Short Stories | قصص قصيرة

المفكّرة الزرقاء

CONTRIBUTOR
المساهم/ة
معاذ محمد

ARTIST
الفنان/ة
Shawki Youssef

WRITER
الكاتب/ة
معاذ محمد

TAGS
الوسوم
posts-issue12

PDF

SHARE POST
للمشاركة
CONTRIBUTOR المساهم/ة
معاذ محمد

كاتب مصري وُلد في اليمن، ويعيش في القاهرة. يكتب لعدة مواقع ومجلات عربية، وصدرت له دراسة «بعلم المجتمع» عن مؤسسة قضايا المرأة المصرية (2002) بالإضافة إلى عدد من التعاونات البحثية مع مؤسسات المجتمع المدني.

WORKS BY THIS CONTRIBUTOR
أعمال للمساهم/ة
معاذ محمد
Short Stories | قصص قصيرة

المفكّرة الزرقاء

By October 28, 2025August 10th, 2026No Comments
Shawki Youssef, Untitled. Charcoal on cotton paper, 42 x 59.4 cm (2022)

إلى من يكتشف هذه الرسالة:

أنا عباس مهند عباس، الابن الوحيد لمهند عباس. انتحر أبي منذ عامين. وجدت بعد وفاته مذكراته الشخصية التي تتمحور حول مفكرة جدي الذي تركها له بدوره بعد وفاته. لا أريدك أن تتشتّت: هناك مفكرتان، الأولى لجدي عباس والثانية لأبي مهند. وجدت المفكرتين بعد رحيل أبي بشهر تقريباً، أثناء تفريغ غرفته من الأثاث. كانت مخبّأة خلف الدولاب العملاق. لم أُطْلع أمي عليها رغم أني أشكّ أنها تعرف فحواها. لقد كانت هي وأبي مقربَين للغاية. لم أرَ شخصين محبّين مثلهما. تزوّجا بعد أن التقاها في حفل في المعهد الفرنسي بوسط البلد. حكى لي القصة مراراً: كانا يعتقدان أن لقاءَهما كان مقدّراً، التقت عيناهما وهما سكرانَان، فضحكا، ثم قالت له أمي: أنت سكران. فردّ: لا انتي اللي سكرانة. ومنذ تلك اللحظة ترافقا على مدى عشرين عاماً. كان كثيراً ما يقول لي: من غير نورهان أنا عيل صغير تايه من أهله. كان يخاف الماء. كان يقول إنه يستطيع السباحة، ولكنْ ثمة حاجز نفسيّ بينه وبين المياه. ربما كان سبب تلك العقدة الحلم الذي زاره ليلة وفاة جدي. لقد قرّر في النهاية مواجهة مخاوفه. فألقى بنفسه من كوبري قصر النيل.

أقام أبي علاقة صلبة معي. كنا أصدقاء، سمّاني على اسم جدي، عباس. كان دائماً ما يسمّي جدي «عباس الكبير» وأنا «عباس الصغير». فهمت الآن أننا كنا، جدي وأنا، امتداداً لشخص واحد في خياله. عاش وظلّ الذنب يلاحقه. حتى بعد أن قرأت كل شيء، لا أستطيع القبض على السر العميق لهذا الذنب. لم يرتكب أي فعل يُضرّ به أباه ولم يكن يوماً مصدر شقائه. وعلى عكس علاقته المضطربة بجدي كانت علاقتنا جيدة. حاول جاهداً ألا يخسرني وأنا أحببته. كان رجلاً مثالياً في عيني، ولكنه لم يفتح لي محراب علاقته بأبيه واكتفى بعناوين عريضة واحتفظ بالبقية في صدره. عندما كنت أسأل، كان يبتسم ويقول: هتفهم كل حاجة في وقتها متستعجلش.

مفكرة أبي عبارة عن سرد للأحداث منذ وفاة جدي وتعليق على مذكراته. ترك لي أيضاً المفكرة الزرقاء الأصلية الخاصة بعباس الأكبر. نزعتُ آخر صفحتين من المفكرة واحتفظتُ بهما لنفسي. اعذرني عن ذكرهما، فلقد قررتُ حجبهما للأبد. هذا سرّ عائلي. أقف الآن أمام قبريهما — وهو قبر واحد، قبري المستقبلي — وأكتب هذه الرسالة. 

