
هذه هي الحكاية الأصلية، أنشرها الآن كاملة كما أسرَّ لي بها الفنان النابغة حسين أبو النجا في جلسة سمَر في ڤيلته بالمنيل. ولقد حذفتها من حواري المنشور معه بالجريدة الرسمية (السنة 135 — العدد 47927) قبل وفاته بأسابيع معدودة، حفاظاً على خُصوصيته والملاحقة القضائية.
كنت شارد الذهن. أُطارد بعيني الفواصل الإسمنتية بين بلاطات السيراميك ناصعة البياض. أجسُّ أصابعي العشرَ بين لحظةٍ والثانية؛ أعُدُّها وأُطمئِن نفسي إلى وجودها.
منذ بدأت حالتها تسوء، اعتذرتُ إلى منتج الفيلم وفسخنا العقد بالتراضي وأعدتُ له العربون. هل يحسب أن الفيلم سينجح دوني؟ صِرت أمضي معظم الوقت أمام باب وحدة العناية المُركزة، أجلس عدة ساعات قبل موعد الزيارة، أفكر. أستنشق رائحة الكلور النفَّاذة وأستمع إلى أزيز لمبات النيون وعقلي يُصوِّر لي ما سيحدث.
حتمًا سأجهش بالبكاء مع كل كلمة تعزية سوف أتلقاها، وقد أكسِّر المستشفى فوق رأسهم حين يأتونني بالخبر الأكيد، أو ربما أتّهم الممرضين والأطباء في البرامج التلفزيونية بالتهاون في رعايتها، أو سأدبدب على الأرض كالعيال وأُفرِّج الناس عليَّ حتى يشاوروا ويقولوا: الراجل اللي ما بيستحيش من شيبته أهو! وبحذرٍ شديد سأمسح المخاط السائل مِن أنفي خلسةً عن أضواء الفلاش المُهينة ونحن ندفنها في القرافة. لن أتحمّل الأمر. رُكبتي المعيوبة بالماء ستخذلُني يومها، فيُسندني شاب ما بساعده المفتول دون أن أطلب منه ذلك. عيناه تلمعان ولونهما يذكرني بشبابي الذي ما زلت أتشبّث به بأظافري وأعضُّ عليه بأسناني. هل أنت ابني البكر أم أنك ابن أحد أقاربنا من البلد؟
وربما لن يحدث أي شيءٍ مِن ذلك. قد أستسلم أخيراً لحقيقة أني صِرتُ عجوزاً، ظهره مَحنيٌّ من الفاجعة وقلبه مغموم من وطأة الفراق. علاوة على ذلك، سأُذكِّر نفسي بأن دوري القادم والأخير — ذاك الذي لن أحتاج إلى المساومة على بطولته، ولن أتقاضى عليه مَليماً واحداً — قادمٌ لا مَحالة. غير أنَّ ذلك كله لم يحدث البتة.
رجعت ولداً صغيراً في شادِر العزاء، وكِدتُ أموت من الخجل؛ كأنهم قبضوا عليَّ وبفمي حلوى مسروقة من علبة الملبّس الخاصة بالضيوف. كنت مُرتبكاً، أشعر بأنها تراني رؤية العين، وستعنّفني على هذا المأتم الهزلي. كُنت مُحرجاً للغاية كوني ما زلت على قيد الحياة وهي لم تعد مُقيدة في دفاترها. الليدي أنيسة — التي منذ وِلادتها حتى آخر نفس لها، كانت تمدُّ رجليها أطول من لِحافها بشبرين — وحيدة في تُربتها، مَرميَّة بين الجثث، تحتفظ بسرها الأخير.
هذه قصة طلاقها من آل باتشينو.
❂
وعيت على الدنيا يتيماً مثل أبطال السيَّر والملاحِم ولست حقًا بيتيم. هجرنا أبي دون سابق إنذار، ولي من العمر ثلاثة أشهر أو أربعة، مع امرأة أوروبية شقراء. وأمي التي ربَّتني لم تكن أمي على الحقيقة، بل خالتي الصُغرى: أنيسة محمد داوود.
