
Nourhan Maalouf, Don’t don’t don’t you forget about me. Digital photography (2023)
Nourhan Maalouf, Don’t don’t don’t you forget about me. Digital photography (2023)
ذقنكِ على القاعدة البلاستيكية كما طلب منك طبيب العيادة. تنظرين بتركيز، داخل هذه الفتحة، إلى بيت سطحه أحمر، مثلثٌ مثلُ البيوت الأمريكية. تصلين إليه بنظرك من خلال طريق عشبي طويل. كان الطبيب يحوّل رؤيتك من واضحة إلى ضبابية بضغطة زرّ خاطفة، تمنعك من تصوّر نفسك داخل هذا البيت.
تريدين بيتاً غير بيتك، إلا أنك لا تقولينها بصوت عالٍ لأن أبوك كان بجانبك، فهو من ضربك على دماغك مراتٍ متتاليةً في سنّكِ السابعة لأنك لم تستطيعي حلّ مسألة رياضية عن ثلاث برتقالات وخمس تفاحات ودجاجة واحدة. بعد يومين، ضربك مرة أخرى لأنك لم تتمكّني من التمييز بين الساعة الخامسة والنصف، والسادسةِ إلا ربعاً. لاحظت بعدها تغيّراً في نظرك عندما نظرتِ تجاه غطاء سريرك الذي أصبح مائلاً إلى الرمادي، رغم أنك تعرفين أنه أخضر بزهور حُمرٍ. نظرتِ في المرآة فلم تميّزي أنفك. حرّكتِ رقبتك تجاه أمك فَزِعةً، وكان آخر شيء رأيتِهِ هو تجاعيدها. ثم اسودّ كلّ شيء.
عندما عاد إليك بصركِ، ربما لأن حارس العين قرّر أن يمنحكِ فرصة، كان أبوكِ إلى جانبك. ظلّ يقف إلى جانبك في كل زيارة لطبيب العيون كي يواظب على الحراسة. وهكذا حرستْ مشاعر الخجل والخوف علاقتَكما حتى مات. بعد موته، نسيتِ كيف تميّزين بين الساعة والمسألة الحسابية، ثمّ نسيتِ مرة أخرى ضرب أبيكِ ورعبك من فقدان بصرك، لأن طبيباً أجرى لك عملية تصحيح نظر، فأنقذك من الصداع الذي يصيب عينك اليسرى، بل خفّض تكاليف العملية لأنك تشبهين ابنته.
أمس، كانت قد مرت أربع سنوات على وفاة أبيك وعلى عملية الليزك. عينك اليسرى ترفض أن تنسى ما مررتِ به. تعرفين أن الزمن توقف عندها، لكنك لم تدركي أنها قد تعيدكِ إلى تلك اللحظة مجدداً، لتجبركِ على زيارة طبيب العيون مرة أخرى.
كنت وحيدة تلك المرة حينما وضعت ذقنك على القاعدة البلاستيكية دون أن يطلب منك الطبيب ذلك، ونظرت بتركيز داخل الفتحة. ولم تفرحي حين رأيت البيت الأحمر ذا السطح المثلث ذاته راكزاً أمام الممرّ العشبي. لم تتخيلي نفسك داخله، بل كنتِ حيادية تماماً معه، لأن هذا البيت أنار في ذاكرتك أماكن كانت مظلمة إلى أن وضعتِ ذقنك على حافتها.
لم يسألك الطبيبُ، إلا أنك أخبرته قبل أن تضعي ذقنك على الآلة الأخرى التي تسقط ضوءاً قوياً في عينيك أنّ تاريخَ عائلتكِ خال من ضعف النظر، وإنما ضُربَ دماغُك، فتلف نظرك. لم يلتفت الطبيب إلى ما قلته، على الرغم من الدمعتين اللتين انهمرتا منك. فالبيت المثلّثُ ذو السطح الأحمر كالبيوت الأمريكية ما زال يطاردك.
