
Shawki Youssef, Untitled. Charcoal on cotton paper, 42 x 59.4 cm (2022)
«تقولش عليه غسل عاره بماء المطر».
هكذا تكلّم خمّوس عن برڨو، القط الشريد الذي وُلد في باحة منزلهم وهجر حيّهم بعد أن ضاجع أمه. نفرت منه جميع القطط، وأُولها أمه الشهباء. تزامن ذلك مع أولى جلساتنا بمناسبة «غسّالة النوادر» التي بكّرت عن موعدها هذه المرة، تلك الأمطار التي لطالما أبهجتنا غزارتها. كنا نُباركها دائماً بجلسة خمرية، لكنّ اضطراب مواعيدها منذ سنواتٍ نكب العديد من الأهالي وأنهك المنازل الصغيرة، ولخبط علينا، نحن معشر السكيرين، اختيارنا بين النبيذ أو البيرة. كان قد مضى وقت قصير على حجّنا الموسمي من الشاطئ إلى وسط القرية، مع انخفاض درجات الحرارة وبدايات الخريف المتقلّبة. اعتزلتُ وزمرتي الجلسات القريبة من البحر وبدأنا بالهجرة إلى وسط القرية بحثاً عن البنايات المتداعية.
تحوّلنا من حيتان ضخمة تبتلع ما يعترضها من السوائل إلى سحالٍ آدمية تبحث عن البيرة الباردة، تلتصق بالجدران وتنتعش عند شمس العشية. هجرنا الشاطئ إلى وسط القرية وغابات الزيتون في هنشير الكيلاني، أحد الإقطاعيين القدامى الذين امتلكوا ما يعادل نصف المساحات الزراعية. بدأنا بالتخلي عن البيرة وحدها تدريجياً، وعدنا اضطراراً إلى النبيذ الوردي الرخيص الذي عمّد دخولنا إلى طقوس الشرب منذ سن فتيّ، وتآلفَنا مع الباعة الذين تعاقبوا على السوق السوداء. في البداية كان رُوفا الذي يقبع في السجن منذ سنوات بعد شجاره الدامي مع قوات الأمن، ثم شويطن الذي خلفه لفترة طويلة قبل أن يعتزل الغرام ويعلن توبته، وآخرهم سِكراتا الذي لا يزال يتسيّد مسالك التزويد الموازية بعد أن ارتدّ عن سلفيّته واستعاد حبّه القديم للخمر والنبيذ.
وخمّوس، الذي اكتشفُ معه في كل مرةٍ مكانًا مختلفا للجلسة، جرّني هذه المرة إلى وسط القرية خلف إحدى البنايات المتداعية التي لطالما توجّست منها في صغري. لا أحد يعرف من يملك المكان، لكن الأسطورة المحلية تعوزه إلى الفانكو، أحد الباندية القدامى، الذي قضى نحبه في السجن خلال الستينيات بعد أن عارض مشروع التعاونيات في القرية، وهشّم كرسيا على رأس العمدة القديم أثناء مراسم استقبال أحد أعيان الدولة في القرية آنذاك.
لم يكن قد مرّ الكثيرون من مسؤولي الدولة على القرية، إلّا مرة واحدة فقط خلال الستينيات في بداية التجربة الاشتراكية مع الوزير حمد بن صالح. لم يشهد الفانكو ما فعلته التجربة في حقول القرية، فقد طالت فترة سجنه أكثر من عمر التجربة ذاتها، وانقلبت الأمور إلى النقيض عند خروجه بعد أن سُجن بن صالح. أطلق الأهالي تسمية «ربطيّة الفانكو» على تلك الحقبة، وكان من البديهي أن تلتصق كنية «بو كرسي» بالعمدة لسنوات طويلة، إذ لم تشفع له حجّاته الثلاث طوال تلك الفترة في نيل لقب تشريفي يُنسي الأهالي الواقعة القديمة وتحرّره من الكنية المشؤومة التي تحوّلت بفعل فاعل إلى «بو كرزة». لم تثر الكنية المنسوبةُ إلى خصيته حفيظة أهالي القرية الذين لم يتحّرجوا من ترديدها كباراً وصغاراً، لا بل حدا الأمر ببعضهم إلى كتابتها بالفحم على مكتبه، إلّا أن الفاعل سقط سريعا إذ لم يكن هنالك غير ثلّة قليلة تعرف القراءة والكتابة.
أما الفانكو، فقد ظلّ الرجل الذي خرج من السجن ليدخله بن صالح.
