Skip to main content

Translations | ترجمات

بين المجاز والمجازر

CONTRIBUTOR
المساهم/ة
Samir Skayni | سمير سكيني and محمد الكرد

TRANSLATOR
المترجم/ة
سمير سكيني

WRITER
الكاتب/ة
محمد الكرد

TAGS
الوسوم
web-featured

SHARE POST
للمشاركة
CONTRIBUTOR المساهم/ة
Samir Skayni | سمير سكيني

كاتب وصحفي في بيروت، له يد في الفنون ويد في السياسة. تنقّل بين اختصاصَي الهندسة المعمارية والفلسفة في الجامعة اللبنانية، قبل أن يرسوَ في عالم الصحافة. نشر عدّة مقالات ومساهمات حول مواضيع اجتماعية- نفس اجتماعية- سياسية- ومتابعات للنشاط الطلّابي في لبنان، وذلك في عدّة مجلّات ومواقع. صدر له كتاب «الأقحوان ينبت في الشيّاح» (2018) وكتاب «نهار أحد» (2020)، عن دار الفارابي. *   Samir Skayni is a journalist based in Beirut, with his writing partner: Simba (a long-haired creature). He moved between the disciplines of architecture and philosophy at the Lebanese University before finally settling in the field of writing. He has published two novels with Dar al-Farabi: The Chrysanthemum Grows in Shiyah (2018) and Once Upon a Sunday (2020). He is currently working on a third project exploring the concept of “the atrocious” in the region.

Samir Skayni | سمير سكيني
محمد الكرد

شاعر وكاتب وصحافيّ ولد وترعرع في القدس المحتلّة. هو أوّل مراسل لفلسطين لدى مجلة «ذا نيشن»، ويشغل منصب محرّر حرّ في منصّة «موندوايس». سُمّي سنة 2021 ضمن قائمة مجلة «تايم» لأكثر مائةِ شخصٍ تأثيرًا في العالم. نال الكُردُ العديدَ من أوسمةِ التكريم والجوائز، وقد ألّف الديوان الشعريّ «رفقة» الذي تُرجمَ إلى عدّة لغات وحظيَ بإشادةٍ واسعة.

WORKS BY THIS CONTRIBUTOR
أعمال للمساهم/ة
محمد الكرد
Translations | ترجمات

بين المجاز والمجازر

ننشر فصلاً من الترجمة العربية لكتاب محمد الكرد Perfect Victims and the Politics of Appeal ومقتطفاً من مقدمة المترجم سمير سكيني بالتعاون مع دار الآداب والتي صدرت عنها الترجمة في حزيران يونيو 2026.

كلّ عنفٍ ممارس في بقعةٍ ما، يفيض إلى خارج هذه البقعة بأشكالٍ متباينة، غالبًا ما تكون أقلّ عنفًا. قد يكون هذا الشكلُ صدىً للعنف نفسه، قد يكون تمييعًا له أو نواةَ عنفٍ أعظم. ثم قد يكون فعلًا مسيّسًا — مظاهرات أو عملًا مباشرًا أو تنظيمًا — وقد يكون إنتاجًا فنّيًّا، أو ثقافيًّا، أو حتّى تجاريًّا. ولا شكّ أنّ هذه المعادلة انطبقت على الحالة الفلسطينيّة تاريخيًّا، وأخذت تتكثّف ما بعد السابع من أكتوبر 2023.

لستُ أصنّف هنا الإنتاجات التي رأيناها في السنتَين الأخيرتَين، أيّها «حَسنٌ» وأيّها «عاطل». لستُ في هذا الموقع. ثم أنّه، مقارنةً بالواقع نفسه وبالعنف الإسرائيليّ نفسه، تبدو كل هذه الأعمال باهتةً للغاية. لكن على الأقلّ، يمكن ترتيبها وفق معيارٍ «عمليٍّ» أكثر: أيّ من الإنتاجات يرفع السقف، وأيّها يدور تحت سقف المسموح. أيّها قد يحمل تأثيرًا على العنف الأوّل، ولو أثرَ فراشة، وأيّها يدور في ملعبٍ آخر. وإنَّ تحديد هذا السقف بنفسه محطّ جدال. فالمهمّة صعبة، خاصّة أمام سياق يتخطّى العنف — سياق، أقلّ ما يُقال فيه، إنّه إباديّ.

على المقلب الآخر، عند موضَعة هذا العمل الذي بين أيدينا — «الضحايا المثاليّون وسياسات الاستعطاف» — ضمن مُجمَل ما أُنتج في الفترة الأخيرة، وتحديدًا ضمن ما يتعلّق بـ«الخطاب»، وتحديدًا في الغرب، يمكن بسهولة ضمّه إلى فئة الأعمال التي تزعزع سقف المسموح، وتُعارك قواعد الاشتباك الخطابيّة المحدَّدة سلفًا، وهي القواعد عينها التي استُخدمَت بالمناسبة (هناك) لتبرير العنف الممارَس (هنا). من هذه الزاوية، يكتسب هذا الكتاب أهميّته.

بشكلٍ مختصر، يعيد الكتاب مساءلة البديهيّات. وبتوسيعٍ إضافيّ، ينزع كومةَ أفكارٍ من حيّز المسلّمات والتلقائيّة، ويدعونا إلى إعادة النظر بعباراتٍ وحججٍ نطلقها وكأنّها عين البداهة. من حيث المنطق، يبني الكرد حججه وفق مبدأ رفع السقف، وتحت عنوانٍ عريض: «حتّى لو!» Even if. حتّى لو صحّت الاتّهامات التي تُسقَط على الفلسطينيّ لكونه فلسطينيًّا فحسب، فهذا لا يُجيز أيًّا ممّا يُرتكَب تحت هذه الذريعة. حتّى لو صدق المحتلّ — وهو لن يصدق، فهذا لا يُضفي أيّة شرعيّة على احتلاله.

يفكّك الكرد بنى السلطة الحاضرة في خطاباتٍ تبدو، للوهلة الأولى، مُحايدة؛ كما يسخِّف خطاباتٍ أخرى تبدو بظاهرها جبّارة، متينة، لكنّها بالحقيقة قائمة على المغالطات والتوتولوجيا. لا يكتفي الكرد بتفكيك خطاب العدوّ. لا يهتمّ بذلك، بل يصبّ جهده على تفكيك ردودنا نحن أمام هذا الخطاب، واستراتيجيّات انخراطنا نحن بالشأن العام. ولعلّ ذلك هو ما يحتاج اليوم إلى تحديثٍ ومُساءلة ومراجعة وإعادة تقييم، على ضوء التوحّش الذي صُبّ علينا في السنتَين الأخيرتَين. هل يستحقّ، هذا التوحّش، أن نهادنه في موقعٍ ما، لتحقيق «مكاسب» في موقعٍ آخر؟