عباس مهند عباس العطار

22 سبتمبر 2024

مذكرات مهند عباس العطار

9 سبتمبر 1991

مات أبي منذ عدة أيام وترك لي مفكرة بحجم قبضة اليد. لم نكن مقربَين، ولكنّ الصدع الذي أصاب علاقتنا أثناء مراهقتي كان غير قابل للترميم. رأيته سلطة ديكتاتورية تستهدف عقلي، وتحاول التحكم في موعد نومي واستيقاظي ونوعية أصدقائي وماهية معتقداتي. ورآني طفلاً جاحداً فاشلاً لا يتبع درب أبيه ولا ينفّذ الخطة التي هي قدره. عندما كان يشتدّ خلافنا، كان يلجأ لمنبع فخره التربوي: أنا مش بضربك زي ما أصحابك بيتضربوا. بنى أبي سجناً دون أسوار، حوائطه غير ملموسة. 

في عامي الأخير من الكلية، أصابته جلطة دماغية أثناء نومه أفقدته التحكم في نصفه الأيمن. شكّل العجز اتفاقاً ضمنياً جديداً، أجبره على تجاهلي. فلم يعد يتدخل في أموري، وتغاضيت أنا عن هجومي الدائم عليه ومحاولاتي كسرَ قوانينه، فبتّ أفعل ما أريد دون تفاخر. لم أستغلّ ضعفه لأني أدركتُ أني أصبحتُ مسؤولاً عن المنزل، بالإضافة إلى بذرة من الشعور بالشفقة بدأت تنمو داخل صدري. كلما مررت أمام كرسيّه المتحرك ورأيته عاجزاً وهناً، أصابني الحزن. وددت لو وجدنا وسيلة للوصول إلى حل وسط، ولكنّ الكراهية التي تبادلناها لسنوات لم تسمح لنا بتشكيل صيغة أخرى لإحياء جيفة علاقتنا. رحلت أمي بشكل مفاجئ العام الماضي، فقضت وفاتها على أي احتمال لترميم المعبد المتهالك. كانت هي الجسر الذي يصل ضفتي بضفته، وبرحيلها ساد الفتور منزلنا وكأننا فقدنا أي احتمال لالتقاء اللغة، وأنهينا الحرب دون إعلان منتصر.

أقمتُ عزاءه في شارعنا الجانبي في حي الملك الصالح بمصر القديمة جنوب القاهرة حيث عاشت عائلتي لسنوات. سأكون منافقاً إن لم أقرّ أن قلبي عرف بعض السكينة، ظلت تسبح وسط بحار من الشفقة والألم. وأنا سارح في المشاعر المركبة في مقدمة سرادق العزاء، شعرت بيد تربّت على كتفي: البقية في حياتك يا مهند. رفعتُ عينيَّ لأجد رجلاً ستينياً يشبه أبي قليلاً، لا في الملامح بل في أثر الزمن على وجهه (هل تعرف ذلك الإحساس، أن يجرحنا الزمن بالخدوش ذاتها؟). بعد العناق وجمل العزاء المكررة زعم أنه صديق عمره، وطلب لقائي بعد العزاء فأومأت بالموافقة. لم أكن قد رأيته من قبل، ولكني لم أتعجّب لأن والدي كان غامضاً، ماضيه ضبابي كالجواسيس، حتى إني كنت أشكّ أحياناً أنه عاش شبابه مثل بقية البشر. فأنا ولدتُ وهو في الثلاثين، وطوال حياته لم يذكر الماضي إلا نادراً، ولم تتسرّب منه أيّة انطباعات شخصية عن الفترات التي عاشها. الخمسينيّات كانت جيدة والستينيّات كانت بشعة، هكذا تدور حوارات من في عمره. في سنواته الأخيرة، كان أحياناً يبدي حناناً فجائياً وكأنه يشعر بالذنب تجاهي، وكثيراً ما لاحظته ينظر إليّ بأسف. ولكني تجاهلته رغم رغبتي في علاقة جيدة، فقد ترك لي لعنة كتمان المشاعر وصعوبة التعبير.

كثيراً ما راقبت العمال وهم يفككون سرادق العزاء. القماش، ثم العوارض الخشبية، ثم الكراسي لتعود الأرض كما كانت، فارغة. أفكّر دوماً أن هذا التفكيك هو البيان الرسمي بانتهاء مسيرة الأموات في الحياة. يظنّ الجميع أن الدفن هو آخر فعل يربطنا بالراحلين، ولكنْ ثمة أفعال كثيرة تتبع الدفن وتنتهي بسرادق العزاء، وعند إزالته ينتهي فعلاً كل شيء. ولكنّ هذا سرادقُ أبي، ليس ميتاً عابراً يمكنني استخلاص عبرات فلسفية من موته دون أن يقاطعني الألم والأسى. 

