
شاحنة فيها رجال يعرفون تماماً أين ستنتهي بهم الطريق، ومع ذلك يواصلون القيادة
منذ عامين وأنا أفكّر في ألبوم سلطان، وأظنّني عرفتُ أخيراً السبب.[1].ننشر الترجمة العربية للمقالة التي كانت قد صدرت على موقع Substack بالإنجليزية بعد الإذن من الكاتب
ورثتُ فلسطين قبل أن أفهم أصلاً معنى أن ترث شيئًا. ورثتُ شوارع لم تكن لي، وأسماءً كان يُفترض بي أن أتذكّرها، وقصصاً وصلت إليّ جريحة، وخريطةً بدت وكأنها تصغر كلما نظر إليها أحد. ورثتُ عادة المقارنة: هذه المدرسة بتلك، هذا الجواز بذاك، هذه المدينة بتلك المدينة، هذه الحياة بتلك الحياة التي تنتظرني هناك. وبحلول الوقت الذي كبرتُ فيه للسفر إلى أمريكا، كان الاستنتاج قد ترسّخ بالفعل: العالم المهمّ موجود هناك، ونحن نحاول اللحاق به.
بعد سنوات، في مكان ما على طريق سريع في أمريكا، كان صوت تل أبيب يهدر من مكبرات الصوت.
في أربعة مقاطع موسيقية، يُعبّر شب جديد عمّا أنتجته قرون من الإذلال العربي. العدو يتطلّع إلى الأمام، يستعدّ لما هو آتٍ، ويتكيّف مع تغيّر العالم من حوله. أما نحن، فنأتي وبيدنا الحقيقة، وكأنّ الحقيقة بعمرها أنقذت أحداً. نأتي وكأننا واثقون من أن العالم سيعترف بها، وسيتعامل معنا على أساسها، ثم نتفاجأ حين لا يفعل. تلتفت تلك الأبيات إلى الداخل أيضاً، إلى الفجوة بين ما تعلّم ذلك العدو أن يكونه وما تعلّمنا نحن أن نتوقّعه من أنفسنا.
تعرفون تلك القصة عن البراغيث في الجرة: يمكن للبراغيث أن تقفز على ارتفاع هائل نسبة إلى حجمها. لكن إن وضعتَ غطاءً على الجرة، فستتعلّم البراغيث بالضبط إلى أي ارتفاع يمكنها القفز من دون أن تصطدم بالغطاء. وفي النهاية، عندما تزيل الغطاء، ستواصل البراغيث القفز إلى الارتفاع نفسه. لا يهمّني فعلًا إن كان أحدهم قد أجرى هذه التجربة بالضبط بالطريقة التي يرويها المؤثرون، فالصورة مؤثرة لأن السلوك مألوف بشكل لافت. ما يثير اهتمامي هو الجيل الذي وُلد بعد رفع الغطاء عن الجرة، أولئك الذين لم يصطدموا بالغطاء بأنفسهم أصلًا، ومع ذلك ورثوا الإحساس بارتفاعه. لن يحتاج أحد أن يعاقبهم على القفز أصلاً، لأنهم ورثوا الاحساس بسقف الجرة. هذه هي عقدة النقص العربية تفسرها حشرة بائسة. إلا أننا نعرف من وضع الغطاء أصلاً.
جاءت إحدى أقدم الضربات القاسية التي تعرّض لها العالم العربي عام 1798. احتلّ نابليون مصر الغنية وذات أهمية استراتيجية، والتي كان جيشها متأخراً بشكل كبير عن أساليب القتال التي جاء بها الفرنسيون. النظام العسكري المملوكي الذي كان لا يزال يعتمد بشكل كبير على الفرسان والقتال المباشر، وهي طريقة قتال خدمَتهم قروناً، سُحق بسرعة مذهلة. ما بقي عالقًا في ذهني هو قِصر المدة التي استغرقها كل ذلك. فقد واجه نظام عسكري بُني على أجيال من الاعتداد بالنفس نظامًا حربيًا أحدث، واكتشف خلال ساعات فقط مدى التقدّم الذي كان العالم قد أحرزه. كانت الهزيمة العسكرية في حدّ ذاتها مهمة، لكن الصدمة الأكبر جاءت مع ما حمله الجنود الفرنسيون معهم إلى مصر.