اخترنا حائطاً متداعياً بجانب شجرة الخرّوب الأخيرة في القرية وجلسنا على بعض الأحجار. جمعنا بعض الفروع والأوراق الجافة وأوقدنا ناراً. رميتُ بعض النقانق فوق الحطب لشوائها. تفاجأت بقط أسود توجّه إلينا غير عابئ بانزلاقات الأرض اللزجة جرّاء المطر. اقترب من قدم خمّوس وبدأ يتودد إليه. لوّحت بيدي متذمراً من فظاظته، لكنه كشّر بوجهي ساخطاً وتوثّب للعراك. امتلكتني رجفة غريبة عندما لم يرتعد القط من تهديدي له وبدا على هيئة صعلوك مستعر. أدار لي ظهره ورفع رأسه إلى خمّوس الذي وهبه قطعة نقانق غير عابئ بتذمّري.
كان برڨو قد عاش في منزل خمّوس مدللاً مع أمه الشهباء. كان صعلوكاً ومتوثباً للمبارزة في كل لقاء مع بقية قطط الحي. يعاكس الجميع، ويضاجع الإناث من القطط، ويحشر أنفه في كل إناء بالحي. عقب هروبه من المنزل بعد أن نفرت منه الشهباء، طار عليه حجرٌ من يد زهريّة، جارة خمّوس التي لمحت صنيعه. وُفّقت زهريّة في رميها، فاستقرّ الحجر في عينه وخلّف له ندبةً غائرة. عاش برڨو شريداً في أحد الأحياء البعيدة بعد تلك الحادثة، يسكن سطوح المنازل ويموء طوال الليل نشيداً حزيناً. تعرف عليه أحد السكيرين من جيران خمّوس ذات مرة بعد أن نزل ضيفاً عند نديمه في إحدى ليالي الصيف. حمله بين ذراعيه على أمل إرجاعه إلى الحي القديم، لكنه ما إن وصل إلى مشارف الحارة حتى انتفض وفرّ هارباً ليستقرّ في خراب منزل الفانكو المتداعي.
ماءَ برڨو في نشوة قطٍّ يبحث عن كنز القمامة. تسلّل بخفة اللصوص بين قنينة النبيذ وقوارير البيرة، وداعب قدم خمّوس ثم شرع في التهام حصة جديدة من النقانق. استمر في المواء معبراً عن غبطته بالوليمة، فيما بقيتُ مغتاظاً ألوم خمّوس على صنيعه وألكز القط بعود جافّ آملاً في طرده.
❂
لا أحد يعلم ما الذي دفع الفانكو إلى افتعال شجار مع مسؤولي الدولة، والحال أنه ابن فلاح معدم، ومن المفترض أن يبتهج لتجربة التعاضد. أصرّ خمّوس على وجهة نظرٍ لافتة، رأى بموجبها أن الفانكو نقم على الدولة بعد سجنه الأول إثر هروبه بِحوريّة، فاتنة القرية التي تزوجت غيره. لم يكن الأمر جريمة وقتها، بل كان يُعدُّ ضرباً من الفروسية في عيون الأهالي. قضت التقاليد القديمة أنّ خطف الرجل لحبيبته عن هودجها قبل وصول موكب العريس هو فعل بطولي، يتنازل بموجبه العريس عن حقه في ملاحقة الفاعل إذعاناً منه لهزيمته واعترافاً بفروسية غريمه. لكنّ الفانكو ارتكب المحظور وقتها، فحبيبته لم تكن غير ابنة الكيلاني شيخ القرية، الإقطاعي صاحب النفوذ الذي استنجد بالسلطات لملاحقة الفانكو وزجّه في السجن.
استمرّ خمّوس في سرد بطولات الفانكو في زمانه وأشار إلى الباحة المقابلة التي كان يضع فيها كبشه جورجيو، من النوع الغربي كبير الجثة، الذي تميّزه فروة صوف مخضّبة بالحناء تتدلّى بين قرنيه. كان الفانكو يربطه بحبل طويل إلى شجرة الخرّوب المرابضة، ويضع له دلواً من الشعير يكون في أغلب الأحيان هبةً من أحد الميسورين الطامعين في التقرب إليه. تسيّد الفانكو القرية طوال فترة مكوثه خارج السجن، وأغار مع ندمائه على شيخ القرية وبعض الإقطاعيين خلال مواسم جني الثمار.