كنا وحدنا: أنا وهي، محشورين في غرفة بالسُّطوح. كل يوم نتناول طعام العشاء بعد منتصف الليل، ثم تتربَّع الليدي فوق السجادة الكليم على الأرض، فأضع رأسي على حِجرها. أُغمض عينيّ وأنا أستمع لحكاية الوِرث الذي تركته الممثلة الفُلانية بعد انتحارها أو حكاية الإسطبل الذي اشتراه فُلان المشخصاتي، ويدها تُمسِد شعري كأنها أمي. أبتسم وأنا أرى المشاهد مُصوَّرة أمامي فتنفتح عين خيالي ويرمح حصاني. أحلم بأن أكسب اللوتري فأشتري تلفزيوناً مُلوناً مثل الموجود في بيوت أصحابي وكرة مطاط نلعب بها في الدورة الرمضانية. أحلم بأن يصير عندنا أكل وحلوى كثيرة، آكلها حتى أعرف إحساس الشبع. أحلم أن أشتري سيارة الڤولكس ڤاجن الخنفساء التي أدور بها في منطقتنا وأقهر قلب سكّان المناطق المجاورة. أحلم بأن أتزوج مثلما يفعل الكبار في الأفلام، وعلى ضوء شمعةٍ واهن سأفعل تلك الأشياء التي لا اسم لها والتي يحترق بها صدري هياجاً. أحلامي بسيطة للغاية لكنها بعيدة المنال. العالم الذي يقهرني نهار كل يوم بسبب ظروفنا، لا يعلم أني ما زلت أختبئ في حِجر الليدي أنيسة كل ليلة وأحلم.
كُنت ولداً مُشاكساً أجري وراء المصائب. جربت كل شيء يخطُر على البال: قدَّمت نشرة الإذاعة المدرسية ولعبت الكُرة الشراب. مثلت في مسرحية أهل الكهف لتوفيق الحكيم ورقصت التويست مع بنات مدرسة الليسيه الهاربات من سائق السيارة الخصوصي. غنّيت طقطوقة سيد مكاوي الفاحِشة وناديت بالأذان. سهدت عيني من الأرق والحب، وتبادلت مع أصحابي روايات الجيب.
جري وضرب وضحك. حياة كاملة مرَّت هكذا.
أظن أن اللقب المُلفق جاء من خيالات الأفلام القديمة ومجلات الإذاعة والتلفزيون، أو من الجرائد الصفراء التي تنشر فضائح نجوم السيما، والتي داومَت الليدي على قراءتها.
أتخيلها الآن في كامل زينتها وأنا في سن العشرين: بالفستان الكاشف عن نحرها والقفازات الساتان تغطي ساعِديها، والمبسم في ثغرها يحمل السيجارة الواسْب ذات الدخان الكثيف، وبيدها الثانية تضبط مَيلان باروكتها، قبل أن تفتح لها مدام عزت باب صالون شقتها الذي تجتمع فيه نساء بناية سيدي بشر للثرثرة ولعب الورق.
أتعرف؟ حين لجأت الليدي لصبغ شعرها، كانت تُجبرني في كل لقاء صحافي على التأكيد عليهم أنها أختي الكُبرى، الآنسة الفاتنة، وذاك عُكازها بمقبضه العاجي، وأن ضروسها محشوة بالذهب وغير ناقصة. والحق أنهم كانوا يشاركونني تلك اللعبة، إرضاءً لي أو حِفاظاً على آداب اللباقة والتهذيب، فيصبحون مُمثلين مساعدين بعمل فني ارتجالي. فعجينة العالم لم تكن كرويَّة ولم تكن على شكل بيضة، بل هي مسرحية هائلة تُدوِّخ الرأس، والليدي أنيسة هي البطلة التي لها الكلمة الافتتاحية ومونولوج الختام، إلا أنها كانت محبوبة للغاية بسبب سذاجتها. لا شك عندي في ذلك، وجوابات المعجبين وطالبي الود كانت تصلها بانتظام.
حكت لي يوماً وهي تُحكِم ربط المدوَّرة البيضاء على رأسها، أن أمي ماتت مقهورة من الغيظ بسبب خيانة أبي في عِز شبابها، وأن هذا مصير كل ولية تأمَن على نفسِها مع رجل باستثناء مدام عزت بالطبع. فقد صارت أختاً عزيزة على قلبها رغم الزائدة الجلدية المُتدلية من بين فخذيها. ثم طرقعت الليدي باطن كفيها، ببعضهما، ورفعتهما عالياً وشرَعت في البكاء:
– إلهي لا تُوَّفِقه في عيشته واعقد له لسانه واقطم وسطه، الغدَّار ابن الغدَّار.