أثناء مراقبتي العمالَ وهم يفككون سرادق العزاء، جاء صديق أبي الغريب وسلّمني مفكرة صغيرة، وقال إنها تخص عباس، أبي. زعم أنه أوصاه بأن يمنحها لي عند موته. احتضنني وتركني خائفاً مما سألقاه في ثنايا المربع الصغير: مفكرة زرقاء مطبوع على غلافها بجودة رديئة لوحة «عازف الجيتار العجوز» لبيكاسو، تشبه المفكرات الرخيصة التي يبيعها ماجد، صاحب المكتبة المجاورة للمنزل. على الغلاف الخارجي كُتبت هذه الجملة:

«المرحلة الزرقاء 1901-1904». رسومات بيكاسو كانت كئيبة.

الصفحة الأولى

كيف نتعامل مع الألم؟
نطويه كورقة ثم نضعه في الجيب الأيمن للبنطال الأزرق. نخرجه كل ساعة ونضيف جملة جديدة بدمائنا ثم نعيده مرة أخرى حتى يلتئم بنا ليصبح جزءاً منا.
كيف نطوّع الألم؟
قطرة من الشعر وقطرة من الموسيقى. نخلطهما ثم نسكبهما على القلب الممزق، تجفّ الأنسجة التالفة وتسقط على الأرضية. أعلم أن ثمة ضريبة. كل زيارة فظة للألم لن تمرّ إلّا بقطعة من قلبك. تقبّل ذلك وامنحها له بطيب خاطر.
كيف ننسى الألم؟
انتظرْ في المحطة. سيأتي القطار بعد دقائق أو ساعات. اصعدِ القاطرة ولا تنظر خلفك. اجلس بجانب النافذة، انظر إلى السماء ودعِ الطريق يمضي بك.
كيف نتقبّل الألم؟
تمدّد على العشب ودعِ الشمس تغزو جسدك. لا ترتكب حماقة التحديق في القرص الأصفر، لأن الضوء سيخترق بؤبؤ عينك. تدارك قدرك ، فأنت مجرد إنسان، لن يعرف نهاية للألم.

هل كان أبي كاتباً؟ لم أكن قد قرأت له أيّ نص، ولكني أذكر رؤيته يكتب. لم أتمكّن من التعرّف على أبي من خلال النص. لم أتوقّع أن يكون بلا مشاعر، ولكني تعجّبت أن تكون أول ورقة فائضة العاطفة بهذا الشكل. من المفارقات الغريبة أننا عشنا تحت السقف ذاته، كأننا كنا طريقين لجسر له اتجاهان، ذهاب وإياب، وغيرُ مقدر لنا الالتقاء. 

لماذا أراد أبي منحي تلك النصوص بعد موته؟ هل يمنحني خلاصة خبرته لمواجهة ألم رحيله؟ أكملت القراءة وطويت الورقة الأولى لتظهر الثانية.

قصة جبل المخطوم

تقول الأسطورة إن أصل الجبال صرخات بشرية مكتومة. تلك التكوينات الصخرية الصلبة هي جنين مجهض. كان مسارها الطبيعي أن تكون صرخة مدوية أو انتقام دموي أو شعر بديع، ولكنّ صاحبها آثرَ كبتها في صدره فلُعنت بالخلود على الأرض. لا يموت القهر. هناك صرخات بحجم الحصى وصرخات بحجم الصخور المتوسطة، وثمة الجبال التي هي مجموع صرخات متحدة متلاصقة. لا تصدق الجيولوجيا، فالجبال صُنعت من كرب الإنسان.

جبل واحد كسر تلك القاعدة. وُجد بسبب صرخة رجل يسمى بأبي العباس المخطوم. عاش قبل ألف عام منعزلاً كارهاً للبشر. وفي مرحلة مبكرة من حياته، قرر أنه لا ينتمي لسلالة آدم، وإنما هو شيء آخر لا يعرفه. وفي ليلة باردة، هاجمه شخص زعم أنه ابنه الذي وُلِد من صرخاته المجهضة، فقال: صرخاتي تخلق الصخور لا البشر، فقال الابن: بل الصخور هي الأطفال التي فشلت في الولادة فتجمّدت. أما أنا، فنجحت في الانبثاق من صرختك فوق الجبل. اتهمه بأنه سببُ شقائه، فهو ابن صرخة مقموعة، عاش شريداً في كهوف الجبال ومغاراتها حتى قرر الانتقام من خالقه. في تلك الليلة سرق حصانه وتركه عارياً مقيداً فوق كوخه. كان صدره ينتفخ من الرغبة في الانتقام وكأنه ليس أباه. مات في اليوم الرابع بعدما صُلب أفقياً تحت الشمس ثلاث ليالٍ، وعندما نقره طائر الموت قمع صرخة غائرة. في موقع كوخه تحديدا ظهر جبل بحجم الصرخة، ضخم قاسٍ، يقتل كل من يتسلّقه انتقاماً لصاحبه، انتقاماً صخرياً أعمى. شاعت سيرته بين المتسلقين بجبل المخطوم الذي يقتل متسلّقيه. يقال إن ضحايا الجبل رأوا قبل موتهم أبا العباس في السماء كما مات: مقيداً، وحيداً، عارياً، ينظر صوبهم ويضحك. فقد ماتوا مثلما ولد ابنه الوحيد: وحيدين، هلعين، فوق سفح جبل غريب.