من حيث الفصول، ينطلق الكتاب من سؤال «نزع الإنسانيّة» الذي راج في السنتَين الأخيرتَين، و«الاستصغار الدائم للإنسان المُجرَّد من إنسانيّته»؛ ثم يراجع الاستراتيجيّات التي يعتمدها بشكلٍ أساس المتضامنون مع الفلسطينيّين خلال عكس هذه العمليّة، أي خلال عمليّة «الأنسنة»؛ تلك الاستراتيجيّات القائمة على سياسات الاستعطاف، وسبل تحقيق صِفة الإنسان فقط بعد طقوسٍ من التطهير والإخضاع ونزع الأنياب. ثم ينتقل إلى مساءلة الثقل الذي يُلقى على خطاب الضحيّة، مقابل الخفّة التي بها يُغَضّ النظر عن عنف الجلّاد، قبل أن يفكّك مفهوم «الضحيّة المثاليّة» المُنتظَرة، وينطلق في رحلةٍ للبحث «عمّن يملك الإذنَ ليروي». في الختام، يتناول الكرد المعايير التي تحدّد مصداقيّة خطابنا، ويعرض تساؤلاته عن الهويّة والتشتّت والنوايا والرغبات، وعن السخرية كأداة… والأهم، يسوق الكاتب كلّ ذلك لا عبر النقض فحسب، بل أيضًا عبر اقتراح ممارسةٍ بديلةٍ نستعين بها لمواجهة ما تمّ تفكيكه للتَو.

ومع انتهائي من الترجمة، أعرض خمس ملاحظات تُساهم في مَوضعة النسخة العربيّة من «الضحايا المثاليّون»، وتفتح النقاش على بعض إشكاليّات ترجمة العمل.

الوقت من دم، لا من ذهب

قد تكون هذه أكثر خلاصة فاقعة لترجمة هذا العمل في هذه الأيّام.

فالكتاب ليس محصورًا باللحظة الراهنة، ولا يعلّق على أحداثٍ بعينها؛ إنّه يشتبك مع خطاباتٍ انتشرت مؤخّرًا ولكن يمكننا، على ضوئها، مراجعة ما انقضى واستباق نقاشاتٍ مقبلة. الكتاب «متحرّر زمنيًّا»، ومع ذلك، سيُلاحظ القارئ في الهوامش أو حتّى في متن النَص، تعقيباتٍ مزدوجةً ترصد تطوّر الأحداث — الفظيعة بمعظم الأحيان. المرّة الأولى من جهة الكاتب والثانية من جهة المترجم.

فعلى سبيل المثال، عند وقفةٍ احتجاجيّةٍ يذكرها الكرد في الفصل الثامن، كانت إسرائيل قد قتلت 37 صحافيًّا فلسطينيًّا، ومصوّرًا لبنانيًّا ؛ ثم يعقّب أنّ العددَ ارتفع، حتّى لحظة الكتابة عن الوقفة، إلى 175 صحافيًّا. ثم أُعقّب بدوري أنّ حصيلة الشهداء الصحافيّين قد ارتفعت، عند الترجمة، إلى 254 شهيدًا — دون أن يفصل بين اللحظات الثلاث سوى أشهرٍ معدودة، بل حتّى أسابيع.

الوقت من دم. فمنذ السابع من أكتوبر وحتّى كتابة الفصل الثامن نفسه، قُتلَ ستّون أسيرًا سياسيًّا فلسطينيًّا على الأقلّ، ليرتفع العدد إلى 78 أسيرًا شهيدًا عند الترجمة (الرقم المُعلَن رسميًّا فقط) . كذلك كان الاجتياح الإسرائيليّ البرّيّ للبنان من حدوده الجنوبيّة يُشَنّ لحظة الكتابة، ويتمّ التصدّي له، ليكون هذا الاجتياح قد انتهى لحظة الترجمة، مفسحًا الطريق أمام شكلٍ دمويٍّ آخر من الحروب الأُحاديّة: اتّفاق وقف إطلاق نار لم تلتزم به إسرائيل. ولكن بعض الأمل ينبت بخجل هنا وهناك، فصاحب الإهداء، الباحث والناشط عمر الخطيب، كان معتقلًا لحظة الكتابة، ليخرج من زنزانته أثناء الترجمة.

وعند لحظة القراءة، الأرجح أن تكون السياقات الواردة في هذا الكتاب قد ازدادت دمويّةً، وأن تكون حصائل الضحايا قد ارتفعت، طالما أنّ إسرائيل تمضي في توحّشها بلا رادع.

الجمهور المُخاطَب

الملاحظة الثانية، وهي تشمل بدورها المَوضعة الثانية المُفترَض التوقّف عندها، أنّ النسخة التي بين أيدينا تتوجّه إلى مَن يقرأون باللغة العربيّة، بينما كُتب النصّ الأساس باللغة الإنجليزيّة، وبمنطقٍ يتوجّه إلى مَن يقرأون بالإنجليزيّة، فلنقل إلى «الغرب» عمومًا. الفرق بين النسخة الأصليّة إذًا وهذه النسخة المترجمة ليس فرقًا لغويًّا وحسب.

معظم النقاشات التي يطرحها الكرد في هذا الكتاب تشكّل محاور الاشتباك الإعلاميّ / النظريّ في الغرب، وتدلّل على هواجس الفلسطينيّ / العربيّ / المتضامن المتواجد في هذا الغرب، بينما تكاد تمثّل نقاشات ثانويّة في عالمنا العربيّ. حتّى أنّ الكاتب، وفي معرض تفكيكه رسالةٍ كتبها مثقّفون فلسطينيّون باللغة الإنجليزيّة، لإدانة تصريحاتٍ معادية للساميّة صدرت عن مسؤولٍ فلسطينيّ، يُشير إلى أنّه «أدرك، مجدّدًا، أنّ هذه هي قواعد الاشتباك في الغرب»، وهي ليست بالضرورة قواعد الاشتباك خارجه — بل إنّ الدعاية الإسرائيليّة تستغلّ مرارًا واقع أنّنا نغضّ نظرنا عن هذه القواعد فتُهاجمنا، في السياقات الغربيّة، على أساس كلامٍ ورد في السياق العربيّ.

أمّا حول الموضوع الأساسيّ للكتاب، فأُغامر بالقول إنّ خطاب «الأنسنة / نزع الأنسنة» برمّته، غير محوريّ في النقاشات المفتوحة في المنطقة العربيّة، ولسببٍ بسيطٍ يتعلّق بقربٍ مُفترَض من الموضوع الذي يعرض الكرد سبل نزع الإنسانيّة عنه، وكيف تدور بالتالي محاولات «أنسنته» من جديد. بشكلٍ عام، في هذه المنطقة العربيّة، نحن لا نفكّر بالفلسطينيّ على أنّه «آخر» أو بعيد أو أدنى من إنسان — ولو أنّ تواطؤ أنظمة عربيّة مع الاحتلال يدفع شرائح من الشعوب العربيّة إلى ذلك التفكير.

في الفصل الثالث، يفكّك الكرد «اختراع المدنيّ»، والسِمات التي تُلصَق بالفلسطينيّ (بعد أن يموت، وبالأحرى يُقتَل) بهدف جعله «إنسانًا». بالتوازي، يفكّك التقنيّات الإسرائيليّة في ذرّ الرماد بالعيون، وينتقد انشغال الجمهور المتضامن بتفنيد الافتراءات الإسرائيليّة عوضَ صدّها من الأساس. على سبيل المثال، وبعد أن يُقتَل فلسطينيٌّ بزعم تنفيذ عمليّةٍ ما، «نستهلك وقتنا في البحث عمّا إذا كانت السكّين قد زُرعَت بالقرب من الشهيدة — وهو ما يحدث غالبًا — بدلًا من أن نفكّر بالأسباب التي دفعت بالشهيدة إلى حمل السكّين في المقام الأوّل».