❂
في وسعي الآن وضع ذلك كله في إطاره المناسب بعد موتها: الحفلات التي تجنبت حضورها معي بمجرد أن صِرتُ فناناً مشهوراً بحجة التعب من سهرها مع صاحباتها، وتماديها المتزايد في القصص والحكايات بمرور السنين كأنها زارت عجائب الدنيا وطافت البحار السبعة وهي لم تخطُ بقدمها خارج سيدي بشر. لم أُعِر لذلك اهتمامي وقتها، فقد كنت فناناً جديداً على الساحة، وسيم الخِلقة، عظيم الموهبة. وإلى يومنا هذا ما زلتُ كذلك، ألا توافقني الرأي؟ فلا تخلو جريدة محترمة من تصريحات النقاد بأني — في رأيهم — أفضل مُمثلي جيلي، وهم في ذلك مُحقّون. كنت ذائع الشهرة، والمُعجبات يسلمن عليَّ وعيونهن مُحدَّقة بزُرقة عيني فيُغشى عليهن، بعدها يطلبن توقيعي ورقم هاتفي وريق فمي.
أنا في عالمي، أسافر وأقابل المخرجين والمنتجين، فيعرضون عليَّ أدواراً درامية تُعبّر عن احتقان المزاج العام للشباب بعد نكسة 67 والكذبة الكُبرى وقتها. وفي عالم آخر، عاشت أعظم مُمثلة لم تظهر على شاشاتنا الفضية، تلعب دور مَحطّ عين آل باتشينو وسبب تأوهاته الليلية. الليدي التي استمر هو في مُلاحقتها بجواباته طوال تلك السنين حتى رضيت بالزواج منه سِّراً، شفقةً عليه وخوفًا من انتقام أخيها المتزمت الغيور. تقصدني أنا، أو ربما تكون هذه قصة فيلم شاهدَته دون عِلمي؟
أظنها كانت مرعوبة من الرجوع إلى سنين الفقر والمهانة التي عاشتها وأنا رضيع، وتتحاشى مجرد التلميح إليها، ففضَّلت أن تظل هائِمة في أحلام يقظتها. أذكر أني في مراهقتي صرخت فيها بأني أريد الخروج مِن هذه المنطقة التي يتغامز فيها الناس علينا، والتخلّص من مُضايقاتهم، فألقت في وجهي الشبشب الزنوبة الذي كانت تلبسه وقالت:
– لن تخرج من هنا…
وأشارت لنافوخها:
– طالما لم تخرج من هنا.
وكانت في ذلك مُحقة. فأنا لا أذكر أني عرفت لها خوفاً أكبر من العودة إلى بناية سيدي بشر المُتهالكة، ورائحة الجاز والطين وقِلة البخت وأوجاع المعدة الفارغة، والرجوع إلى عملها في مسح السلالم والمراحيض وتنفيض السجاجيد عند الجيران حتى تدفع إيجار غرفة السطوح المتواضعة. وفي أول الليل تخرج باحثة عن بواقي الطعام في أكوام الزبالة بعيداً عن الأعين، وسرعان ما ترجع ملء يديها من اللحوم والأجبان والفاكهة النظيفة التي اشتراها لها أحد الرجال الكريمين، فتطعمني بيدها وتُمسِد شعري، ورأسي مُستند إلى فخذها.
أسألها:
– ما تلك الرائِحة؟
فتقرصني من خدي، وتقوم هي على الفور للاغتسال.
بعدها بسنين عديدة، بعد أن تزوجتُ وطلقتُ للمرَّة الثانية أو الثالثة، خرجنا لنتناول الطعام. مرَّت أمامنا امرأة ذات قوام جذَّاب تلبس البنطلون الجينز، بالكاد منعت نفسي من ملاحقتها، فسألتُ الليدي مُداعباً:
– لمَ لا تفعلين مثلها يا خالتي، فتصطادين عريساً ذا شأن وسُلطة؟
ودون أن ترفع عينها عن الفنجان، قالت:
– هذا الموضة لا تليق بواحدة مُحترمة في مقامي.