بكيت بعد قراءة القصة. هل يعلم أبي أني عرفت في مراهقتي الكثير من الصرخات المجهضة التي يتحدّث عنها، دون أن يرى جبلاً يحطّم باب غرفتي؟ لو قرأتُ تلك القصة لمؤلف مجهول، لبحثت عن كتبه. أثر عميق يحدثه الفن، يمكّنُنا من إعادة التعرف على صاحبه من جديد وكأننا لم نعرفه يوماً. كيف كنت بهذه القسوة والفتور وهو يتقلب من العذاب على بُعد أمتار مني؟ ثمّ ماذا يقصد بعلاقة معقدة بين رجل معزول وابنه؟ هل يقصدنا بتلك القصة؟ ربما. لماذا أقسو على نفسي؟ لقد كان مسؤولًا مثلي عن هذا التدهور. كنت أترقّب اعتذاره دائماً، اعتذار بسيط مختصر، لم أطلب منه التوغل في مناقشة أسبابه، فقط اعتذار مجرد وسأنسى كل شيء، ولكنه لم يفعل. 

تلخّصت حياتنا في السنوات الأخيرة على الإفطار معاً قبل النزول لعملي في صحيفة محلية تغطي أخبار الاقتصاد والبورصة. لم أكن اقتصادياً، بل موظفا يعيد صياغة الأخبار. أعمل عشر ساعات يومياً، لذلك غالباً ما أعود ليلاً لأجده نائماً في غرفته التي ينبعث منها صوت سلطانة الطرب منيرة المهدية. عرفتها من خلاله، قد يكون الوحيد الذي ما زال مخلصاً لها في العاصمة، على الرغم من أن الجميع يستمع لأم كلثوم التي حرمت السلطانةَالمجدَ… كان أحياناً يكسر الصمت بمعلومة يعرفها عن منيرة وكأنه يفسّر فتنته الواضحة بها. 

حاولت مراراً الاستماع إليها، ولكن جودة التسجيل كانت سيئة للغاية. فجأة صدم عقلي سؤال آخر: ماذا كان يفعل أبي طوال النهار وأنا في العمل، صدمني هذا السؤال فجأة ولكنى طردت أفكاري وأكملت القراءة.

الصفحة الثانية

أصول الأشياء
كل فعل بشري هو بئر عميقة مغطاة بغلاف خشبي نُقشتْ عليه الأسباب التي يبرر بها صاحب السلوك نفسه. تلك الطبقة الأولى من نفس الإنسان، يكتبها صاحب الفعل، إذا أزلت الغطاء ستكتشف أنه بئر سحيقة لا قاع له. هناك ظلام لا تدركه العين بالنظرة الأولى، ستضطر إلى الاستعانة بضوء قوي، كتاب مثلاً، ولكن يجب على صاحب البئر السماح لك، لذلك يذهب الناس إلى الأطباء النفسيين، كي يطلبوا النجدة لإزالة فوهة أنفسهم.

السردية الثانية يكتبها الطبيب، ينظر إلى الأسفل ويحرّك الضوء في جوانب البئر ثم يعدّل نظارته ويدوّن تصنيفاً عاماً ينطبق على كل زوار العيادة. هذه بئر توصل الماء من طفولة الإنسان إلى شبابه. يمكننا فهم منطق أفعاله إنْ نظرنا إلى أغواره السحيقة. أوصي بضرورة إزالة الغطاء الخارجي كيلا يختنق الطفل القابع في الأسفل. يستعين بالكيمياء لليّ ذراع المخ. يرفض المخ هذه الوصاية ويطلق صواريخ الأعراض الجانبية. يتعب الإنسان، فيقرر تدمير الغطاء الخشبي الضعيف وشراء غطاء حديدي صلب ليغلق فوهة بئره. لكنْ ثمة قلة لا يفعلون ذلك ويقفزون إلى البئر ليرمموا شروخها. في تلك الرحلة، يتلقون نسختهم الصغرى، يضمونها ويبكون، تلك السردية الثالثة التي لا يكتبها إلا قلة، هم محظوظون بالطبع وأبطال بالتأكيد، ولكنّ قدر الأبطال التيه، فمن يقفز في البئر لا يرجع، وعندما ترى نفسك طفلاً فاعلم أنك هالك. ها أنا أحدثك وأنا خارج البئر وعلى وشك السقوط. أرى جثث من قفزوا قبلي، ورغم ذلك، سأقفز. 