عندما دمّر المغول بغداد قبل قرون، اندمجوا تدريجياً في العالم الإسلامي من حولهم وأصبحوا جزءاً من الحضارة التي غزوها. أما أوروبا، فكانت مسألة مختلفة، لأنها واصلت العودة بمؤسسات وآلات لم يكن من السهل استيعابها. جاء نابليون بمجموعة كبيرة من العلماء والمتخصصين التقنيين، وأنشأ معهداً يتولّى أبحاثهم. معهم جاءت الطباعة، في وقت كانت فيه الطباعة بالحروف العربية لا تزال تتطوّر ببطء في العالم العثماني، وتخضع لقيود كثيرة. فقد أمضت أوروبا بالفعل قروناً تتعلّم ما الذي يحدث عندما يصبح بالإمكان إعادة إنتاج المعرفة بتكلفة منخفضة بما يكفي لتداولها، من دون انتظار يد بشرية أخرى لنسخها. أما في معظم أنحاء العالم الناطق باللغة العربية، فكان انتشار الكتب أبطأ بكثير. تراكم الفارق هذا على مدى أجيال، فبدأ يظهر في كل مكان.
عاش المؤرخ المصري الجبرتي فترة الاحتلال الفرنسي وكتب عما رآه. لم يكن من المعجبين بالغزاة بأي شكل، لكن يمكننا أن نلمس شيئًا من الدهشة في بعض أوصافه لتجاربهم العلمية. كتب قائلاً: «لقد شهدنا أشياءَ لا يمكننا فهمها حقّاً». وفي معرض آخر، وضع عالم فرنسي كمية صغيرة من مسحوق أبيض على سندان وضربها، فانفجرت. « لقد خفنا»، أقرّ الجبرتي، «وقد سخروا منا». كان الجبرتي يشاهد تجارب تنتمي إلى عالم من المعرفة كان غريباً. ويمكننا أن نستشعر الفجوة في تلك الكلمات القليلة، وهي فجوة ظلّت قائمة حتى بعد رحيل الفرنسيين. كان كلّ لقاء مع أوروبا يجعل تجاهُل الفجوة المادية أصعب فأصعب، وفي النهاية لم تعد ذكرى الانتصارات القديمة تجيب عن السؤال الحقيقي الذي كان الناس يطرحونه: كيف تمكّنت أوروبا من التقدّم إلى هذا الحد؟
أدرك محمد علي باشا المشكلة، فبدأ بإرسال طلاب إلى أوروبا، وكان رفاعة الطهطاوي واحدًا منهم، إذ رافق إحدى بعثات الطلاب إلى باريس. وما أذهل الطهطاوي عند عودته كان في الغالب أموراً عادية، عادية إلى حدّ الألم: التعليم، والإدارة العامة، وتنظيم الحياة المدنية، والعادات التي تسمح للمدينة بأن تعمل بشكل مستقر. وربطت الأجيال اللاحقة اسم محمد عبده بالعبارة الشهيرة: «ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلامًا ولم أجد مسلمين، ولما عدت إلى الشرق وجدت مسلمين ولم أجد إسلاماً». لا يهمّني إن كان محمد عبده قد قال هذه الكلمات فعلًا، بقدر ما يهمّني أنها ظلّت تتردّد بين العرب لأكثر من قرن. فالجميع يفهم ما الذي تعنيه هذه العبارة: أصبحت أوروبا هي المقياس، وأصبح الوطن يُقاس بمعاييرها.