شيءٌ مثير للاهتمام يظهر هنا. فالجمهور الذي يُخاطبه الكرد يميل بالعادة إلى طرح مثل هذا النوع من التساؤلات، ويرمي إلى الخلفيّة السياق الذي أوصل إلى هذه الوضعيّة. صحيح. معزولةً عن سياقها، توشك العمليّة الفدائيّة أن تبدو جريمةَ حرب، وأن تغدو المقاومة إرهابًا… ويمضي الكرد إلى تتبّع «شيطنة» الضحيّة عندما لا تكون مثاليّة؛ ولكن، كيف نتفاعل «نحن» مع الضحيّة إيّاها؟

نادرًا ما نُشيطن الضحيّة ولكنّنا، على النقيض من ذلك، ننحو صوب «أبطَلةٍ» ما. فعندما يزعم جيش الاحتلال أنّ المقتولة كانت تحمل سكّينًا عند الحاجز ولهذا قُتلَت؛ عوض الانشغال في «البحث عمّا إذا كانت السكّين قد زُرعَت بالقرب من الشهيدة…»، يُصار إلى تبنّي الزعم مباشرةً، والتأكيد على أنّها كانت بالفعل تحمل سكّينًا، وأنّها بالفعل كانت تطعن جنديًّا، ويسارع الشارع العربيّ إلى تحويل الضحيّة إلى بطلة. ورغم كل التفاوت بين الأبطَلة والأبلَسة (أبسطها أنّ الأولى غالبًا ما تنبع من نيّةٍ حسنة)، إلّا أنّهما تتقاطعان في نقطةٍ محدّدة، وهي رمي الفلسطينيّ في مجالٍ «أسطوريّ» (فلنقل: الأسْطَرة): مرّةً يكون فيه أقلّ من إنسان فيصلح قتله، ومرّةً يكون فيه أبعد من إنسان فيُغرينا أن نضحّي به على مذبح رغباتنا وحاجتنا إلى المزيد من التشويق في ما نخاله فيلمًا نشاهده.

أمثلة الطعن والحواجز وزرع الأدلّة ورمي الادّعاءات وتفاعل «الجمهورَين»، كلّها تُبرز تفاوتًا في النقاش بين «هنا وهناك». وإذ تُخاطب معظم نقاشات الكتاب الجمهورَ الغربيّ (على ما أفترض)، فهذا لا يعني أنّ المنطق نفسه، مُتَرجَمًا إلى العربيّة، سوف يُخاطب الجمهور العربيّ تلقائيًّا. تُنتَج فجوةٌ هنا، والقارئ مدعوٌّ إلى التوقّف عندها واستخلاص العبر منها، عوضَ التعامل معها كحيّزٍ سلبيّ.

يمكننا أن نُلاحظ، مثلًا، «الجهد» المبذول في هذا السياق من أجل تحويل الإنسان الفلسطينيّ إلى… إنسان. هذه الفكرة تجعلنا من جهة نقدّر التزام المتضامنين وحسن نواياهم؛ ولكن من الجهة الأخرى، عند ملاحظة سهولة نزع الإنسانيّة عنّا، فمن شأن هذه الفكرة أن تمزّق «صورة الغرب الإنسانيّة» لدينا. وهكذا، يبدو «أنّ مشروع الأنسنة هو، في غالبيّته، من تفويض طبقة معيّنة»، بل حتّى من تفويض مجتمعات معيّنة، وأنظمة معيّنة.

تفاوت مستويات النقاش

عند التحديق بهذه الفجوة يمكن مُلاحظة الجهد النظريّ الذي أنجزه الكرد لتفكيك خطابٍ كاملٍ مسنودٍ من أعتى الامبراطوريّات الإعلاميّة. والأهم: جهد طرح خطابٍ بديل، ودعوته إلى تكريس «ممارسة متجذّرة بالكرامة: ممارسةٌ لا نحاول فيها أن نقنع الجلّاد بالتخلّي عن سوطه، كما كنّا نفعل لعقودٍ خلَت؛ ممارسةٌ تسود فيها النظرة والقراءة النقديّتَان؛ ممارسةٌ، يكون فيها الفلسطينيُّ الفاعلَ الأساسيَّ، ذا سيادة، تُروى قصّته الحقيقيّة بدقّةٍ وأمانة، مهما كانت طريقة تلقّيها من قبل الجمهور الأجنبيّ — عوضًا عن أن يكون مجرّد غرَضٍ استراتيجيٍّ في فيلمٍ أو مقال».

خلال قراءة الصفحات التالية، سنلاحظ كم هو متقدّم مستوى النقاش، بين الكاتب والجمهور الذي يُخاطب. وكيف يعكس الكتاب نقلةً خطابيّةً في الغرب، وكيف أنّه نتاجٌ لهذه النقلة ومساهمٌ بها في الوقت نفسه.

مقابل هذه النقلة هناك، ومقابل ما يُمكن تسميته بحذر «تبدّلٍ في السرديّة»، ما يزال الخطاب العربيّ المتعلّق بفلسطين عالقًا بالرمال ذاتها، وقد تدهور في بعض المواضع، وأصبح أقرب إلى مجموعة كليشيهات وشعارات رومنسيّة معظمها من حقباتٍ ماضية، تنتهي في آخر المطاف إلى شعورٍ بالرضى والاكتفاء، أو جلد الذات، أو التسليم والتقاعس عن إنتاج أيّ خطابٍ جديد، فضلًا عن أيّ ممارسة جديدة. وهكذا تُفتَح الشاشات لمحلّلين يمكننا أن نخمّن سلفًا العبارات التي سوف يرمونها، من «لعنة العقد الثامن» إلى أنّ «إسرائيل على شفا حرب أهليّة»، إلى «انهيارها الوشيك»، إلى رمنَسَة المقاومة وتجاهل ظروف عملها التي تفضح تخاذلًا واسعًا، ثم تثمين مآسي الناس على مذبح «الاستراتيجيّ / التكتيكيّ»… كلّ هذه الرَطانة، مقابل جيشٍ إباديّ يعدّ العدّة يومًا بعد يوم للاستيلاء على المزيد من الأراضي والحيوات في المنطقة، كل المنطقة، بواسطة تكنولوجيا تبدو مستورَدة من مستقبلٍ ديستوبيٍّ، وماكينة إعلاميّة تضخّ المليارات لتلطيف هذا التوحّش. إنّنا مدعوّون إذًا، أثناء قراءة الصفحات التالية، إلى معاينة فجوة الحيويّة الخطابيّة بين هنا وهناك؛ ثم إنّنا مدعوّون، عند توقّفنا عن القراءة، إلى معاينة الفجوة بين ممارستنا وممارسة العدو.