وأردفت بأنه زيٌّ يخصُّ النساء المُنفلِتات اللاتي يُعجبن إبليس الذي جئت أنا من صُلبه. تقصد أبي. وأخرجت من حقيبة يدها كتاباً عنوانه مُبتذل، مثل الكتب المعروضة بمبلغ زهيد عند بائعي الجرائد. وبدأت تقرأ لي عن فنان كبير تزوج تِسع مرَّات ليُسدد ديونه من لعب القِمار.
يُحتمل أن يكون هوسها بكل ما له علاقة بنجوم الفن، هو ما جعلها تزرع الفكرة في رأسي وأنا في سِن المراهقة الخَطِر. فبعدما أصبحت الليدي تعمل كل ليلة بانتظام عند مدام عزت في البناية، تحسّنت ظروفنا. كانت تأخذني في عطلة آخر الأسبوع إلى صالة عرض، نُشاهد فيلماً في وسط البلد ونشتري كوزَي ذرة. أنا وحدي أُتابع الظاهرين على الشاشة وأُركِّز على تمثيلهم، أما هي فكانت مَغرومة بإخباري بصِلات القرابة والنَسب والزيجات السرية بينهم.
كنتُ سارحاً وأمامي كتاب مَدرسي مفتوح، أقرأ فيه كالحِمار، حين قالت:
– ثمة شيء في طريقة جلوسك…
كان ظهري مُعتدلاً بسبب ضربهم لنا في المدرسة بالخيزرانة إذا جلسنا مُتقوسين، وصدغي مُسنَدٌ إلى كف يدي، أنتظر إتمامها جُملتَها. انفرجت شفتاها الورديتان، وقرصَت خدي مُداعبة قبل خروجها من غرفة السطوح.
– أظنك ستصير مُمثلاً مَعقولاً.
❂
لحقتُ أحد أساتذتي من المنتجين الكبار — ولا داعي لذكر اسمه هنا — وهو مُمسكٌ بزجاجته الخاصة، يتجرع منها ويصب لمجاوريه. أتعرف؟ جاؤوا يوم العزاء بمُقرئٍ شاب ناشز الصوت، يلبس العمامة والقفطان، ولا يحفظ غير آيات الوعيد وعذاب الآخرة. يجلس أمامه زملائي الممثلون — الذين اختلط عليهم الأمر وارتدوا البذلات السموكينج وفساتين السواريه اللامعة — بغير إنصات. يومها فكرت في رد فِعل الليدي إن شاهدت القرود الذين تسلقوا سور الڤيلا الحديدي من أجل تصوير الحاضرين، والصحافيين اللحوحين الذين حشروا ميكروفوناتهم في حناجر الناس. قلت لنفسي: ربما هذا بالضبط ما كانت الليدي أنيسة تُريده. مِيتة ظريفة تكتب عنها الصُّحف والمجلات، ويمضغها الناس في سهراتهم ويهضمونها مع وجبة العشاء.
بعد أسبوع من الجنازة، وفي قعر الدولاب الخاص بالملابس الشتوية، وجد ابني البكر علبة مجوهرات مُخبأة. أخرجنا منها خاتمَي ألماسٍ لا أذكر أني اشتريتهما وساعة فضية بالغة الرقة موصولة بثلاث حبات لؤلؤ، وقلادة من الذهب بفص زِركون. وأخرج مِن تحت هذه الأشياء دستة جوابات وأوراق، أعطانيها بغير اهتمام، واستمر في تفتيشه.
جلستُ على سرير الليدي ومددت يدي بعيداً عن عدسات النظارة، وشرعت أقرأ بتأنٍّ وأنا لست أبكي.