ونرى القناعة المتوارثة نفسها تتجلّى في تصورنا للحقيقة ولمن نصدّق. فإذا انتقل أحدهم إلى الإنجليزية في منتصف الجملة، تتبدّل نظرة الحاضرين إلى سلطته. وتظهر أبشع تجليات هذا الأمر أثناء الحرب، عندما يصبح الناس أكثر استعداداً للوثوق بالمتحدث الرسمي الأنيق القادم من الخارج، عوضاً عمّن يقف بجانب الجثة، فاللهجة تقوم بجزء من المهمة قبل وصول الأدلة أصلًا. وعندها، يصبح الوعي نفسه أمراً يُعهد به إلى جهة خارجية.
قدم القرن العشرون لتلك النزعة النفسية مادةً دسمة. من اتفاقية سايكس بيكو، إلى النكبة، مروراً بالانقلابات العسكرية المتتالية، وليس انتهاءً بحرب 1967. أفكّر في مقدار الضرر النفسي الذي يمكن أن تسببه ستة أيام حين تقع الإهانة فوق كل ما سبقها. ويمكن لمن وُلدوا بعد عقود أن يرثوا خلاصة تلك الحرب من دون أن يرثوا أيّ ذكرى عنها. وبحلول الوقت الذي يصل فيه هذا الاعتقاد إليهم، لا يحتاج أحد أن يشرح لهم من أين جاء. إنهم يعرفون ببساطة أننا الخاسرون وأنهم المتقدّمون، وأن الأمور «تمام» في مكان آخر، لكنّها ليست «تمام» هنا. وإن نجحت السرديات التاريخية في الصمود، فستبدو وكأنها بديهية.
أكثر ما يزعجني في عقدة النقص هذه هو أنه، بمجرد أن يؤمن بها الآخرون، يبدأون في البناء عليها. هكذا تصبح إهانتك معلومةً مفيدة، وتبدأ افتراضاتك عن نفسك في تشكيل ما سيأتي بعدها. ثم تنقل هذه الافتراضات إلى من يصغرونك: لا تكلّف نفسك عناء دراسة ذلك. لا تبدأ هذا المشروع هنا. تحتاج إلى واسطة. الجميع ينهبون. المسؤولون فاسدون. لا مكان للكفوئين. المشكلة هي أن بعض هذه المعتقدات صحيح، ما يثبّت الخلاصة. فلن يضطر أحد إلى اختراع نقاط ضعفك، لأن جزءاً منها قد تحقّق بالفعل على المستوى الجماعي، وانتقل من جيل إلى آخر حتى لم يعد أحد يعرف مصدرها.
عندها يتوقف الناس عن اختبار حدودهم لأن كل من يثقون به سبق أن أخبرهم أين تقع هذه الحدود. أعتقد أن عقدة النقص تستمر بهذه الطريقة في كثير من الأحيان، أكثر مما تستمر من خلال كراهية واعية لأنفسنا. فهي، وإن ترسخّت، فإنها لا تلبث أن تتحوّل إلى نزعة.
وإذ، الســــــلطــــــــان.
نسختي من سلطان. ولا أخفي أني قد وصلت إلى هذا المقال منحازاً.
جزء من براعة شب جديد يكمن في قدرته على طرح فكرة بهذا الثقل بأسلوب عفوي. نادراً ما يبدو وكأنه يشرح شيئاً، حتى عندما يقف وراء السطر الغنائي تاريخ كامل. كل ما سبق أن وصفته يصل إلينا من خلال النكات، والغطرسة، والألفاظ البذيئة، والألعاب اللفظية، والصياغات التي تبدو مرتجلة وعابرة، إلى أن تتوقف عندها للحظة وتدرك كمّ المعاني التي حشرها في ثوانٍ قليلة. قد يكون تراك تل أبيب أوضح مثال على ذلك.