ثم هناك ما استوردناه في خطابنا العربيّ من الغرب، بلا سببٍ منطقيّ، بما جعل سقف الخطاب عندنا أدنى ممّا ينبغي. مثلًا لناحية تجريد الخطاب والاتّكال على الترميز (البطّيخة والفراولة على سبيل المثال لا الحصر)، بينما بدأَت الشوارع المتضامنة في الغرب نفسه تبتعد عن هذه الرموز، وتصرّ على تسمية الأشياء بأسمائها. من الغريب مثلًا، أن نرى مظاهرةً في عاصمة عربيّة، مع يافطة عليها بطّيخة. من الغريب أيضًا، أن يستبدل شاعرٌ عربيّ كلمة «غزّة» في قصائده بإيموجي الفراولة.

ربّما انكشفنا فجأةً أمام عالم السوشيال ميديا، وانغمسنا فيه وفق قواعده بلا نقدٍ أو مساءلة. ولكن من الغريب أيضًا، استيراد وسائط الأنسنة التي يعرضها الكرد في هذا الكتاب — مثل أن «نمشي مختالين بجواز السفر الأوروبيّ كما لو كان قطعةً من أدلّة البراءة. وأن نبدأ بتسمية الوظائف المرموقة، ونلوّح ببطاقات الصحافة والإفادات الجامعيّة وكأنّها تذاكر ذهبيّة»، أو التعديلات الأسلوبيّة التي دخلت على مرثيّاتنا. يخطر على بالي بالتحديد الشيخ خالد نبهان (مَن تحوّل اسمه إلى «روح الروح»)، وكيف أنّنا «وظّفنا» صوره مع حفيدته الشهيدة كي نقنع (نقنع مَن؟) أنّ شيوخَنا ليسوا بإرهابيّين، وأنّهم أحنّاء. يخطر على بالي «الاستثمار الإعلاميّ» المفرط بشهدائنا الصحافيّين، والتشديد على أنّهم «صحافيّون» إلى درجةٍ تمحو فلسطينيّتهم وفاعليّتهم السياسيّة وتحصرهم بمهنتهم. يخطر على بالي تكرار شعار «ليسوا أرقامًا»: إن كنّا حقًّا مقتنعين أنّهم «ليسوا أرقامًا»، فلماذا نكرّرها إلى هذا الحد؟ ويخطر على بالي طبعًا «اصطفاء الشهداء»، والبحث عن الشهيد الأستاذ الجامعيّ المتكلّم باللغة الإنجليزيّة، ومُدير المستشفى من بين الأسرى أجمعين، وصولًا إلى «البحث عن الجثّة الأجمل» والأكثر استدرارًا للعاطفة — غالبًا ما تعود لطفلٍ، للمفارقة، شعره أشقر (والأرجح، كيرلي). قد يبدو هذا الكلام لاذعًا أو مزعجًا للوهلة الأولى. أنا أيضًا أنزعج عندما أكتبه، وأنزعج عند التفكير بالموضوع. لكن يزعجني أكثر أنّنا رضخنا لـ«تراتبية الشهداء»، ورضخنا لـ«القصّة الإنسانيّة»، ورضخنا لمقارنة الفظائع، نزولًا عند ما يخدم الترويج لسرديّتنا بشكلٍ أفضل «هناك».

أترك التعليق على هذه الفكرة لمحمد، في الصفحات التالية.

في الأسلوب

يبقى أن أقف عند الأسلوب، وعمليّة «النحت» الحاضرة في هذا الكتاب. لا يطرح الكرد أفكارًا جديدةً بقدر ما يمنح شكلًا بيّنًا لأفكارٍ نعرف بوجودها من دون أن نتمكّن من الإمساك بها أو التعبير عنها بنفس الوضوح والسلاسة والحنكة التي عبّر الكاتب عنها. فهو قد تعلّم منذ نعومة الأظافر، كما يقول، «أن أمنح هذه العبثيّات شكلًا، وأن أصوغها وأركّبها بإنجليزيّةٍ مكسّرةٍ أمام دبلوماسيّين وصحافيّين أجانب، كانوا يقعدون في «خيمة التضامن»، يحتسون شاينا، و«يشهدون» على مأساتنا»، وإنّ هذه الظروف وهذه التشكيلات هي ما أعطته «الإذن بالسرد»، هي ما منحته لغةً تسمح له أن ينقل روايته إلى خارج الحدود المتعارف عليها. أن «يقحمها» تحديدًا. أضف إلى ذلك قدرته، بإنجليزيّته، على عرض النظريّ في قالبٍ نثريّ. وكذلك براعته، بأسلوبٍ خفيفٍ وأليف، في تفكيك حواجزَ خطابيّة ثقيلة يتفادى كثيرون عبورها، لكثرة الألغام فيها. بقليلٍ من الحذر وكثيرٍ من المغامرة، مشى الكرد في حقلٍ من الألغام الخطابيّة، ورسم خلفه طريقًا آمنًا. آمِن، إلى هذه الدرجة أو تلك: فهو يعلم أن كلامه «سوف يُجتزَأ من سياقه، ويُحرَّف، ويُشَوَّه»، ويسلّم بأنّه «لن يكون يومًا ضحيّةً مثاليّة».

من جهتي، حاولتُ قدر الإمكان المحافظة على هذه الخفّة، من دون أن أخفي سقوط جزءٍ من شاعريّة الكلام الإنجليزيّ خلال الترجمة، وأنّني اضطررتُ إلى التضحية بها في بعض المواضع بهدف التمسّك بالشكل المُعطى للأفكار بواسطة اللغة. وعليه، تبدّل أسلوبي في الترجمة بين طرفَين – الترجمة الحرفيّة والترجمة الحرّة – من دون مسوّغٍ منطقيّ، بل بصراحة بحسب الحدس ومزاج النَص. حينًا نقلتُ الكلام بالحرف، وحينًا شردتُ وحذفتُ أو أضفت ما ليس موجودًا بالصيغة الإنجليزيّة.

كذلك سيلاحظ القارئ، في بعض المواضع، أنّ النَص ينقلب فجأةً إلى ترتيبٍ عاموديٍّ، أقرب إلى الشعر كما نعرفه نحن. هذه العواميد ليست حاضرة بالنَص الإنجليزيّ، ولكنّي «شعرتُ» أنّ في هذه المواضع شردَ الكاتب وشرح فكرةً نظريّةً في قالبٍ نثريّ، و«شعرتُ» أنّ الترجمة الحرفيّة والأسطر الأفقيّة تقتل روح النَص. وقد حاولت ومحمّد العودة إلى هذه الفقرات وإعادة صياغتها على هذا الأساس. وسيلاحظ القارئ أنّ هذه التدخّلات حاضرة أكثر في بدايات النَص، وتتلاشى تدريجيًا نحو النهاية، وهو ما يعكس تبدّلات أسلوب الكتابة الذي يُشير إليه الكرد بنفسه، حيث اعتمَدَ «بعض النقلات المقصودة أو العفويّة، بين العربيّة والإنجليزيّة، والشعر والنثر، والصحافة والعمل السياسيّ، والكتابة الذاتيّة والسرد التقريريّ». كذلك عاد الكاتب، أثناء مراجعة الترجمة، إلى تنقيح بعض الفقرات هنا وهناك، ما جعل بعضها يختلف عمّا يُقابلها في النسخة الإنجليزيّة.

