
1- في انتظار مدينة تقاعدت عن الانتظار
لم تكن الرياح التي تعبرُ العظم هي نفسها التي تهزّ البرتقال. كانت ريحًا تتلوّن بالعتمة. وكانت الشوارع، في نومها الطويل، تتنفسُ بجفونٍ مثقلةٍ بالمدن الغارقة في رغبة الانطفاء. كان كل جثمان يهمس باسمه قبل أن تبتلعهُ شهوة التراب. كانت الأبواب المتكئة على أكتاف البيوت ترتجفُ كلما حكّت الريح ظهورها. تعرف أن ظهر المدينة ليس إلا قوسًا هشًّا مشدودًا فوق نفقٍ من نسيان، وأن كل طرقاتها ليست سوى تجاويف نُحتت ليتعثّر فيها الذين يمشون بأحلامٍ ثقيلة. الأجساد التي تُقيم فوق الأرصفة لا تزرع خطاها، بل تبذر أنفاسها في التربة الخائفة، تعبرُ الطرقات كما تعبرُ الطيور الغريبة زُرقة البحر دون أن تحطّ، تجرّ وراءها سلاسل من خُطى لم تكتمل وتتركُ أثرها فوق الإسفلت مثل وشمٍ ينكرُ جلده. لم تكن المدينة، إذ تلتفّ على خاصرتها، تهرب من الخسارة، بل كانت تصوغها من جديد: تعجنُ الطين بالماء المقطّر من تأفف سكّانها وتكتب على الجدران وجوهًا أكلتها الذاكرة قبل أن تجفّ. كانت تلبسُ قميصها الممزّق بالمقلوب، تضحك داخل ثوبها كمن سمع نبوءة الهزيمة.
طرابلس لا تنتظر أحدًا، لأنّ الزمن فيها يدور حول نفسه كعربةٍ خشبيّة بلا سائق، تدورُ منذ مئة عام على الطريق نفسها التي مسحت معالمها أقدامُ الهاربين، ولا أحدَ توقّف ليسأل: لماذا التكرار هذا يعلو على كل شيء، حتى على الرصاص حين يطنّ على معدن الليل الصدئ. لأن المدينة لا تؤمن بالبدايات ولا بالنهايات بل بما بينهما من حبالٍ مرتخية يتدلّى منها ناسها كثمارٍ لم تنضج، فلا هي تسقط ولا تُقطف، لأنّ المدينة ليست إلّا جيبًا في معطف الأمكنة، نُسيت فيه مفاتيح لا تفتح.
المدينةُ التي إذا ناديتَها لا تلتفت، ليس لأنّها تتجاهلك بل لأنّها لا تعرف اسمها بعد. لا يذهب أهلها إلى العمل، بل يمضون إلى الهشاشة كأنها وظيفة. ينهضون من نومهم ليضعوا على رؤوسهم ثقل الدُّنيا ويمشون، ينتظرون أن تفهم المدينة ما فعلته، أن تعتذر عن عماراتها التي لا تُسكن، وعن شوارعها التي لا تُقطع، وعن الأرصفة التي تنبذ العابرين. وطرابلس ليست مدينةً، بل ذاكرةٌ تعبت من التذكّر، لتترك النسيان ينبتُ في الزوايا دون أن تقتلع منه شيئًا. أهلها لا يقولون إنهم ينتظرون، فقط ينظرون في الفراغ كما لو كان حوارًا عائليًا قديمًا لم يُطوَ.
ننتظر المدينة، رغم أنها لا تنتظرنا.، نضعُ أفئدتنا أمام أبوابها كما تضع الحيواناتُ أجسادها في العراء ترقّبًا لمطرٍ لا يُعرف إن كان سينزل.، ونفترض أن في الطرُق علامات على قبولٍ مؤجَّل، والمدن التي انغلقت على نفسها في دورة التكرار لم تعد تُنتج المفاجأة. فالمدن حين لا تنتظر تصبح جسدًا بلا أعضاء، لا يتحرّك، لا يحسّ، موجودٌ فقط ليُثقل، فقط ليُربك. جسدُها لا يكتب نفسه، بل يُكتب عليه بالحفر والبصق وشتائم الآخرين. كل شارعٍ ندبةٌ قديمة لم تلتئم والناس يسيرون كمن يمشي على جسد لا يريد أن يوقظه، كلّ حيّ فيها هو عضو يشتغل وظيفة أخرى. الميناء قلبٌ لا يضخّ، السوق معدةٌ لا تهضم، المقابر عينان لا تغمضان والمقاهي كليتان من القلق والأحلام المجهضة.