كانت الرسائل بخط اليد نفسه، ولها الرائحة الحلوة المُسكَّرة نفسُها. رسائل مكتوبة بلغة عربية ملحونة، كلكنة الخواجات المكسرة في الأفلام العربية، أو بالأصح لكنة الممثلين العرب المُفتعلة حين يلعبون دور الأجانب. في تلك الجوابات كان آل باتشينو يُطري على جمال الليدي وحُسنها، ويخبرها بخجلٍ أنه ينام مُمسكاً بصورتها فوق قلبه، يحلم بها في منزله ويشُدُّها إلى حضنه، لكنها تتمنع عليه وتصُدُّه حِفاظاً على سُمعتها، فيتأكد من أخلاقها الحميدة وتربيتها السليمة على عكس حبيباته السابقات. وفي جوابات أخرى، يُخبرها بحلم حياته الذي يُصلي من أجله ليل نهار ليسوع المسيح: أن توافق فقط على الزواج مِنه، ويُقفَل عليهما بابٌ واحدٌ، فيشرب من ماء نيلها بالحلال، وتُنجب له دستة من البنين والبنات، ويعيشون في تبات ونبات. ثم في جواب آخر يحكي لها عن دروس العربية التي صار مُداوما عليها، وأنه سيترك الكاثوليكية وحياة المافيا في إيطاليا من أجل خاطِرها. ثم يلعن أخاها الغيور الذي لن يسمح لها بالزواج من جِنتلمان مثله، فيعرض عليها آل باتشينو خطفه في شِوال بطاطس وإجباره على الموافقة.
سأل ابني:
– ماذا أفعل بهذا؟
فينقطع شريط المشهد الذي كنت أحاول تخيُّله: نجلس مُجتمعين على سُفرة العشاء والشُوَّك والملاعق تقعقع في الأطباق، فأميل على آل باتشينو، وأقول له ناولني طبق التورتيليني يا زوج خالتي.
رجعت إلى أرض الواقع.
كان ابني يحمل في يده مِعطف الڤيزون. اشتريته لها من ثلاثين سنة؟ لا، أربعين. أقوم فأنهشه من فوق ذراعه، وأشُم رائحة عِطرها وعرقها في الفرو الثقيل. كان معطفًا باهظ الثمن، تمتزج به درجات لا نهائية من اللون العسلي والرملي، يتخطى طوله الرُّكبة وله كُمّان واسعان، بإمكانك حبس قطة في أحشائه المخملية. فتشت الجيب الخارجي فوجدت ورقة مُوَّقعة باسم السفير الإيطالي، تُفيد بطلاقها من آل باتشينو سنة 99 ميلادية. أبتسم وأُدخل يديَّ في ذراعَي المعطف، وأتكور على نفسي كأنها رجعت لتحضنني. أنا لا أبكي، فمن أين هذا الدمع الذي يسيل؟
كنتُ أحسب أن عِزَّة نفسها ستجعلها عصيَّةً على الموت.
خرج صوت ابني مُتحشرجاً من بعيد قائلاً:
– مَن سيرثُ هذه الڤيلا؟
❂
قُدنا إلى بناية سيدي بشر المُتهالكة بعدها بيوم. فتحت لنا مدام عزت، فسلمتُ عليها وأخبرتها:
– وحشتني القعدة معاكِ يا سِت الكُل، فقُلت أكبس عليكِ وأعزم نفسي على الغداء.
رحَّبت بنا الست ضاحكة، ومدَّت لابني يدها ليُقبلها، فنكزتُه في ضلوعه أن يفعل مِثلي. والله استقبلتنا أحسن استقبال، على قدر استطاعتها. كان صدى الصوت في الشقة يُسمع بوضوح لقلة العفش، والمطبخ لا تفوح منه رائحة قرع ولا خبيزة.
تكلمنا كثيراً عن الجيران الذين باعوا شققهم والذين جاءتهم قرعة الهجرة والذين ماتوا وحيدين بين هذه الجدران الضيقة التي تكتمُ النَفَس. يوم رأيتها في شادر العزاء وسلمتُ عليها بنفسي رغم انشغالي، وجدتها ضئيلة للغاية بعكس ما عهدتها. شكرتها على قدومها رغم السفر، وقُلت لنفسي وقتها: هذه واحدة تُذكرني بأيام الزمن الجميل، ووجه من أوجه الزكاة والصَدَقَة. كانت خالتي تعمل عندها البارحة لتوفر مصاريفي، واليوم هي أفقر من أفقر الشحاذين، يا لطيف.
لم ألحظ حاجبَي ابني المعقوفَين من أول وصولنا، إلا بعد أن طلبنا الطعام من محل كفتة قريب وأكلنا، ثم شربنا الشاي بالقرنفل. كان مُشمئزاً من مدام عزت ومِن طريقتها في الكلام. في وسعك القول إنه توقف لحقيقة الزمان الذي مرَّ على هذه السِت وداس عليها بقدمه، وإنَّ الذي حكيته له ونحن في السيارة، عن أيام هندمتها السابقة ووضعها الاجتماعي في المنطقة، وَلَّى وانتهى. ما أقصده أنها لم تكن تضع أيّة مساحيق تجميل على وجهها، وكان شعر رأسها الطويل يكشِفُ عن صلعة لامعة لا تُخطئها العين… والصراحة أنها لم تكن حليقة الذقن.