ملاحظة أخيرة في الأسلوب: عن استعانة الكرد الكثيفة بأدوات الحِجاج والبلاغة، من مجازٍ واستعارة ومن تسمية المغالطات والانحيازات… لهذه الأدوات عناوين مقتضبة متداولة بالإنجليزيّة، لا تجد مقابلًا مماثلًا بالعربيّة. cherry-picking لن تصبح «المحاججة بانتقاء الكرز» مثلًا، والـstrawman، لن تصبح «مغالطة رجل القشّ»، لذا ترجمتُها بما يشرح الفكرة لا العنوان وأضفت الهوامش للتوضيح حيث يلزم. عبر هذه الملاحظة، أردتُ فقط أن أُشير إلى أنّ الكرد يعرض أفكاره بقالبٍ تخصّصيٍّ ولكن لذيذ، يمزج الأدبيّ والنقد الأدبيّ، والنظريّ والصحفيّ وحتّى السيرة، بسلاسة.

الكتاب المفتوح

في الختام، أكرّر ملاحظة يوردها الكرد في مقدّمته: هذا الكتاب ليس دراسة، رغم أنّه من المغري التعامل معه كذلك. بيدَ أن نظرةً كهذه ستُقفله على ذاته، وستحرمه من الاحتمالات التي يحملها. ولا هو نظريّة متكاملة. لقد صاغ الكرد تساؤلاته بشكلٍ يسمح للقارئ أن يبني عليها ويوسّعها، وحتّى أن ينقضها، لكن على الأقل بعينٍ نقديّة. يحثّنا الكتاب على الاشتباك مع ما نتلقّاه، وعلى أن نصوغ أجوبتنا وأفكارنا بشكلٍ ندّيّ.

كما يأتي الكتاب ليساهم في تشكيل لغةٍ محدّثةٍ لتطوير القضيّة الفلسطينيّة، بهدف إقحامها في دوائر أوسع. بالمناسبة، يمكن القول إنّ محمّد وشقيقته منى قد أنجزا تمرينًا مماثلًا إبّان هبّة الشيخ جرّاح، حيث أعادا عرض قضيّتهما في قالبٍ يجتذب المزيد من المؤيّدين، من دون خفض السقف — من مواجهة المستوطن في فنائهما الخلفيّ: «يعقوب، أنت تعلم أنّ هذا ليس منزلك»،[1]“Jacob, you know this is not your house.” إلى الجواب الشهير بوجه وقاحة مذيعة الـCNN: «هل تؤيّدين تهجيري وعائلتي بشكلٍ قسريّ؟»[2]“Do you support the violent dispossession of me and my family?” ولحظات الصمت المُحرج التي تلت ذلك. هذا المنطق الرفضيّ الحاضر في تلك المحطّة آنذاك، يجد صداه اليوم في الصفحات التالية وبشكلٍ أنضج.

المهم إذًا أن نتعامل مع هذا الإنتاج على أنّه كتابٌ مفتوح؛ على أنّه وسيلة، وليس خلاصة. إنّه طوبة إضافيّة في عمليّة رفع سقف المسموح. هكذا يتّسع الحيّز الذي حُشرنا في داخله، ولو قليلًا، إلى أن نتمكّن من هدمه من الأساس. وإذ يُسائل الكرد استراتيجيّاتٍ خطابيّة، فإنّه يُشير بوضوح إلى ضرورة ربط الخطاب بالممارسة. إنّه يدعونا إلى تحديد موقعنا، ومصارحة امتيازاتنا إن وُجدَت، وتوظيف منصّاتنا، حيث «يجب؛ وينبغي؛ وعلى أصحاب المنصّات فينا ومَن يتمتّعون بشيءٍ من الحماية، ومَن لهم رأس مالٍ اجتماعيّ ورأس مالٍ فعليّ، أن يدفعوا الثقافةَ إلى التحوّل فعلًا، لا أن يكتفوا بالحديث عن ضرورةِ ذلك». يحضّنا على الوقاحة— بمعناها الحميد، بمعنى «أن نبصق الحقيقة كما هي، هكذا، بلا خوفٍ أو مواربة، وبحنكة، أيًّا تكن قاعة المؤتمر، وأيًّا يكن الوجهُ الشاخص أمامنا. هذه الشجاعة مطلوبة منّا اليوم، الآن وهنا، وليس بعد أن ينبت الأقحوان فوق قبور شهدائنا».

وكما أنّ الكرد يشير إلى كتابه كـ«عملٍ غير مكتمل»، أفضّل أن أُعامل ترجمتي على أنّها ترجمة غير مكتملة. فالحريّة التي صيغَ بها النصّ الإنجليزيّ تجعل احتمالات الترجمة لامتناهية. كلّ اعتمادٍ لصيغةٍ ما يحذف عددًا من الصيغ الأخرى. من باب النقد الذاتيّ، أُقارن هذه النسخة، بالنسخة الإنجليزيّة وصفحة «الشكر والامتنان» التي أَورَدها الكرد في نهايتها مثلًا. ومع ذلك، يبقى أنّ أتوجّه بالشكر إلى الأصدقاء الذين سألتهم لِمامًا عن بعض التفضيلات والاستيضاحات؛ وإلى محمّد، على ثقته بي لإتمام هذه المهمّة، وعلى مراجعة العمل وإضافة ملاحظاته المفصّلة للغاية التي جعلت النَص أكثر انسيابًا؛ وإلى العزيزة جدًّا نور عنّان التي كانت صلة الوصل بيننا؛ وإلى الصديق محمود قديح الذي ألقى بدوره نظرةً على النسخة العربيّة.

وإن كان فعل الترجمة يُهدى، رغم تواضع هذه الخطوة، فسيكون الإهداء إلى السيّد علي نور الدين (محمّد جابر) – ابن خالَتي الصبورة – الذي استشهد وفُقد أثره إبّان تصدّيه للاجتياح البرّيّ الإسرائيليّ في جنوب لبنان، وعُثر على بعضٍ من جثمانه في بلدة يارون الحدوديّة بعد انسحاب الجيش الإسرائيليّ منها، بتاريخ 19 شباط 2025.

— سمير سكيني

بين المجاز والمجازر

محمد الكرد

بالمختصر المفيد، لا أحد يتمنّى أن يخبره يهوديٌّ أميركيٌّ أنّ معاناته توازي معاناة الأميركيّ الأسود؛ فهي ليست كذلك. ويمكنك أن تعلم أنّ الأمر ليس كذلك، تحديدًا من النبرة لحظةَ يؤكّد لك أنّ الأمرَ كذلك.