العنوان بحدّ ذاته يتلاعب باللغة. فـ«تل أڤيڤ» تُلفظ «تل أبيب» في العربية، في حين أن الفلسطينيين يطلقون على المدينة اسم «تل الربيع». نحن نستخدم هذا الاسم لأننا نعرف أن الاحتلال لن يدوم، وأن الدولة الصهيونية ليست أبدية. وتسمية المدينة «تل أبيب» أو «تل الربيع» تنزع من الكيان الحالي كلمته الأخيرة.
يتكلم شب جديد عن المخدرات، إلا أن النكتة تكمن في المدن التي يختارها. هي الأماكن نفسها التي عادة ما يُنظر إليها على أنها منظّمة ومتقدّمة وعلى أنها تدلّ على استقامة المجتمع. إلا أنّ في شوارع تلك المدن الكثير مما قد يكون دليلاً على انهيار حضاري لو وجد في شوارع مدننا، فما يصلح هناك لا يصلح عندنا. وبمجرد أن تلاحظ الطريقة الدونية هذه في تفسيرنا للأشياء، يصعب عليك ألّا تراها في كل مكان.
شب جديد يلاحظ الدونية أيضاً، لكنه يقلب معاييرها لصالحه تماماً: «أنا سلطان، أنا قصة، أنا قسيس.» لا تهمّني كثيراً حقيقة هذه الادعاءات من عدمها. ما يهمّ هو القدرة على المنظرة، على اعادة الاعتبار إلى تلك الذات المهانة. يقولها شب جديد بالمحكية الفلسطينية من دون أن يصقل لغته أو يخفّف منها كي يجعلها أسهل على من هم خارجها. هناك نوع من الثقة يأتي من إثبات خطأ الآخر، وهناك نوع آخر يأتي من أن تنسى أصلًا أن تسأل عمّا يعتقده الآخرون. لطالما كان لدى شب جديد الكثير من النوع الثاني. لم يبدُ قطّ كشخص ينتظر أن يوافق العالم الخارجي عليه باعتباره شخصاً مثيراً للاهتمام أو جديراً بالاحترام. وربما يكون هذا أكثر ما يجذبني إلى موسيقاه.
كنت قد كتبتُ عن دِسّ شب جديد لساينت ليفانت، وعما قد يحدث عندما تُعقّم فلسطين كي تلائم أذواق من هم خارجها. مع ساينت ليفانت، تتحوّل فلسطين في خيال العاشق إلى رومانسية وجنس وشوق، إلى نسخة خفيفة عن نفسها. قد تكون السياسة موجودة، إلا أن التوليف الرومنسي يخفف من حدة تأثيرها. أما شب جديد، فليس معنياً بذلك. فهو يترك مساحة للغضب والأبتذال، للبارانويا والنكات، ولكل العناصر التي تجعل من فلسطين مادة صعبة الاستهلاك. لم أكن أنوي أن أجعل هذه المقالة تكملة لتلك، لكن الاثنتين في الحقيقة تنبعان من الدافع ذاته: في الأولى تسائلت عن معنى جعل فلسطين سهلة القبول، بينما هنا أتساءل عما يحدث عندما تجعل نفسك سهل القبول.
وعندما عدتُ للاستماع إلى بقية سلطان، أدركتُ أن تل أبيب ما هو إلا الصيغة الأكثر وضوحاً لما يطرح الألبوم منذ البداية. فالمقدمة هي عبارة عن أصوات عن السلاطين والحكام وملوك الأغاني، في كولاج من مرويات الثقافة الشعبية تمّ تجميعه قبل أن يظهر شب جديد بنفسه ليؤدي تراك سلطان الذي يحمل اسم الألبوم، والذي يعلن فيه صراحةً:
من السهل اعتبار ذلك الإعلان مجرد غطرسة راب عادية لو لم يكن الألبوم المحيط بها بائساً إلى هذا الحد. فكل تراك تقريباً يمنح شب جديد سبباً إضافياً لئلّا يشعر بالقوة. يظهر السؤال في العنوان نفسه في فين الدوا، حيث ينتقل التراك بين الحرب والخطابات السياسية والمشهد المألوف المتمثل في ناس يُستثارون حتى يصلوا إلى حالة من الهياج، بينما يواصل البلد من حولهم انحداره.