كانت القرية فيما مضى «سلّة الجهة» بأكملها، في صورةٍ نقيضة لما هي عليه اليوم. قضم الزحف العمراني أغلب الأشجار والحقول، وأضحت فلاحتها ذكرى غابرة لم تعد قادرة حتى على إطعام الأهالي. فاضت كلّ حقولها بأشجار الرمان والتين والخروب والخوخ والمشمش، عدا أفدان البطيخ والبندورة الطازجة التي ميّزت الزراعات المحلية. تهافت الفلاحون على تشغيل الفانكو لديهم. كان يقوم بأعمال أربعة رجال أشداء. يشترط الفانكو أن تؤمَّن ذخيرته اليومية لأداء عمله. لا يبرح مكانه صباحاً دون أن يجد أمامه ليترين من الحليب وبسيسة الشعير ونصف رطل من التمر، مع خبزة طابونة يغمس نصفها في الزيت ويحشو بقيّتَها عسلاً وزبدة. حين ينتهي من حصة العمل الصباحية، ينتظر وجبة الغداء التي تكون عادةً «شقالة» كسكسي برطل من اللحم. ينطلق بعدها لإتمام ما تبقّى من عمله اليومي. أينما يجد الفانكو نفسه، وفي أي فصل، يقتات من ثمار الحقول التي يشتغل فيها. يقال إن جسدَه منيع على الأمراض، وعينيه بخضرة أشجار الحقول في القرية. أما قبضته، فقد حفرت انحناءة عميقة في باب السجن بعد أن علم بموت كبشه جورجيو.
❂
فتحتُ قنينة البيرة الرابعة بعد أن استنفدتُ حصتي من النبيذ. انتبهتُ إلى أنني سبقت خمّوس في الشرب، فتعجّبت من حالي، لأنه هو الذي اشتهر بين الأهالي بكنية الزبراط لإفراطه في الشرب. بقيت أحملق في وجه برڨو الذي بدا لي غريباً. بدأت النشوة تتلاعب في رأسي. غاب خمّوس بحثاً عن السجائر في دكان غير بعيد لدقائق بدت لي كساعات طويلة. اقترب مني برڨو وتوجّه إليّ. جحظت عيناي من هول الصدمة. رماني بما تبقى من النقانق في وجهي، وسيّج مساحة شبه دائرية ببوله مثل كلبٍ يحصّن مكانه. خلتُه في البداية يُطلق مواءً عجيباً. تجمدت جرعة البيرة في حلقي وكدت أختنق. رمقني بنظرة ساخرة وبدأ في الكلام:
اسمع يا سي الزبّي، مانيش قطوّس كيما تشوف فيّا قدامك، أما تلزّيت وبرّه. كان تسأل أمي تو تقلك نهار اللي ولدتني صارت عجايب وغرايب في القرية. يا سيدي يا بن سيدك، كانك سمعت بحكاية الزكّار، إمّالا لازمك تعرف اللي هي صارت في الحقيقة، وعنا هوني. يا نعم. تحل عينيك ولّا تنيّك كانك موش مصدقني. اعطيني معاك قرعوط قبل ما نحكيلك الحكاية.