               — جايمس بالدوين

في القدس، في القدس المحتلّة بطبيعة الحال، كبرنا وسط اليهود. كان الأشخاص الذين سعوا إلى طردنا من حيّنا يهودًا، وغالبًا ما كانوا في منظّماتٍ يحمل اسمها مفردةَ «يهوديّ». وكانوا يهودًا كذلك، الأشخاص الذين سرقوا منزلنا، والذين بعثروا أثاثه في الشارع، ثم أحرقوا مهدَ شقيقتي الصغرى مها. والقضاة الذين قرعوا مطارقهم لصالح قرار تهجيرنا، كانوا يهودًا أيضًا. ومثلهم كان النوّاب الذين سنّوا قوانينَ تجرّدنا من ممتلكاتنا. في بعض الأحيان، كنت أعود من مدرستي لأجد باصات تتجوّل أمام باحتنا، وعلى متنها سُيّاحٌ يهودٌ يُشيرون إلينا بأصابعهم، كأنّهم في حديقة حيوانات أو في مزادٍ علنيّ. كانوا يقذفون في وجوهنا الشتائم بلكنة أميركيّة مزعجة. في أحيانٍ أخرى عند الصباح، كان مستوطنون شبّان يرتادون حديقتنا لتأدية طقوسهم، بالكيباه والتيفيلين. ومستوطنون آخرون فضّلوا ارتداء الكاكيّ والصنادل، اجتاحوا باحتنا من دون طقوسٍ دينيّةٍ تُذكَر. أذكر أنّهم كانوا، كل بضعة شهور، يطرقون بابنا بابتسامةٍ صفراء ثم يسلّمون جدّتي قرارات التهجير وأوامر المحكمة. كانوا يبدون أكبر سنًّا وعلمانيّين.

علمانيّون، ومع ذلك يهود. أما الموظّف الإداريّ الذي يُصدر أو يُعلّق بطاقات هويّتنا الزرقاء فيهوديٌّ أيضًا، وكنت أحتقره بشكلٍ خاصّ لأنّ شخطةً من قلمه كانت تَحول بين والدي ومدينة أجداده. أمّا الجنود الذين كانوا يفتّشوننا للتأكّد من هذه الهويّات، فبعضهم كان درزيًّا، بعضهم مسلمًا، معظمهم من اليهود، وجميعهم، على قولة ستّي «بلا دين ولا ضمير». وأولئك الذين كانوا يحملون الرشّاشات، أولئك الذين كانوا يوصدون الكلبشات، حتّى أولئك الذين رسموا مخطّطات التنظيم المُدني بدقّةٍ وتؤدَة، فكانوا بدورهم… طيّب، أصبح الأمر مملًّا، أليس كذلك؟

لم يكن سرًّا. كبرنا في ظلال الدولة التي تُعيّن نفسها «دولةً يهوديّة». وقد استهلك السياسيّون الإسرائيليّون هذه العبارة، فيما أومَأ نظراؤهم من حول العالم برؤوسهم، موافقين، متعمّدين تمويه وطمس ومحو الخطّ الفاصل بين الدولةِ والكنيس. هو ذا إذًا، الموطن الوحيد لليهود. وهاهنا ملاذهم الصغير وسط غابةٍ من الأعداء، وسط عربٍ عطشى للدماء. أقرَّ الجيش نفسه وبنفسه جيشًا يهوديًّا، ومشى تحت رايةٍ يهوديّة. وقد تبجّح محافظو مدينة القدس بـ«الاستحواذ على منزلٍ تلو الآخر» من منازل شوارعنا. ثم وقفوا على أبواب دورنا وقالوا «أنتم ضدّ الكتاب المقدّس… الربُّ قال إنّ هذه المنطقة تعود للشعب اليهوديّ». وأعضاء الكنيست ردّدوا أبياتٍ متشابهةً تؤكّد تفوّقهم اليهوديّ. وتجدر الإشارة إلى أنّ مُشرّعين كهؤلاء ما كانوا على الهامش، ولا حتّى كانوا يمينًا متطرّفًا: قانون الدولة القوميّة الإسرائيليّة يقدّس، صراحةً، «الاستيطان اليهوديّ» بوصفه «قيمةً وطنيّةً […] ينبغي تشجيعها والترويج لها». وعندما طُعن بالقانون، ثبّتت المحكمة العليا الإسرائيليّة شرعيّته، وقضت بأنّه لا ينتقص من «الطابع الديموقراطيّ» للدولة الاستيطانيّة.[3]بصمات المحكمة العليا حاضرة في كل المؤسّسات الاستيطانيّة-الاستعماريّة للحكومة الإسرائيليّة ونظامها للفصل … Continue reading

السِمة اليهوديّة للدولة الاستيطانيّة لم تكن سرًّا، ومع ذلك، طُلب منّا أن نتعامل معها على أنّها كذلك. أحيانًا، صدر الطلب عن ناشطين متضامنين نواياهم حسنة زارونا في حيّنا، وأحيانًا أخرى صدر عن أهلنا. تلقّينا تعليماتٍ بتجاهل نجمة داوود على العلم الإسرائيليّ، وبالتمييز بين اليهود والصهاينة بدقّةٍ مجهريّةٍ منقطعة النظير. أمّا جزماتهم التي كانت على رقابنا، وما زالت، فلم تُعطَ أهمّيّةً تُذكر. ولا رصاصهم، ولا هراواتهم التي دبغت أجسادنا. أمورٌ مثل عيشنا بلا منازل، وكوننا بلا دولة، كانت تُعدّ أمورًا تافهة. أمّا ما كان يهم، فهو كيف نحكي عن مضطهدينا، لا الظروف التي اضطهدونا بموجبها (من السرقة إلى الحصار فإحاطتنا بالمستوطنات والنقاط العسكريّة)، ولا حتّى كانت تَهمّ حقيقةُ أنّهم يضطهدوننا أصلًا.

اللغةُ كانت حقل ألغام، والخوض فيها كان كالخوض في المنطقة الفاصلة بين مرتفعات الجولان وسائر الأراضي السوريّة. كان يُنتظَر منّا نحن، الأطفال حينذاك، أن نعبر هذا الحقل وثبًا، أن نقفز بين الألغام، أملًا بألّا نطأَ مجازًا متفجّرًا من باب الخطأ، فتُقَوَّض مصداقيّتنا، إذ إنّ لاستخدام الكلمة الخطأ قدرةً ساحرةً على جعل الأشياء تختفي: استخدِم الكلمة الخطأ، مزاحًا أو غضبًا، وانظر كيف تختفي البزّة العسكرية، وكيف يختفي الرصاص، وكيف تختفي الهراوات وكدمات الهراوات. والأشدّ خطرًا، أنّ الإيمانَ بما هو «خطأ»، يجعلك مستحقًّا لهذا التنكيل. لم تكن المواطَنة ولا حقّ تقرير المصير ولا حقّ التنقّل هي الامتيازات الوحيدة المسلوبة منّا؛ بل كان الجهل البسيط ترفًا بدوره.

منذ نعومة أظافرنا نُدرك، نحن الفلسطينيّين، أنّ العنف الدلاليّ الذي نُتَّهم بممارسته بواسطة كلماتنا، يفوق بأضعاف عقودًا من العنف الممنهج والملموس الذي تفرضه علينا الدولة التي عَيّنت نفسها «دولةً يهوديّة». المجازر أمرٌ، أمّا المجاز… المجازُ لا يُغتفَر. نتعلّم إذًا أن نستبطن الكبت.[4]

العبارة هنا مرجعها اقتباس من سايديا هارتمن: «لم يكن السوط ليُتخلّى عنه؛ بل كان لِيُستبطَن».