عبارة غريبة، لا يمكن فهمها حقّاً إلا عندما تفصل بين الشخص والقضية. فيمكن للفلسطيني أن يتفوّه بشيء غبي، أو يخطئ، أو حتى يكذب، دون أن يقلّل ذلك من عدالة القضية الفلسطينية، فالقضية لا تعلو ولا تسقط مع الشخص الذي يتحدّث باسمها. غالباً ما يُعامل الفلسطينيون وكأن عليهم كسب تعاطف الآخر من خلال سلوكهم، وكأن حجة سيئة واحدة أو شخصاً بغيضاً واحداً قادر على إلغاء أحقية القضية. شب جديد يرفض ذلك تماماً. فحتى لو أخطأ، فإنه يعرف تماماً أن قضية محقة.
في رد سريع يقدّم شب جديد ما يبرع به. فهو يضع الكوارث والحياة اليومية جنباً إلى جنب، في نبرة لا تتغير كثيراً: زلزال، حرب، والدته تتصل به لتطلب منه شراء الخبز، القدس، جندي إسرائيلي… كل ذلك في مشهد واحد يبدو لي فلسطينياً جداً، لأن هذه هي الحياة تحت الاحتلال. فالسياسة لا تبقى أبداً في حيزها الخاص، بل تتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية: قد تكون مشغولاً بشراء الخبز فتسمع صوت رصاص، وقد تكون في خضمّ موقف مرعب، ومع ذلك لا يزال عليك الرد على والدتك. يضحك الفلسطينيون في خضم أحداث لا تدعو إلى الضحك، لأن الحياة لا تتوقّف ولا تنتظر انتهاء المأساة. شب جديد لا يفصل بين هذين العالمين، لأن الفلسطينيين نفسهم لا يملكون ترف الفصل بينهما.
ثم يقدم لي تراك طوفان إحدى عباراتي المفضلة في الألبوم:
برغم شيوع كلمة فخر، فإنّ شب جديد يصرّ هنا على كلمة عنفوان. تحمل الكلمة قدراً أكبر من القوة والحيوية، وإحساساً بالفخر في ذروته. يضع شب جديد «العنفوان» بعد «ألف هوان» وكأنه يرفض أن تحجّمه المهانة، فها هو يكبر ويمتدّ. ففي السطر التالي مباشرةً، يقول «أنا أمة». لا يزال ضمير المتكلم يدلّ إلى شب جديد، بكل ذلك الغرور المضحك الذي يتخلل ألبوم سلطان. إلا أن شب جديد هنا يبدو وكأنه أكبر من مجرد رجل واحد، فهو مهانة متأصلة على مدى أجيال، على امتداد أمة، يوازيها ويتحدّث باسمها. في هذا السياق، تصير كلمة «طوفان» أكثر منطقية. فالطوفان هو ما يحدث عندما يتراكم شيء ما لفترة طويلة قبل أن يغمر العالم من حوله. وتحمل الكلمة هنا أيضاً دلالة أخرى، مرتبطة بحدث قريب جداً من تاريخ إصدار الألبوم، لدرجة أنني لا أعتقد أنها بحاجة إلى شرح.