اختليت بها في البلكونة، أشعلت لها سيجارتها وجلسنا ندخّن ونسترجع الأيام. ودون أن أنتبه، أخبرتها في وسط حديثنا حكاية الجوابات الغرامية وورقة الطلاق التي وجدتها، فقالت إنها لا تعرف شيئًا عن الموضوع. لكنها أضافت أن لها معارف وأحباباً في كل مكان، والليدي لو طلبت منها لبن العصفور ما كانت لتتأخر، لكن الذاكرة بعافية ولا تستطيع الجزم.
مِلتُ نحوها أُشعل لها سيجارة أخرى، فباغتتني بسؤالها:
– وأبوك لمَ لم يحضُر العزاء؟
جفلت. كنت أحسب الحسابات في رأسي وابني الجالس في الصالون يعبث بهاتفه، غيرَ مُنصتٍ. قالت المدام:
– يتركُكَ لحمةً حمراء مع عيلة صغيرة كل هذه السنين ولا يقوم حتى بأداء الواجب. أما ابن قحبة بصحيح!
أمرت ابني أن ينزل بسرعة ليشتري ما نملأ به الثلاجة قبل أن نسافر راجعين، ويتأخر بنا الوقت، فشكرتني مدام عزت. كانت تُلاعب القرط الذهبي في أذنها وعينها مكسورة أمامي. عادت من غرفتها، فوجدتها تحمل صورة فوتوغرافية مُلتقطة لأبي مع امرأة أوروبية كفلقة القمر. أصابعه تشبكُ يد المرأة فوق صدره، والابتسامة مرسومة على وجهه من هنا لهنا. كان شعرها الأشقر يطير مع الهواء واللمعة في عينها تنضح عليَّ بالأسئلة.
أهذهِ أمي؟
قالت مدام عزت إنه سافر ووقع في حُب هذه المرأة من أجل الحصول على جواز السفر، وإنها ولدت طِفلاً ابن زنا والعياذ بالله. وحين عرفت الست الخواجاية تلك أن لأبي زوجة أخرى في بلده، طردته من بيتها وتركته على الحَديدة، فخطف هو فلذة كبده ورجع به خائب الرجاء.
قُلت للمدام كَفى.
أطرقت برأسي بعيداً، محروقَ الدم. فقالت بضحكة ذات مغزى:
– قِصة ولا قصص الأفلام، ادعُ معي ربنا ألَّا أقع بلساني أمام المحروس ابنك، هه؟
ضُرب جرس الباب، فأشارت المدام لابني ناحية المطبخ واستفردت به… قُلت لنفسي إني لست حمل الفضيحة وليس أمامي أي حل آخر.
ناديتها فجاءت. عرضتُ عليها الڤيلا ثمناً لنسيانها، فرفضَت رفضاً قاطعاً وهي تحدق بخبث في حُمرة وجهي، وقالت: لا يصح. فأخبرتها أني سأجعل لها مَصروفًا شهريًا إذاً. قالت:
– ربنا لا يُحوِّجَك لأحد يا حبيبي. شرطي الوحيد فقط ألَّا تقلّلَ زياراتك لي مع ابنك وأحفادك، لا تنسني.
أتعرف؟ لو كنت مكان مدام عزت لكنت اخترت كلماتي بحرصٍ أكثر ولما تركت الفرصة تُفلت مني مثلها، خاصة أنها كانت مقطوعة النسب ولا يزورها أحد. على العموم، الله يرحمها ويسامحها على ما فعلته في نفسها. هذه كانت آخر مرَّة أذهب فيها مع ابني.