وهكذا رضختُ لهذه التنبيهات — ماذا تنتظرون من طفلٍ عمره عشر سنوات؟ — ورحتُ أدرس المحرقة وأدرس هتلر حتّى أتقنتُ التنميطات كلّها: الأنوف والآبار المسمومة والمصرفيّون ومصّاصو الدماء والأفاعي والسحالي والأبصر شو… (الأخطبوط تعرّفت عليه في مرحلةٍ لاحقة).[5]خلفيّة هذه الاستعارة برنامج كارتوون من الحقبة النازيّة، يصوّر اليهود على هيئة أخطبوط تلتفّ مجسّاته حول … Continue reading ثم تعلّمتُ أن أحشوَ حديثي بالتحذيرات والتنصّلات عند مخاطبة الدبلوماسيّين في زياراتهم إلى حديقة الحيوانات التي هي حيّنا. وكان لا بدّ أن يأتي المستوطنون القابعون في منزلنا في سياقٍ ثانويٍ، في المرتبة الثانية بعد إدانةٍ وافيةٍ لمعاداة الساميّة عالميًّا. وإذ توجَّهت جدّتي الثمانينيّة إلى هؤلاء الزوّار الأجانب، سارعتُ إلى مقاطعتها و«تصحيح» حديثها كلّما وصفَت المستوطنين اليهود في منزلنا على أنّهم… يعني… يهود.

مرّ عقدٌ ونيّف من الزمن. لم يتغيّر الكثير: الحافلات المليئة بالأميركيّين اليهود ما زالت تحجّ إلى حيّنا المتواضع؛ مواجهاتي مع الشرطة ما زالت بالعبريّة، بقدر ما هي منَفِّرة؛ الجزمة هاهنا، وكذلك الرصاص والهراوات. أمّا إن أردتُ تعداد المتغيّرات، فلا أجد ما أذكره سوى الإضافة العبقريّة الخارقة التي دخلت حديثًا إلى ترسانة «الدولة اليهوديّة»: الروبوتات المُشغَّلة بواسطة الذكاء الاصطناعيّ والمزوّدة برشّاشٍ لإطلاق النار. الحكومة تعنوِن مشروعها التاريخيّ لطرد الفلسطينيّين من الجليل «تهويد الجليل»، ومؤسّساتها شبه الرسميّة تعتمد التسمية نفسها. أمّا أعضاء المجلس الذين وعدوا ونفّذوا وعودهم بالاستيلاء على «المنزل تلو المنزل» في الشيخ جرّاح وسلوان والمدينة العتيقة، فهم ينظّمون دوريًّا مسيراتٍ في مدننا مع أعلام ومكبّرات صوت، حيث يهتفون: «نريد [تكرار] النكبة الآن».

وما زال القضاة يقرعون مطارقهم ضمانًا لتكرار هذه النكبة. ما زالوا يحكمون لصالح الاستعمار والعنصرية والتفوّق اليهوديّ. ومع أنّ أعضاء البرلمان يختلفون مع المحكمة على جملةٍ من القضايا، إلّا أنّهم يشرّعون بما ينسجم مع عقيدة التفوّق هذه. بعضهم أعلن صراحةً أنّ الحياة اليهوديّة، ببساطة، أثمن من حريّتنا وأكثر أهميّة. ولكن لا عليكم، أحيانًا يكونون لطيفين لدرجة الاعتذار من مقدّمي البرامج العرب عند إبلاغهم بهذه الحقائق القاسية. مرّ عقدٌ ونيّف من الزمن، ولا يزال الوضع السابق قائمًا على ما كان عليه. ونحن — يا حسرة — نواصل الرقص في حقل الألغام. نواصل رهاننا على الأخلاق والإنسانيّة، بينما هم يراهنون على أسلحتهم.

مايا شمس صمّمت غلاف «الضحايا المثاليون»

في آب 2023، أطفأ ستّة عناصر من الشرطة الإسرائيليّة كاميرات بزّاتهم، ودمغوا — أي أنّهم حفروا، حرفيًّا، نجمة داوود على خد الشاب عروة شيخ علي. يبلغ من العمر 22 سنةً، وقد اعتُقل من مخيّم شعفاط في القدس المحتلّة.[6][ملاحظة المترجم] بطبيعة الحال، لم تكن هذه حالةً «فرديّة». في 11 نيسان 2025، بعد يومٍٍ من الإفراج عن الأسيرَين … Continue reading ثم بعد أسبوعَين، قامت MEMRI، وهي مجموعة رقابة إعلاميّة أسّسها ضابطٌ سابقٌ في الاستخبارات الإسرائيليّة، بنشر تسجيل سابق لرئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس وهو يقول إنّ الأوروبيّين «قاتلوا [اليهود] بسبب دورهم الاجتماعيّ، وبسبب الربا والمال، وليس بسبب دينهم». كما تُلاحظون، عندما لا يعتمر السيّد الرئيس قبّعة العمالة أو الإجرام، يعتمر قبّعة (شبه) المثقّف. وبين قصّة ابن المخيّم المسحول وعزيزنا عباس، قامت مجموعة من الأكاديميّين الفلسطينيّين المعروفين بإصدار رسالة مفتوحة «تُدين بشكلٍ لا لبس فيه» — احذروا ماذا؟ — تصريحات عبّاس «المستهجنة أخلاقيًّا وسياسيًّا».

حسنًا، قد يرى البعض في بيانهم المشترك خطوةً استراتيجيّةً تنقض الاعتقاد بأنّ الفلسطينيّين يولدون متعصّبين. قد يقول آخرون إنّ الرسالة تعكس ما يبدو عليه التمسّكُ ببوصلة أخلاقيّة ثابتة. أنا على يقينٍ بأنّ بعض الموقّعين يعتقدون أنّ ما يُسمّى بـ«سُلطتنا الأخلاقيّة» يجعل من واجبنا التنديد بـ«التحريف التاريخيّ إزاء المحرقة»، وأنّه ينبغي علينا أن نكون قدوةً في رفض جميع أشكال العنصريّة، ولو كانت مجرّد كلام، وهلمّ جرًّا. ففي نهاية المطاف، لقد أمضى الفلسطينيّون ولا سيّما المهاجرون منهم، عقودًا وهم يكدّون من أجل خلق مساحات يمكن لهم أن يعارضوا فيها الصهيونيّة وهم يُشبّكون في نفس الوقت مع يهود أميركيّين وأوروبيّين تقدميّين، وأغلب الظنّ أنّ هؤلاء، ملوك الإحساس والتحسُّس، قد شعروا بالإهانة أو القلق إزاء تصريحات عبّاس.