إلى أن يأتي تراك نشيد الذي يعلنها صراحة، فيزيد من قتامة الألبوم:
نص تراك نشيد الذي نشرته BLTNM إلى جانب إعلانها عن مغادرة إنستغرام، مشيرةً إلى رقابة المنصة على الأصوات
الفلسطينية وموقف شركة ميتا المؤيدة للصهيونية
وصولًا إلى كذب، حيث تصبح حتى المعرفة نفسها موضع شك. العنوان، كما يُلفظ بالإنجليزية (chitheb)، يُمدّ نطقه باللهجة الفلسطينية الريفية الثقيلة، فتصبح الكلمة نفسها محملة بالمكان. كل من يدير النظام يكذب. يقرأ الناس الأرقام ويكرّرونها، بينما يعترفون بأنهم لا يعرفون شيئًا في الواقع. ثم يقاطع شب جديد الأغنية ليصف المشروع بأكمله بأنه «هاد ألبوم رثاء، ألبوم حداد»، ويدعو إلى دقيقة صمت من أجل الأرض.
لا يترك غلاف الألبوم مجالاً للشك بما يرثيه شب جديد
سلطان صاخب لدرجة أنك تكاد تغفل عن موضوع رثائه. أن تسمّي نفسك «سلطان» في ألبوم تصفه بأنه مرثية يغيّر معنى العنوان تماماً. فالتفاخر والبذاءة يطغيان على الحزن، فيما تتوّج نفسك سلطاناً على إيقاع الجنازة.
يطرح تراك مين أنا أبسط سؤال ممكن، فيجيب شب جديد بمزيد من الأسماء: شب جديد، وعدي، وكنيته أبو أذينة، وF70، أي الرواية التي صدرت مع سلطان — ونعم، لديّ نسخة منها أيضاً — والتي تسمح للعالم نفسه وللشخصية نفسها بالامتداد خارج الألبوم. ثم هناك «سلطان» نفسه، وهو اسم آخر يُضاف إلى شب جديد، الذي هو بدوره اسم آخر يُضاف إلى عدي. كل إجابة تخلق نسخة أخرى منه. لا يحسم شب جديد السؤال أبداً، ولا أعتقد أنه يريد ذلك. فالهوية الفلسطينية رحبة لدى شب جديد، يمكنه أن يضيف عليها طبقات وطبقات مع مرور الوقت.
في تراك في صوات، لدى الشرطة الإسرائيلية ملف عنه، فيما لا يزال الناس يحاولون فهم سبب كلامه بهذه الطريقة. يردّ شب جديد بازدراء: «هاد الفن ع زبري»، فلتذهب فنونكم وتلفزيوناتكم وإذاعاتكم معها. ثم يدفع الأمر برمته إلى حد العبثية: فتشوا المنزل، اقلعوا البلاط، افحصوا دمي في المختبر، وربما في مكان ما هناك ستجدون أخيراً «مؤامرات الغرب بدمي». أحب هذه العبارة لأن الجميع يبحثون عن نظرية ما لفهم شب جديد، عن نظرية لفهم هذا الفلسطيني، في حين أن الإجابة الواضحة ماثلة أمام أعينهم. إنه من هذه الأرض: فالاحتلال، والسياسة، والبارانويا، وطريقة كلامه، كلها نابعة من تجربة عاشها فعلاً. افتح الملفات وتحقق بنفسك إن شئت، فهو قد سبق وأخبرك من أين أتى.
في 01 يصل الألبوم إلى نقطة التعبير بلغة ثنائية. صفر أو واحد. تشغيل أو إيقاف. داخل أو خارج. وتظل الأغنية تتأرجح بين هاتين الحالتين. ينتظر الناس الخبز وهم غالباً يعلمون ماذا سيحمل لهم الغد، بينما لا يزالون يجهلون كيف انتهوا هكذا. ثم يقول شب جديد «نحن تحت حرب بس، لا نشارك.» أنت في الحرب، لكنك لست الحرب. أنت تعيش، ولو أننا «نحيا دون أمل». هذه هي الحياة الفلسطينية التي تُختزل إلى ثنائية لا تحلّ أبداً.