في تلك الزيارة المشؤومة، ذكرتني مدام عزت بما حدث وقت سفري إلى ألمانيا وضربت على كفي ضاحكة. قالت إن الليدي أطلقت زغرودة مُدويَّة في شارعنا وداهمت النساء الساكنات في البناية بقبلاتها الرشاشة، وإصبعها يشير إلى الخبر المنشور بالبنط العريض. في الأسفل صورة جمعتني بآل باتشينو، بطل فيلم «العراب»، ونحن نتصافح. لقد كان أحد أعضاء لجنة التحكيم على حظي. وأكَّد الخبر أن الممثل العالمي أشاد بأدائي التمثيلي قبل تسليمي جائزة مهرجان برلين السينمائي. وللعلم فقد حُزت عليها مرَّة ثانية.
وقتها سألت الليدي أنيسة صاحباتها باستغراب:
– أليس هذا ابن رجُل المافيا الطلياني؟
❂
عُمري ما تخيلت أن الوقت الذي ضيعته أمام المرآة أُقلد فيه أصحابي سيرجع عليَّ بأي عائد، حتى جاءتني فرصة تمثيل دور ثانوي في فيلم يصورونه قريباً مني على الكورنيش. كنت ألعب كرة القدم أحسن مِن علي أبو جريشة رأس الحربة، لذا قالوا لي إن جسمي النحيف مُلائم للعب دور ابن الطبقة الكادحة في الفيلم. أجري حول الاستوديو وألعب تمرين الضغط ونطُّ الحبل قبل التصوير، وأقف في زاوية معينة أمام عدسة الكاميرا حتى تلتقط لمعان صدري العاري. وفي ذروة الفيلم، يُثبت ذاك الفتى الأشقر المُكافح حبه لابنة الرجل الإقطاعي، وينقذها من الموت المُحقَّق. ساعتها يرضى عنه الأب المتسلط وتتغيَّر نظرته في الحياة، فيتوقف عن حُكمه على جيل الشباب بالرعونة ويبارك زواج الاثنين في قصره الفخم.
وهكذا بدأت أشق طريقي في العالم.
عُرف اسمي بعد عِدة أعمال، وقمت ببطولة أول فيلم لي مع الأستاذ الكبير يوسف شاهين، وأفلامه التي لا يفهمها أحد كانت تُشارك بانتظام في المهرجانات السينمائية. يوم وقَّعت العقد معه، تحايلت على مشاعره بطريقتي الخاصة كي أستلم الأجر كاملًا قبل تصوير أي كادر، وقد كان ثلاثمائة وخمسين جنيهاً.
رجعت يومها لسيدي بشر وناولت الليدي أنيسة النقود. قبَّلتُ يدها وجبينها، وأعلنتُ أنْ لا حاجة تُجبرها الآن على إهانة نفسها عند الناس وخِدمتهم. جلستُ جوارها، وقلت لها أن تطلب مني كل ما ينقصها، وأن تخبرني بحلمها الحقيقي.
كُنت قد اتفقت أيضًا على بطولة ثلاثة أفلام أخرى بأجر مُضاعف، مُقابل حضوري حفلات المنتجين الخاصة مِن وراء الأستاذ يوسف. أخذتني الليدي في حُضنها وبكت كأنها لم تبكِ مِن قبل، ثم قالت:
– لا تنقصني حاجة في وجودك يا ضيَّ عيني.
ولولا أني أعرف الليدي تمام المعرفة وأقرأ ما يدور في رأسها حتى قبل أن تتلفظ به، لصدَّقت كلامها ورضيتُ بالإجابة. بعدها بساعة كامِلة من المُجاملات والتلميحات والدوائر التي دُرنا حولها، طلبت الليدي أنيسة ما كانت تُريده حقاً: بالطو فيزون، مِثل الذي كانت ترتديه مُمثلات أفلام الأبيض والأسود اللاتي عفا عليهن الزمن!
استفسرتُ عن السبب، خاصة أنّ حرارة الجو في البلد لن تسمح بذلك، وقد تغرق فيه من العرق، فقالت وهي تقرصني من خدي مثلما تعوَّدتُ:
– سأحتاج إلى جرجرته بيدي وأنا نازلة على درجات سُلم الڤيلا التي ستشتريها لي، عندما تتملكني الكآبة.
كاتب وشاعر من مواليد 1995 ويعمل بالقطاع الصحي في مصر. يهوى الكذب ونظريات المؤامرة وتبادل الحكايات في السر. له ترجمات ومقالات في مجلة «رمان الثقافية» وموقعي «منشور» و«إضاءات». ولدينا شكوك في أن إحدى المعلومات السابقة غير صحيحة بالمرَّة.