هل مات أبي بشكل طبيعي أم هذا بيان انتحار؟ عدتُ من العمل فوجدته نائماً كعادته، غالباً ما أستغلّ نومه المبكر لأدخّن سيجارة حشيش لتلقي بي في غياهب النوم. في الصباح التالي أعددت الإفطار وناديته فلم يردّ. فدخلت غرفته واقتربت من سريره الذي عُلّقتْ فوقه صورة لـ تيد كازينسكي. كان أبي يحبّ التحدث عنه أحياناً وكيف أنه الشخص الوحيد الذي يراهُ إنساناً حراً. بحثتُ عنه سريعاً في الماضي، وعلمت أنه كان رجلاً فريداً، معادياً للتكنولوجيا والمجتمعات الحديثة. كان يبعث طروداً متفجرة للمؤسسات والشخصيات التي يراها مسؤولة عن انتشار تلك الأدوات داخل المجتمع، ولكني لم أعره الكثير من الاهتمام. أتذكّر طفولتي حين كنت أسميه الشيخ لأنه كان في تلك الصورة كثيف اللحية، حليق الشارب. لنعد لما حدث. هززت جسده أوقظه من نومه العميق، وفي لحظة ما من تحريكه أدركت أنه رحل نحو النومة الكبرى. قال الطبيب إنه أُصيب بهبوط حاد في الدورة الدموية أصابه أثناء نومه بسبب قصور في عضلة القلب، وإن هذا طبيعي نظراً لتاريخه المرضي. هكذا أنهى جملته. ولكنّ هذه المفكرة أصابتني بالارتياب. حللتُ النص قطعة قطعة. لا بدّ أن يكون هناك استخلاص، وإلّا فلمَ مررها إليّ؟

تعود إليّ الآن علب الدواء الفارغة التي وصلت إليها يداي العابثتين في طفولتي ومراهقتي. كانت أمي تأتي مهرولة لتضربني وتنزع من يدي العلبة وتعيدها إلى الخزانة العالية في الدولاب، لأنه كثيراً ما كان ينسى العلبة ولا يعيدها إلى خزانة الأدوية. كبرت وصار طولي يسمح لي بالوصول إلى الخزانة. رحلت أمي وأصاب الشللُ أبي، وما عادَ يمنعني أحدٌ من استكشافها. ولكني لم أفعل ذلك، كنت أعلم أنه مصاب بشيء آخر. أعلم أن الخزانة لا تحمل أخباراً سارة ومعرفتي لن تفيد البتّة، بالعكس ستصيبني لعنة المعرفة. ولكني لم أتخيل أن معاناته مع نفسه كانت بهذا العمق. حتى لو انفصلت عنه تماماًوأسّست حياة بعيدة، ستظلّ تزعجني حقيقة أنه لم يكن راضياً عن نفسه وعن العالم. هل يعلم أني كنت أزور طبيباً نفسياً لفترة، وأني تناولت الأدوية لسنة تقريباً، وما زلت لا أجد هذا الوفاق مع العالم؟ لن يدرك ذلك أبداً، ولو عاش مائة عام لم يكن ليسأل. لماذا ينتابني إذاً إحساس التقاعس المزعج؟ هل كنت سأنقذه مثلاً؟ يجب أن أتخلى عن الشعور الساذج بالبطولة. أبي إنسان هشّ مثل كل البشر قبل أن يكون أبا. وإنْ هزمت الحياةُ شخصاً مثله، فماذا ستفعل بي؟ 

الصفحة الثالثة

قصيدة القنفذ
سابقاً
كنت أقفز من الطابق العاشر
ولا يكسر لي عظم
واليوم تتهشّم أضلعي
من ركوب المترو
لم أختبر الطيران يوماً
لي جناحان
ضمرا من التمدد في الفراغ
فمنذ ولادتي والسماء محظورة
أمس كنت غراباً جميلاً
أما اليوم فأصبحتُ قنفذاً يرمي الحياة بالشوك.

في ماض لم يحدث
كنت أسيرُ بمحاذاة الأشجار
وأترك أوراقها تتخلل يدي
وأشتمّ رائحة الطبيعة
اليوم لا أجد في طريق العودة
سوى الحوائط الإسمنتية
صلبة لا تدلل كفَّ أحد
وأتنفس صراخ عمال المصانع
يصعد ببطء من مدخنة الغازات. 