في كريستال تتحوّل عقدة النقص إلى قضية شخصية. أول ما يقوله لك شب جديد هو «وأنا أزبل خلقه لله»، ثم، بعد ذلك مباشرة، يبيع منزله في القدس وينتقل إلى رام الله. أما بقية الأغنية، فليست إلا رحلة طويلة في سبيل الارتقاء الاجتماعي — منزل أجمل، ومسبح، ورينج روفر، وكريستال في القبر، وتكييف في القبر أيضاً (لأنه على ما يبدو، للميت نفسه حق في الرفاهية). كان شب جديد قد وصف رام الله بأنها سويسرا، ويبدو تراك كريستال وكأن النكتة أُخذت على محمل الجد: يمكنك الارتقاء داخل السور، يمكنك توسيع الزنزانة وبناء مسبح فيها، وركن سيارة فارهة أمامها. قد تبدو رام الله أشبه بسويسرا قليلاً، وقد تبدو القدس أبعد بكثير مما توحي به المسافة البالغة عشرين كيلومتراً بينهما. ثم يبدأ شب جديد في تزيين القبر، فينهار الخيال برمته على نفسه. كل هذا الارتقاء، وما زلتَ تحت الأرض. حسّن في شروط السجن كيفما شئت، إلا أنك باقٍ فيه، فأنت لم تتركه أصلاً.
مع وصول تراك تل أبيب، يصبح تساؤل «هل نستوي؟ طبعًا لا» شبه مؤكّد. فقد أخذك الألبوم بالفعل في رحلة عبر الأكاذيب، والحرب، وملفات الشرطة، وكراهية الذات، ووسائل الراحة الصغيرة التي يبنيها الناس حول أنفسهم كي يتمكّنوا من الحياة. لذا، عندما يسأل شب جديد أخيراً عما إذا كنّا متساوين، لا يبدو الأمر وكأنه يبتكر شيئاً. إنه يعلن أخيراً ما كان بقية ألبوم سلطان يناور فيه. هكذا أصبحت جرة البراغيث إياها مألوفة بالفعل، فقد قضيت معظم الألبوم جالسًا بداخلها.
ومع ذلك، فإن اسم هذا الألبوم «سلطان».
كلما فكّرتُ بالعنوان، كلما ازداد لمعانه. يقضي شب جديد الألبوم بأكمله بين الانهيارات، إلا أنه يواصل إعلاء نفسه. يصف الألبوم بأنه مرثية، ومع ذلك، يتوّج نفسه سلطاناً. وقد يكون محقاً. فهناك ما يقرب الفظاظة في غروره، ولعل هذا هو سبب تميّزه. فهو يرفض أن يجعل نفسه متناسقاً مع العالم الذي ورثه. ففيما يقول له العالم تقلّص، تكيّف، تقبّل الحدود، واعرف سقف الحياة المتاحة لك، يردّ شب جديد عبر جعل نفسه أكبر من ذلك كله، حد السخف. فهو يكذب، ويتباهى، ويغير أسماءه، ويختلق الألقاب، ويتحدث كالمعتوه، ويعود إلى الادعاء نفسه: في النهاية، أنا من هنا، وأنا من يقرر سقف نظرتي إلى نفسي. قد تكون تلك الغطرسة من أذكى جوانب ألبوم سلطان. فبعد تعرض المرء لهزائم متتالية، يصبح المتشائم حكيماً، ويصبح من لا يتوقع شيئاً واقعياً. أما الشخص الذي لا يزال يتوقّع المزيد، فيبدو وكأنه ساذج، لا بل غبي. وفي نهاية المطاف، لن يضطر أحد أن يقول لك حتى أي ارتفاع يمكن أن تقفز، لأنك تعلّمت أن تسخر من أي شخص يحاول ذلك. هكذا يبقى السقف مستقراً في نفوس قاطني الجرة حتى بعد زوال غطائها. ربما لذلك يبدو أول ما يحاول تخطّي السقف لأولئك الذين ينظرون إليه من الأسفل وكأنه مجنون.
