هذا الوجع لن ينتهي، حتى بعد أن وجدت أخيراً بيتاً لنا، قبل أسبوعين من موعد مغادرة منزلنا، وتنفّست من جديد.
أعدت توضيب أغراضي بصناديق، وأنا أتساءل عمّا تتحوّل إليه مدننا، ولمن تبقى حين نغادرها كلّنا؟
الشعور بأنني أعود دائماً إلى نقطة البداية لا يفارقني. ربما لأن برلين تعكس ذاتي المتحركة والمتغيرة. في كل مرة أعتقد فيها أنني اقتربت من اكتشاف معنى البيت، أجد أن تعريفه يتغير باستمرار. هو تغيير يرتبط بوجع الفقدان والابتعاد، وكأن البيت وهم أطارده، لكنه لا يتحقق. ربما ليس الانتماء ولا زاوية الأمان هو ما أسعى إليه فعلاً، بل تصالحي مع فكرة الغربة ذاتها، مع وجعي الحقيقي: أن أعيش في عالم متحرك، لا أستطيع أن أتوقف فيه ولو للحظة لأشعر بالاستقرار. أن أبقى متأرجحة بين عالم «الفوق» و«التحت»، بين الأماكن المفقودة والذكريات التي تلاحقني، بين وجع عالم يريد تحويل بنتيّ وتحويلي إلى صور مثالية لمواد استهلاكية لا معنى لها، والقوة التي استمدها منهن ومن نساء عالمي، حيث يجدن دائماً طرقاً مختلفة للمقاومة.
فأزمة السكن في برلين مرتبطة بشكل وثيق بمن أنا وأين أنتمي، بالتاريخ والذاكرة اللذين أحملهما معي هنا، وبالوجع المتوارث الذي أحمله في قلبي. هي مرتبطة بمن يملك الحق في البقاء، ومن يُدفع به نحو الهوامش، وبالبحث عن أماكن ننتمي إليها في عالم يتغير بسرعة، يسحقنا مراراً، ولا يمنحنا الفرص.
في ظل حروب متجددة ومدن متعولمة متضخمة، حيث تُستبعد مجتمعات كاملة من التخطيط، ولا تُلبّى احتياجاتها الحقيقية، يصبح الوجع هو القاعدة. ولم أعد متأكدة اليوم تماماً ممّن له الحق في البقاء والسكن. لكنني أعرف أنني سأعود للبحث مجدداً، وأدور في دوائر لا تنتهي، تغرس في داخلي ندوباً لن تلتئم، لأن المدينة نفسها، مثل العالم من حولنا، لا تتيح لنا الاستقرار. لكن اليوم، سأستريح قليلاً.
كاتبة ومؤرخة متخصصة في الموسيقى والسرديات البديلة والذاكرة في بلاد الشام. تناولت أطروحتها في الدراسات العربية من جامعة السوربون التاريخ الترفيهي والموسيقي المنسي في بيروت خلال النصف الأول من القرن العشرين. تشغل حالياً منصب منسقة التواصل العلمي في مركز الدراسات المتقدمة في المغرب في منتدى الدراسات العابرة للأقطار في برلين.