متى كان أبي يقفز من الطابق العاشر بخفة كما يصف؟ رأيت نسخة أخرى من الغضب والوحدة. هذه أول مرة يذكر فيها الماضي عموماً. لا، لا، تذكرت الآن أنني حين كنتُ مراهقا في الرابعة عشرة كنا في رحلة إلى بورسعيد حيث كانت كل مصايفنا في شاطئ بابيل. كنت أشعر بالوحدة لأن كل أصدقائي يذهبون إلى الإسكندرية أو الغردقة، بورسعيد ليست مصيفاً تقليدياً لغير قاطنيها. لكنّ والدي كان مصراً على المدينة والشاطئ بالتحديد. كنت أجلس ملولاً غاضباً، أنتظر أية فرصة للانتقاد والسباب في الشاطئ والمدينة وأشكو الوحدة وقلة الأصدقاء، فيما يجلس هو وأمي معاً في أجواء تفتقد إلى الحميمية. وكأننا ثلاثة أفرادٍ غرباءَ مضطرين إلى أن نترافق.

استحضرَ هذا النص ذكرى محددة: كانت أمي في الشاليه تعدّ الغداء، وجلستُ أنا أحفر حفرةً عميقة في الرمل بالتزام شديد لأختبئ داخلها. أما أبي، فكان جالساً بالشورت الأزرق والتي شيرت القطني الأبيض وقبعته المحببة المسماة بالفلات كاب التي تشبه قبعات لينين، يقرأ كتاباً ويدخّن سيجارة كعادته. فجأة طوى الكتاب وبدأ يهمهم برأس منكس فنظرت نحوه وسألته: بتقول حاجة، مش سامعك؟ ردّ وهو ينظر إلى ما وراء الأفق متأملاً: عارف يا مهند، الشط والبحر دول حتة من الجنة، ما يقدّرهمش غير اللي اترمى بين أربع حيطان زي الكلب. إنك تبص للسما ومتلاقيش حاجة تقطع رؤيتك وتبص يمينك وشمالك ومتلاقيش حيطان تحبس روحك، هي دي الجنة. الجنة إني أطلع أجري فجأة لحد ماتعب وأنام على الرمل. الشط ده أنا بحبه لأنه أول شط زرته بعد ما. وصمت. سألته بعد ما ايه؟ فردّ: تعالى يا مهند أنا عاوز أحضنك. ذهبت نحوه مستغرباً، فالعناق لم يكن على جدولنا التقليدي. سرت نحوه ببطء وتركت عناقه يغلق مجال رؤيتي، أشتمّ رائحة جسده الممزوجة بالرمال وجسده المهتز من البكاء. ظلّ يعتذر إليّ طوال المعانقة دون أن يذكر سبب الاعتذار. لم أفهم شيئاً وتركني هو فجأة عندما ظهرت أمي التي نظرت إليه بلوم وكأن هناك سرّا لا يجب أن يفشيه، ودخلتْ في مواضيع عشوائية لنتخطى قسراً تلك اللحظة الغامضة.

استعصى عليّ العناقُ حينها كما تستعصي علىيّ القصيدة اليوم. لماذا يحبّ أبي الطرق الملتوية، لا يقول ما في نفسه بشكل مباشر، بل يعبّر عنه بالنظرات والإيماءات؟ والآن يختبئ وراء ستار الأدب والشعر. 

شعرت بالدماء تغلي في عروقي، وبدأت في تكسير مقتنيات المنزل من حولي. بدأت بكؤوس «النيش» العتيقة التي أحبّتها أمي. ففكرت، لماذا أصبّ غضبي على ما يخصّ أمي من البيت، فيما أبي هو مكمن غضبي؟ وجّهتني تلك الخاطرة نحو الفيديو القديم المعطل منذ أن وعيت على الدنيا، يتوسّط الصالة بصمت مثل الكاهن. سألتُ أبي عنه مراراً من باب الفضول، هل يعمل؟ وكان يردّ دائماً بأنه معطل وأن هناك شريطَ فيديو عالقا فيه وأنه لا يريد إخراجه بقوة الكسر. حمى أبي الجهاز طوال حياته وقرر التضحية بالشريط الغامض. نظرت نحو الفيديو بغضب وأمسكته وقذفت به أرضاً. أكملت المهمة بقدمي التي هوت عليه، لقد فقد قدسيته، فقد مات من كان يحميه. بعد الضربة السابعة تقريباً بدأ شريط الفيديو المقدس في الظهور مثل عملية ولادة قيصرية معقدة. أمسكت الشريط إلا أنني لم أهشمه إذ لا بد أنه يحوي شيئاً. 