قرب نهاية التراك الأخير، قدري ونصيبي، وبعد أن ساءت الأمور حقاً، يقول شب جديد:
لو اضطررت إلى التخلي عن بقية هذه المقالة، أعقتد بأنني سأحتفظ بهذه العبارة التي تلخّض الألبوم بأكمله. البلد في حالة انهيار، وجميع المؤشرات تدلّ على التدهور، ويبدو أن كل خيار يؤدي إلى الأسوأ، ومع ذلك، لا تزال طموحاته عالية.
يكفيني ذلك. وحده الله يعلم عدد الذين وضعوا خططاً لإخراج العالم العربي من هذا المأزق. أما ألبوم سلطان، فيمنحني ما أجده أكثر فائدة: رفض التعاون مع المهانة. فـشب جديد يرثي الأرض، ومع ذلك يتوّج نفسه سلطاناً عليها. يدرك أن النظام فاسد، ولذلك يرفض أن يدعه يحدد رؤيته لنفسه. في مكان ما بين «نحيا دون أمل» و«وأمنياتي عالية»، يتضح التناقض أمامي.
تركتُ فلسطين وأنا في السابعة عشرة لأنني اعتقدت أنّ المستقبل ينتظرني في مكان آخر. وأكذب إن قلت إن هذا الاعتقاد جاء من فراغ، لأن الأسباب وراءه لا تزال حاضرة. فالمشكلة تبدأ عندما تتحول الضرورة إلى معرفة غريزية، وتبقى الغريزة حية لفترة طويلة حتى بعد أن ينسى الجميع كيف تعلموها. هذا هو «السقف» الذي يهمني الآن: افتراض أن المستقبل لا بدّ أن يبدأ لحظة تغادر البلاد. ومع الوقت، قد يبدأ الطموح في إثارة الشعور بالحرج. ولا داعي لأن يفرض أحد هذا السقف حين نصبح بارعين جدًّا في فرضه على بعضنا بعضاً.
ربما، لهذا السبب، أتذكر بكل وضوح المرة الأولى التي استمعت فيها إلى سلطان. كنت أقود سيارتي على اوتوستراد أميركي، في البلد الذي عبرتُ محيطًا كي أصل إليه، لأنه كان قد بدا لي يوماً مكمن المستقبل. كنت أستمع إلى الرابر الفلسطيني المفضل عندي وهو يتساءل: بربك، لماذالا زلنا نعتبر المستقبل ملك غيرنا؟ كنتُ قد أمضيتُ سنوات وأنا أسلك ذاك الطريق، ثم جاء تراك تل أبيب وجعلني أعيد النظر.
سلطان يجسّد الروح الفلسطينية على نحو يفوق أي ألبوم آخر استمعت إليه. أجد نفسي فيه، وأجد فيه ناساً نشأت بينهم. بطريقة ما، يتعايش الحزن والمسخرة في المساحة نفسها. وكذلك المهانة والافتخار الهائل الذي يبقى حيّاً رغم كل شيء. تحمل تاريخاً ثقيلاً، وتسخر من نصفه، وتغضب من نصفه الآخر، ثم تواصل المضيّ قدماً رغم كل شيء.
ينتهي الألبوم بصوت شب جديد وهو يتمتم الكلمات الأخيرة:
فقط للصعود، إذاً، لا للانهيار.
عثمان شاهين، كاتب ومحامٍ فلسطيني من الخليل يقيم حاليًا في أوكلاهوما سيتي في الولايات المتحدة. يكتب عن الذاكرة وصور الصمود التي تنسج تفاصيل الحياة في فلسطين وخارجها، مستنداً إلى التاريخ والموسيقى والثقافة. ينشر كتاباته في مجلة رولينغ ستون الشرق الأوسط وعلى منصة Substack.
Footnotes:
| ↑1 | .ننشر الترجمة العربية للمقالة التي كانت قد صدرت على موقع Substack بالإنجليزية بعد الإذن من الكاتب |
|---|