المدينة تُنتج نفسها بتكرارٍ لا نهاية له، لا من خلال ما تستحدثه، بل من خلال ما تعجز عن مغادرته، ونحن ننتظر أن تفتح المدينة بابها، أن تقول لنا شيئًا، أي شيء. لكن المدينة لا تُخاطب أحدًا، لأن لغتها توقّفت عن التمدد، توقّفت حيث وقف المدى، لأن المدينة ليست المكان بل مداه. طرابلس لا ترفضنا، لكنها لا تعرف ماذا نفعل فيها. تبقى المدينة في مكانها، ونحن نحوم. نحفرُ الطرق فوق الطرق، ونضع أبوابًا في الجدران التي لا تقود إلى شيء، ننتظرها لا لأنها مدينة، بل لأنها آخر ما تبقّى من فكرتها، من حلم أن هناك مكانًا يمكنُ أن يحتوينا دون أن يسألنا من نحن، لكن المدينة لا تفهمُ السؤال، لأن المدن كائنات زمنيّة تتنفّسُ بما يُنسى، لا بما يُقال. ولأن الانتظار فعلٌ مشروط باعتراف الطرفين، فإن انتظارنا لها يتحوّل إلى طقس داخلي، إلى حوار مع غائب لا يعرف أنه غائب، وهي تنفي سكّانها إلى حوافها وإلى أسطحها، إلى ما وراء السكك المعطلة وتحت الجسور، تبقيهم فيها دون اعتراف أو قبول.
طرابلس فمٌ فُتحَ على قيءٍ قديم ولم يُغلق. أبوابُها مائلةٌ كجفونِ امرأةٍ ترفضُ النوم لأنَّ الحلمَ يُشبهها أكثر ممّا يجب. اللافتات القديمة تُتركُ في مكانها لا لحاجة بل لأن إزالتها تشبه نزع قشرة عن جلدٍ لم يلتئم بعد. في طرابلس، لا شيء يكتمل ولا شيء يُترك ناقصًا عن قصد. ليس في الجدران ميلٌ للانهيار، بل عادةُ التأرجح بين زمنين: زمنٌ انتهى قبل أن يبدأ، وزمنٌ يُعاد دون رغبة في التكرار.
الانتظارُ هنا مناخٌ يتحرّكُ مع الملوحةِ إلى الشفة. طرابلسُ نَسيتْ ما تنتظره، هذا اذا انتظرت. لكنّها تُبقي مكانهُ فارغًا في الغيمِ وتُرتّبُ الشارعَ كما يُرتَّبُ السريرُ بعد الفقد، لا ليستعمله أحد بل كي يبقى مكانُ الغياب نقيًّا.
وتتقن كيف تضع ظلّها في جيب المسافة لتبدو كاملةً حين تُفتّش. مدينة تُجيد الوقوفَ كجثةٍ محنطة ومثبتة على القلعة. تفتحُ عينيها في الصورِ التذكاريّةِ فقط ولا تبتسمُ إلّا في الصوّر المأخوذة من الأعلى. ولأن الكلام نائم في بطن المسجد ولأن السكوت معلّق كقميص رجل بلا عمل.
نغفو على صوت المؤذن الذي يخطئ نداءه أحياناً فتصحو المدينة على صلاةٍ ليست لها.
لا أحد في طرابلس يُنادي أحداً، بل يُلقى الاسم في الهواء، فإن عاد عرف أن المنادى ما زال يُرفّ له جفن.
والمدينة تسير إلى الأمام كما يسير اسمٌ في فمٍ متلعثم: دون يقين ودون لحنٍ واضح. الحبّ لا يُقال هنا، بل يُلَفّ مع الخبز، يُخفى في طيّة قميص، يُلمح في نظرةٍ عابرة عند زاوية فرنٍ لا يفتح يوم الإثنين. لا أحد يتحدّث عن الفقد، لكن الأسماء تُردَّد في دعوات لم تُكتب على ورق ولم تخرج من شفةٍ إلّا وكان يثقلها القهر.
المدينة تمشي على ساقين من الغبار، تمرّ كما يعبر الحجر المرآة، كأنها صارت أخيرًا: مدينة تمشي على جنازتها دون أن تسمح لأحد أن يضع الوردة الأخيرة. وطرابلس لا تموت، بل تُمسرح موتها. تمثّل على نفسها دور المدينة الذاهبة نحو الغياب كي تبقى في الخفاء تعيد صياغة الغياب في شكلٍ آخر، أكثر قدرةً على خذلان من ينتظرها، تعرف أن الفقد لا يتحقّق دفعة واحدة، بل يتقطّر على حواف القلب. ننتظر منها وهجًا خفيفًا يبلّل هذا الحطب اليابس داخل صدورنا، لكنها تواصل انكفاءها، لأن من ينتظر مدينةً، ينتظر جسدًا لا يعرف أين تنتهي أطرافه. من يبقى في طرابلس لا يتعلق بها، لكنه يتعلّم أن يعيش كما يعيش الماء بين الحجارة، بلا اتجاه. والذين يرحلون عنها، يحملونها كما يحمل المرء عجزه: لا يشتكيه ولا يعالجه، لكن لا يتركه.