حادثتُ صديقاً واستعرت منه جهاز الفيديو الخاص به. قطعت استغرابه من طلبي هذا، فقلت له إني أريد رؤية بعض ذكريات العائلة. يقف أبي وسط عشرات من الشباب والشابات، تلتقطه كاميرا مهتزة، ويظهر تاريخ الفيديو في أسفل الشاشة 21/3/1960. يتحدّث أبي متحمساً بالإعلان عن جماعة «الفن الوضيع». كان ثمة مشكلة في صوت الفيديو، ولكني سأصف المشهد كما رأيته: الجميع يرتدي بنطال الشارلستون الواسع وقمصاناً زاهية ولهم قصات شعر هيبزية. يرتدي أبي نظارة تحتلّ ثلث وجهه وفي فمه سيجارة طويلة وينطق بالتالي:
«أقف اليوم بينكم لأعلن ولادة جماعة الفن الوضيع لتكمل مسيرة جماعة الفن والحرية السريالية التي دشنها العظماء رمسيس يونان و… حنين وكتب فيها كامل الـ… وألبير قص… في الأربعينيات، ناضل هؤلاء بالفن والخيال في وسط مجتمع… وسلطة…، والآن، بعد مرحلة جديدة شهدتها مصر بعد… 1952، وبعد تعرض الفن والثقافة لوابل من الـ… والـ…، نعلن إنشاء جماعتنا لتكون… لكل راغب في الـ… بعيداً عن الـ…، نؤمن بالفن الوضيع في مقابل الفن المؤدلج الهادف لـ… وتقوية سلطة الـ…، أعلن اليوم أنا الكاتب عباس العطار موجة جديدة لـ… في مصر».

الصفحة الرابعة

الحزن مطرقة نحاسية
صنعت منذ ألف عام
عاشت بينما فنيَ صانعوها
تشعر بالاغتراب والفزع
وعندما يمسكها أحدهم
تصيبه بحزن غامض
كأنه قادم من زمن آخر
عبر المطرقة.

القلق باب حديدي أصمّ
وسط صحراء مديدة
بلا نُحُوت أو زينة
لا نعلم من بناه ولكننا وجدناه
كلما أحدث أحدهم فجوة خلاله ليعبر
أغلق خلفه بلا عودة.

مضى وقت طويل منذ آخر مرة كنت فيها وحدي في المنزل. كان أبي ملتصقاً بحوائط المنزل مثل العنكبوت. تركتُ باب غرفتي مفتوحاً وغرفته تواجهها تماماً. كان باب الغرفة الموصد مشهداً متكرراً في الصباح عندما أخرج وفي المساء عندما أعود. والآن، وقد ترك غرفته للأبد، أنظر نحو حجرته المشرعة وقد بدأ ظلامها يصبح موحشاً. توهّمت لوهلة صوته يناديني، مهند، ترجّلت نحو غرفته وضغطت زر الإضاءة ببطء ولكني لم أجد أحداً. جلستُ على سريره وشعرت برعشة في جسدي وازدادت خفقات قلبي. شعور غريب يغلف الحزن، لم أستطع وصفه باللغة. منهك أنا، سأنام. في سباتي، رأيتُ أبي يسبح في البحر وأنا على الشاطئ القديم في بورسعيد أدخن سيجارته وأرتدي قبعته، وجسده يبتعد في البحر ويتضاءل. أشعر بالخوف وأناديه، لكنه لا يسمعني. الغريب أن المصطافين الآخرين لا يأبهون، وكأنهم لا يروننا. أحاول الصراخ واستجداء المساعدة ولكنهم لا يرفعون أعينهم نحوي. نحن وحدنا تماماً. أبدأ بالشك إن كنتُ موجودا حقاً بينما يبتعد أبي أكثر. كيف فشلت في إنقاذه؟ دفعتني كثرة الأسئلة وغياب الأجوبة لأترجل وأمد يدي نحو خزانة أبي، وكان أول ما لامس يدي قطعة ورق مقصوصة من صحيفة الأهرام بتاريخ 5 يناير 1961 تحت عنوان: «القبض على أعضاء تنظيم يساري متورط في سرقة قطعة أثرية!».

نجحت الأجهزة الأمنية في القبض على تنظيم شيوعي قام بسرقة تمثال بحجم كف اليد للإلهة «سخمت» من المتحف المصري بالتحرير. اللواء محمد المخزنجي صرّح بأن التحريات أثبتت أن التنظيم المتطرف أعلن عن نفسه العام الماضي ببيان يرفض فيه الفن ويروّج لأشكال غريبة تخالف قيم المجتمع المصري وتدعو للفوضى، وأن القطعة المسروقة كان مخططاً لها أن توضع في افتتاح معرض فني كان من المفترض أن يُقام خلال أشهر. نجحت الأهرام في الوصول إلى المتهم الأول في محبسه بسجن أبو زعبل بمحافظة القليوبية، عباس العطار، شاب في الرابعة والعشرين من عمره يقطن في مصر القديمة، وهو كاتب مغمور ورسام. أنكر كل الاتهامات الموجهة إليه، وأفاد أنهم حركة فنية وسياسية وليسوا لصوصاً، وقد قررت النيابة حبسه وزملاءَه خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق.