لم استوعب ما يحدث أمامي. كنت مسلوباً كالمجاذيب. اقترب برڨو من قنينة البيرة غير عابئ بذهولي الذي انقلب ذعراً. أرخى القنينة وبدأ يشفط ما تبقى منها ثم استأنف كلامه:
نهار اللي تولدت، جاء راجل زكّار للقرية شدّ الزكرة متاعو وبدا يزنزن في الشوارع، ياخي تبعوه الصغار الكل ومعاهم الفيران زادة. قالك ناقم تراه على شنوة. ثمة شكون يقول اللي نهارتها واتات مع خروج الفانكو مالحبس بعد ما وفات ربطيتو، ووفات معاها التعاضد متاع حمد بن صالح وباعوا البقرات الكل اللي جابوهم. جابتني أمي للدنيا لحظة اللي آخر فار خرج وراء الزّكّار. بابا كان قاعد مع صحابو فوق حيط الجبّانة، يشرب في الحليب ويدندن في غناية يا هل ترى قدّاش من فرططّو في الناعورة. يا هل ترى قدّاش؟ يا هل ترى قدّاش من فار مخبّي في المقصورة. يا هل ترى قدّاش؟ بابا كان يغنّي وينوّح، خاطر يعرف اللي عيشة القطاطس من غير فيران، عيشة كلاب. يعني ماجات شي. كان يبكي عليّا، خاطر مانيش باش نعاند الفيران، وباش نتربّى ليّن وأرطب ومانيش باش نتعلّم المصيد وشدّان الطريدة. آش خلّى صحابي يتمنيكوا عليّا ويعيطولي «الفأر الأخير»، هكّا، ينطقوها بالفصحى، متاع تقوحيب يعني. بيناتنا، عجبتني الفازة. أما تلزّيت باش نبينلهم اللي أنا متكرّز منها. ماك تعرف، لازمنا شوية قحب وبرستيج متاع قطاطس. يعني يا سي الزبي، اللي قدامك عاش حياتو قطّوس، أما صغري الكل كان «صيرورة فأرنة». ولّيت تنجم تقول نسيّب في قحبي في البلاد بعد ما تعلّمت القحب متاع الفيران. كنت ندخل في الميزاب ونعرف كيفاش نهرب ونتملص، نحفر في حيوط المخازن متاع القمح والشعير والدرع اللي كانت مالية البلاد، ونحصّل عولتي متاع أشهر من غير ما نبات جيعان حتى ليلة. تي ربّك كنت نقسم مع بقية القطاطس ونرمي شوية للعصافير زادة، وحتى الكبش متاع الفانكو كنت نودّو بشوية شعير ودرع بعد ما تضعضع من ربطيّة مولاه وشعرة لا همل. تخيّل اللي حفرت ثنيّة مابين المطامر وما بين حيوط التعاضدية باش نسرق الحليب مالفايض متاع الفلاحة اللي كانوا يحطوه في جابية كبيرة من تالي؟ يعني تالمون الخير مبزّع، ما كنتش نكسّر راسي باش نلقى عولتي. وهات لزبّي قرعوط آخر على خاطر شيّحتلي ريقي بالحديث.
عندما عاد خمّوس من الدكان ومعه السجائر، كنت مسنوداً إلى الحائط وعيناي جاحظتان أمام القطّ الذي انهمك في التهام ما تبقّى من النقانق. عبثاً حاولتُ إقناع خمّوس بما جرى. سخر مني وتوجّس من الأمر. اعتقدَ أني أفرطتُ في الشرب وفقدتُ عقلي. أقسمَ ألّا يعود للشرب معي بسبب هذياني.
تملّكني خوفٌ من تبخّر السكرة. رجوت خمّوس أن يتصل بأحد الأصدقاء ليجلب لنا مزيداً من النبيذ، لكنّ الليل قد تأخر فعلا واستحال العثور على أحد الباعة متاحاً في ذلك الوقت. حتى سِكراتا أغلق هاتفه وترك مجيبه الصوتي على لسان دعاءٍ منتحب بصوت قبيح لأحد المشايخ. لعنت حظي وتجرعت ما تبقى من قنينة خمّوس علّني أسترجع شيئاً من تلك الثمالة السحرية.
❂
أرخى برڨو رأسه على حجرٍ قريب ولعق ساقه بجذل. بدا لي وكأنه خرج للتو من عالم «كنز الفقراء» في قصة غابريال دانينزيو، عندما دخل القطّ على زوجين فقيرين في كوخ متداعٍ بالكاد يحميهما من المطر الهاطل. لمحَ الزوجان عينا القط جنبَهما وكانتا تلمعان. ظنّا لوهلة أنهما جمرتا نار. أسلما لذلك من فرط البرد وناما بعد أن غمرهما شيء من الدفء الواهم. ضحك القط منهما وقال: «كنز الفقراء وهم».
ظل برڨو أبكمَ. عندما ذهب خمّوس إلى التبول خلف الجدار قبل مغادرتنا المكان، لمحته مرة أخيرة وهو يرمقني بنظرة شامتة. اقترب مني ولمعت عيناه وأطلق ما يشبه المواء المتكلم: «كنز السكارى وهم».
كاتب تونسي من قرية حزق. ناقد وباحث موسيقي، مهتم بالثقافة الشعبية والذاكرة الشفوية وتنظيم جلسات الخمر في قريته الأبدية. حاصل على منحة آفاق للكتابة الإبداعية والنقدية 2022 حول موضوع "ظاهرة الباندية في تونس من خلال أغاني السجون وقصص قاع المدينة". يفضّل الخمر على الحشيش، والبيرة على النبيذ. مناصر أبدي للدراجات الهوائية ومحترف نزالات شوارع إلى حدود سن السادسة.