لا تأتي طرابلس لأنها تعرف، كما تعرف المدن الجريحة في صميمها، أن الذين يريدونك جسرًا للعبور لا يريدون أن يعبروا بك، بل أن يتجاوزوا خيبتهم بك. ولهذا تنسحب كلما اقتربنا، إلى شقوقها، إلى أسمالها، إلى نشيدها المتقطّع في الفجر، تتركنا نحن- من ننتظر- معلَّقين بين اسمين، بين جسدين، بين مكانين، لا نملك شيئًا سوى خوفنا منها ورغبتنا بها، وغُربتنا في الطريق الذي لا يؤدّي إلا إلى نفس النقطة التي غادرناها. تُدرك أن المرايا تُكملنا لكي تفضحنا، أن كل صورةٍ خيانةٌ باردة للتمزّق الحقيقي الذي نصير فيه، ولهذا، حين ندورُ في أزقتها بحثًا عن صورةٍ تعيدنا إلى أنفسنا، تسحب المدينة ظلالها، تهرُب إلى زوايا أكثر عتمة، تضع الحلم حيث لا تصله أيدينا، لا تردّ الرغبة برغبة، بل بيأسٍ يمتصّ حنيننا.
2- المعرض
أشخصنها
لأحبها،
أشيّئها
لأهجرها،
يغيظها الحزام المشدود
على خصرها،
على جلدها،
ويغيظني.
لكنه يترك علامته عليها
وعلى أذهان العابرين.
كأن لا سماء الا فوقها
في مدينة من الأسلاك.
رئة منزوعة عن جسدها
لا هو يتنفس دونها
ولا هي تفعل فعلها.
قرأت صديقتي
تشبيهاتي المُسقَطة
وسألتني
«ماذا تفعل برئة محنّطة
مدينةٌ مسلوبة الأنفاس؟»
هي يافطة بحبرٍ خفي
لكن يظلّ وجودها
احتجاجًا
ويظلّ سهولة تخطيها
قلَقًا يلاحق الحبر.
قبل أن تُهمل اليافطة
كتبت أجهزة القمع مجازرها.
لكننا ما زلنا نؤمن بك أيها الحبرُ الخفي.
كأن بوابة هذه البهجة
ستظل مقفلة،
أسندُ عليها أملًا هشًّا
أرضي انكساره وأستجديه
متى فُتح الباب.
لكن
فليُفتَح
لا تُدخلن إلا تسلّلًا ومجازفة،
لنقطف عناقيد من اسمنت.
لا تُدخل إلا إذا اغتربْتَ عنها،
مقفلةٌ بأكثر من تعاميم
لو كانت باطونًا لتفتّت.
مقفلةٌ بأكثر من نواطير
لو كانوا باطونًا
لحَنّوا إلى الناس.
جفَّ ماؤها ليجفّ روادها
جفّت من الكتب، من قصص الرعب،
من قصص الحب،
مما لا نعرِفُهُ
لأننا لم نجرّبها فيه.
جفّت ممّا تخفيه
الاحتمالات.
إذًا، فلندخلها لنُدْخِلها في التجربة
خناجر خَرَساناتها جعلَت من أصواتنا
نزفًا بطيئًا صارخًا.
فهِمتُ فقلتُ،
لو كان المكان يعجّ بالناس
لما سمعتم صدى صراخي.
حجارتها
لا ندرك مقصدها، كأنها لا تعي ما تقول
وتقول ما لا تعنيه.
قرأتُها من اليمين إلى الشمال
فلَم أفهَم،
علّقت صديقتي
«مغفَّل
نصف هذا المكان يُقرأ بالبرتغالية
والنصف الآخر لم يُكتب بعد»
Hadi Majdalani is a writer whose published work includes his novel A Departing Man in Search of His Shadow (2018). He also co-edited the collection This Is Not a Summer Resort in Hollywood (2023). He studied social sciences and political science, and is currently pursuing a master’s degree in critical security studies.
هادي مجدلاني كاتب صدر له «راحل يبحث عن ظله» (٢٠١٨)، وشارك في تحرير مجموعة «هذا ليس مصيفاً في هوليوود» (٢٠٢٣). درس العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية، وهو حالياً بصدد متابعة دراسة الماجستير في دراسات الأمن النقدية.