تجلسين على الكرسي إلى يمين مكتب الطبيب، وتتلبّسين دور أبيك وهو يسمع التشخيص. يخبرك الطبيب بنبرة شاعرية أن العملية تمام، وأن نظرك تمام، وأن لديك ما يسمى بـ«ذاكرة العينين»: عينك تقاوم التغيّر الذي حدث بعد عملية الليزك، فكل ما تتذكّره هو نظرك القديم المشوّش. يكتب لك قطرة للجفاف وفيتامينات للشبكية، فتشترينها، إلا جسدَك — أي أنا الذي أحكي لك الحكاية — يرفض الاقتراب منها.
لكنْ، هل تتذكّرين كيف، وفي لحظة مبارزة شعرية، أخبرت الطبيب عن بار في لندن اسمه The Sympathetic Ear، أي الأذن المتعاطفة؟ بيرة لذيذة، وأصدقاء رائعون، وبارمان يستمع إليك. هكذا كانوا يسوّقون البار. ورغم أنك لم تزوري البار ولا لندن، فإنّ إعلاناته كانت تظهر لك، جليتش في الخوارزميات ربما. لكنك بحثت عن البار وعن أخباره، كنت تقضين ساعات تتصفّحين صور زوار البار، كنتِ ترَينها نزهتكِ اليومية، التي تنتهي حين ينتهي بك المطاف على صفحة ورقة بحثية مملة جداً مفادها أن الأذن المتعاطفة هي حالة تصيب من يعاني من التهابات في أذنه، حيث لا يمكن للأذن الأولى تحمّل الألم وحدها، فتستلف الأذن الثانية حصتها من الألم. يشتكي المريض من أذنه اليسرى، وحين يكشف عليه الطبيب يجد أن المشكلة في الأذن اليمنى التي تقاسمت مع اليسرى الألم. تسألينه إن كان ما يقوله يشبه ما تعرفين، لا يردّ عليك. لا طبيب سيردّ عليك، لأن هذا خارج الباثولوجي، خارج المرض أو العطب الذي تشتكين منه رغم إيمانك بأن تاريخك هو من عمر المرض ذاته. فتنصرفين محرجة من العيادة بعدما انتزعت شهادة الشاعرية التي كنت قد سلّمتها إليه منذ دقائق.
كنتِ في الشارع تحاولين هضم ما حدث في العيادة. كل مرة يتدخل شخص بينك وبين عينيك — أو بينك وبيني — ليدمّر أو يصلح، حسب نواياه، موقعه في حياتك، دون أن يترك لك أيّة مساحة تعارف مع عينيك اللتين ما عادتا ملكك. مع اقترابك من بيتك تملّين الحكي وتجلسين على الكنبة لتستريحي. يداك ملوثتان بدمك، لأنك خلعت عينك اليمنى ثم اليسرى بأظافرك ورميتِهما في الشارع، تاركة لهما حرية التصرف. كان هذا حلماً وسيتكرّر، لإلهائك قليلاً.
التهيتِ تماماً ووافقت على مرافقة قصيدة طبيب العيون، فاعتدتِ على نظرك الجديد، وواظبتِ على العلاج النفسي حتى أكدّت لك المعالجة أنك تجاوزتِ جرح الأب. عندها، حملتِ شهادة المعالجة وطبيب العيون على كتفك كدرع تقيكِ خلع عينيك ورميهما في الشارع. لكنّ هذه الدرع لم تقِك الصداع الذي بدا وكأنه يشقّ عينك اليسرى ويمتدّ إلى كتفك اليسرى فصدرك وصولاً لأصابع قدمك. وما فاقم الصداعَ انقطاع الطمث شهوراً.