شعرتُ بخدر النوم يمتزج بالحزن فاستسلمت. استيقظت في اليوم التالي ببذلة العزاء السوداء والصداع يضرب رأسي بمجرفة. جررت جسدي نحو المطبخ وأعددت فنجان قهوة ثم جلست على طاولة الطعام، وعلى عكس عادتي لم أفتح التلفاز أثناء فقرة الكافيين بل فتحت المفكرة.

الصفحة الأخيرة

4 يونيو 1991
عزيزي مهند، أنا آسف. أعلم أنك انتظرت اعتذاري كثيراً. رأيتها في عينيك، أنت نقيضي، تفصح ملامح وجهك عن مشاعرك دون أن تتحدث، وأظنني أجيد قراءة العقول. أورثتك قمع المشاعر، أعلم ذلك، ولكني لم أقصد. ماذا أورثتك؟ اكتئابي أم قلقي أم الهزات النفسية العنيفة؟ كانت أمك نفسها لا تعلم ما بي. تزوجنا لأن أبي كان يعرف أباها. كنت في بدايات شبابي متمرداً، ولكني عدت إلى المنزل بعد سنوات من العصيان مهزوماً. عشت أنا وأمك حياة رتيبة، كانت بسيطة ومحبة للحياة، ولكني أفسدت حياتها ومزاجها، وفي لحظة كالحلم أغمضت عيني وفتحتها، فوجدتني أباً.

عشت شبابي ثورياً جامحاً، فعلنا أشياء لن تصدقها إن رويتها لك. انتهت تلك المرحلة بكابوس الاعتقال. ألقوا بي في زنزانة ونسوني هناك خمسة أعوام. خرجت لا أعلم وجهتي. ضغط الانتظار على عقلي حتى انفجرت عصارته في الزنزانة. ماذا يفعل الإنسان عندما يشعر بالضياع؟ يعود إلى المنزل الوحيد الذي يعرفه. عدت إلى منزل أبي مشوشاً وخضعت له تماماً. مهند، هكذا سميتك، على اسم رفيق زنزانتي، الذي لولاه لجُننت من أول يوم. كان يحكي لي القصص يومياً، الخيالية والواقعية. منذ خروجي من السجن لا أعلم عنه شيئاً. للأمانة، لم أبذل مجهوداً للتواصل، كان لدي رغبة في طيّ ما حدث خلفي. على قدر ما تجاهلت الماضي، كانت تزورني أشباحه على هيئة نوبات انهيار تامة تسقطني في حفرة مظلمة، أنسى اسمي ولغتي ومن حولي، وأبدأ بالهذيان. كنتُ أشعر بالنوبات قبل بدئها. إذا وصلتك تلك المفكرة فقد رأيت شوقي. كان زميلاً من المعتقل أيضاً، هو وأمك الوحيدان اللذان يعلمان تفاصيل النوبات. كلما شعرتُ باقترابها، كان يذهب بي إلى المشفى. أظنك لاحظت الأوقات التي كنت أختفي فيها وأعود هادئاً. كنت أخاف عليك. أعلم أني أفسدتُ علاقتنا بسبب تقلباتي المزاجية ورغبتي العاتية في إدارة حياتك، ولكني كنت أتوهّم أنك ستضيع إنْ غفلت عنك، مثلما ضعت أنا. كنت أخاف أن تصدق أوهام العالم فتلعن مثلي. كنت أشعر وكأنني قبطان سفينة غفا أثناء قيادتها، ثم استيقظ ليجد السفينة تصطدم بجبل جليدي.

Author

كاتب مصري وُلد في اليمن، ويعيش في القاهرة. يكتب لعدة مواقع ومجلات عربية، وصدرت له دراسة «بعلم المجتمع» عن مؤسسة قضايا المرأة المصرية (2002) بالإضافة إلى عدد من التعاونات البحثية مع مؤسسات المجتمع المدني.

كاتب مصري وُلد في اليمن، ويعيش في القاهرة. يكتب لعدة مواقع ومجلات عربية، وصدرت له دراسة «بعلم المجتمع» عن مؤسسة قضايا المرأة المصرية (2002) بالإضافة إلى عدد من التعاونات البحثية مع مؤسسات المجتمع المدني.