كيف لا تلومين أباك في لحظة كهذه؟
وجدت نفسك في أروقة المستشفيات والعيادات من جديد تبحثين بدأب عن تشخيص حقيقي وتقرئين أوراقاً بحثية وتجرّبين أدوية. وتأكّدت من برودة العيادات وأدوات الكشف الطبية، وقسوة النظرة الطبية التي لا تريد رؤية شيء منك سوى هزة رأسك موافقة على ما يقترحونه. قادك هذا البرود أو الصدفة إلى تشخيص، لن يؤكّده سوى الرنين المغناطيسي على دماغك. تنامين على ما يشبه السرير: كان أبيضَ أكثر من اللازم، وصناعيّاً أكثر مما يجب. وضعت الممرضة لك خوذة ومخدة لتحميا أذنك من الصوت والإشعاع، وضخت داخل يدك صبغة لن تعرفي لونها لأنك أغمضت عينك بعد أن صرخت فيك الممرضة لأن يدك تنزف زيادةً. تكتشفان معاً أن عندك ما يسمى بسيولة الدم، فتصرخ الممرضة أكثر. تظنين أنها متوترة من طرطشة الدم، فأخبرك أنها قرفت منك. ستشغّل الممرّضة الجهاز فتنظرين إليها بقرف، فتردّ لك النظرة بغيظ، لأنك دون قصد، خرّبت عملية المعاينة. تطيلين نظرة القرف فتخجل الممرضة، وتبتسم من التوتر ومن صمتك غير المبرر. وقبل أن تشغّل الجهاز تطلب منك أن تمثّلي الموت: متبربشيش ومتحركيش لسانك ولا صوابعك لمدة تلت ساعة. الـ MRI هو القبر، والصبغة هي الثعبان الأقرع. والممرضة؟ ما رأيك بها؟ معرفش، لكنها تصعّب عليّ الأمر. طالت المدة ولا أفهم إنْ كانت الممرضة تكرهني أم أن تمثيليَ الموتَ رديء؟ تكرهك طبعاً لأنها أعادت الأشعة وطلبت منك أن تموتي ثلاث مرات. لا شكّ أنّ الممرضة ليست مضطرة لفهم أنك كنت تسبّين أباك لأنه جعلك تختبرين الموت قبل أوانك، وفي الوقت نفسه، تشعرين بالذنب لأنك تسبّينه إذ إنه اختبر، بلا شكّ، القبر والثعبان الأقرع الحقيقيين، وأنتِ الآن بتّ تعرفين مقدارَ الصعوبة التي ينطوي عليها هذا الاختبار، فتبكين قليلاً.
يخبرك الطبيب أن عندك ورماً في الغدة النخامية، وأن الورم يُضعف نظرك، ويفاقم صداعَك، وهشاشتَك النفسية، ويسبّب زيادةً في الوزن، فضلا عن إفراز هرمون الحليب في جسدك. سألته عن سبب وجود الورم، فردّ ببرود: لا سبب. أو بسبب خبطة قوية على دماغك.
سقطت من يدك شهادة طبيب العيون والمعالجة النفسية. كنت عارية ومترددة في تبنّي تشخيص الطبيب الذي يشبه القصص القصيرة المبتورة. حتى الآثار السلبية للدواء الذي وصفه لك كان قصة مبتورة: وجع الصدر، والإغماء المفاجئ، والرغبة القهرية في المقامرة.
كم كان هذا الإيفيه مضحكاً؟
حجة متماسكة وشهادة طبية كي يعيش جسدك — أي أنا الذي أحكي لك الحكاية — حياته الموازية بحرية. كأنه يختار درجة النظر الذي يرغب في أن يرى بها الأشياء، وأن يصيع ليلاً في الملاهي ليقامر على حسابك، وأن يحمل فيك طفلاً وهمياً، ثم يلده، ويرضعه، لربما يكبر ليقول لك: آسف لإني ضربتك على دماغك.
مي المغربي، كاتبة وصحافية من مصر. تخرّجت في كلية الآداب من جامعة الاسكندرية- قسم علم نفس عام 2019 وتفرّغت للكتابة بعد أن عملت عامين كأخصائية نفسية. لديها عدد من المقالات والنصوص والحوارات والقصص في صحف متعددة في مجال علم النفس والجندر والإثنوغرافيا والتاريخ والأدب والشعر والفنون البصرية والتراث غير المادي. كما حصلت على منحة المورد الثقافي لإصدار روايتها الأولى "الخروج من غيط العنب" (2023).