أيًّا تكن المبرّرات، فقد انتباني وأنا أقرأ الرسالة شعورٌ بالديجا-ڤو. ها نحن، مرّةً أخرى، عالقون في أزمةٍ خطابيّة. ننفي على عجلٍ تورّطَنا في جرائمَ لم نرتكبها قط.[7]مشكلة أخرى تكمن في أنّ الرسالة تكرّس عن غير قصد محمود عبّاس ممثّلًا فعليًّا للشعب الفلسطيني، وهو لا يعدو كونه … Continue reading وغمرني حزنٌ عميقٌ حين أدركتُ، مجدّدًا، أنّ هذه هي قواعد الاشتباك في الغرب، وأنّ هذا هو ما يستوجب حملةً منسّقة. ولمّا أدان الموقّعون (وبعضهم من منتقدي السلطة الفلسطينيّة منذ تأسيسها) الحكم «الاستبداديّ والقاسي المتزايد الذي تمارسه السلطة الفلسطينيّة»، ولمّا أشاروا إلى «القوى الغربيّة والموالية لإسرائيل» التي تدعم ولايته الرئاسيّة منتهية الصلاحية، إلّا أنّ أيًّا من هذين العنصرَين لم يكن المحرّك لِما يبدو أنّه أوّل بيانٍ مشتركٍ يدين محمود عبّاس.[8]أودّ أن أوضّح أنّني لا أحاول بأي شكل التقليل من شأن مساهمات أي أحد في نضالنا، حتّى لو أنّني لا أتّفق مع … Continue reading كعنوانٍ رئيسيٍّ، لم تتطرّق الرسالة لا إلى تعاونه مع النظام الصهيونيّ، ولا تطرّقت إلى قمعه المتظاهرين والمساجين السياسيّين، عداك عن مقتل نزار بنّات[9]كان نزار بنّات (1978 – 2021) معارضًا سياسيًّا مولودًا في دورا في الضفّة الغربيّة المحتلّة. كان ناشطًا سياسيًّا … Continue reading — وهذه اعتداءات تستوجب استهجانًا أوسع بكثير ممّا يستوجبه التحريف التاريخيّ. المحرّك هنا كان الكلمات. مجرّد كلمات. وهكذا كان الأمر دومًا. مجدّدًا: المجازر شيءٌ، أمّا المجاز… المجاز خطٌّ أحمر. الكلام خطٌّ أحمر.

إنّ استراتيجيّة الدفاع عن أنفسنا في مواجهة تهمِ معاداة الساميّة التي لا سند لها، وغالبًا بشكلٍ استباقيٍّ، قد قرّبتنا تاريخيًّا من هذه التهم أكثر. علاوةً على ذلك، مثل هذا الاندفاع يضع، عن غير قصد، المعاناة اليهوديّة التاريخيّة (التي تُدرَّس، بل تُوَقَّر) في مكانةٍ أسمى من معاناتنا اليوميّة، وهي معاناة تُنكَر وتُنقَض رغم عرضها عبر البثّ الحي من دون انقطاع.[10]على نحوٍ مُفارق أيضًا، كل من الرسالة المشتركة وتعليقات عبّاس حاولتا اتّخاذ مسافة تجاه معاداة السامية. في … Continue reading

وكم هو ثقيلٌ هذا الاندفاع. ليس فقط أنّنا نعيش في دوّامة الخوف الدائم من أن نُقتل ونُهجَّر على يد استعمارٍ يحدّد نفسه بنفسه على أنّه يهوديٌّ، وليس فقط أنّ شعبنا يُقصَف من قبل جيشٍ يخدم تحت رايةٍ يدّعي بنفسه أنّها الراية اليهوديّة، وليس فقط أنّ السياسيّين الإسرائيليّين يبالغون بالتشديد على يهوديّة مخطّطاتهم؛ بل، فوق الدكّة، يُطلَب منّا أن نغضّ النظر عن نجمة داوود التي تلولح على علمهم، وأيضًا عن نجمة داوود التي يحفرون وجوهنا بها.

ولكن هذه قصّة عمرها من عمر «النزاع» نفسه. هكذا كَدَّ جيلٌ من الفلسطينيّين في محاولة فكّ الخلط بين الصهيونيّة واليهوديّة.

في تفريغٍ خطّيٍّ لخطابٍ أُلقيَ في القاهرة في تشرين الأوّل 1948، شطبَ المربّي الفلسطينيّ خليل سكاكيني جزءًا من جملة تقول «القتال بين العرب واليهود…»، ليستبدلها بـ«القتال بيننا وبين الغزاة». أكاديميّون، ومركز الدراسات الفلسطينيّة، ومركز البحوث الفلسطينيّة التابع لمنظّمة التحرير (الذي تعرّض للقصف والسرقة مرارًا في الثمانينات من قبل النظام الإسرائيليّ)، كرّسوا مقالاتٍ وكتبًا ومجلّداتٍ لدراسات معاداة الساميّة — من جذرها الأوروبيّ وتجلّياتها الأوروبيّة أو غير ذلك — وخلطها مع معاداة الصهيونيّة.

وقد أوضح الشعبُ الفلسطينيّ بحدّة أنّ عدوّنا هو الصهيونيّة، بما هي أيديولوجيّة تهجير وتوسّع تقوم على مؤسّسة استيطانيّة-استعماريّة عنصريّة. الصهيونية، لا اليهود. وإنّ قدرتَنا على إنتاج كل هذه التمييزات مبهرة بحقّ، ومثيرة للإعجاب، مقارنةً بالصلافة التي تسعى من خلالها الصهيونيّة إلى جعل نفسها مرادِفةً لليهوديّة. ولكن على أيّ حال، هذا التمييز ليس من مسؤوليّتنا، وأنا من جهتي، لا أجده من أولويّاتي.

ضغينة الفلسطينيّ المُفتَرَضة لا يسندها كنيست بوسعه أن يصبّها في قانون. ولا الكلام يذبح، ولا يستطيع أحد منّا أن يحوّل نظريّةَ مؤامرة إلى سلاحٍ نوويّ. لقد تجاوَزنا مطلع القرن العشرين. أعطاكم عمره. تبدّلت الأمور؛ السلطة تغيّر موضعها، والشتائم — وإن كانت جارحة — لا تقتل.

في الأيّام القليلة الفاصلة بين دمغ وجه الشاب بنجمة داوود من قبل عناصر الشرطة، وصدور رسالة الإدانة المشتركة من قبل نخب المثقّفين، قتل جنديٌّ إسرائيليٌّ شابًا من ذوي الاحتياجات الخاصّة قرب حاجزٍ عسكريّ في جنوب قلقيلية، ويُدعى الشاب إسلام نوفل؛ جنديٌّ آخر، في سلوان، أردى فتًى برأسه واسمه عبد عامر الزغل (15 عامًا)؛ أمّا الشاب محمد أبو عصب، فقد توفيّ متأثّرًا بجراحه، بعد أن أُصيب في السابق برصاص الجنود أثناء اقتحامهم مخيّم بلاطة؛ في بيتا، أطلق قنّاصٌ النار على رأس عميد الجاغوب، فقتله؛ كما قُتل الشاب عثمان أبو خروج (17 عامًا) في جنين بعد إطلاق النار عليه؛ ومات شابٌ آخر متأثّرًا بجراحه بعد اقتحامٍ لمخيّم جنين، واسمه عطا ياسر عطا موسى (29 عامًا)؛ عائلات الفلسطينيّين الذين تحتجز سلطات الاحتلال جثامينهم، نظّمت مسيرةً بنعوشٍ فارغة في نابلس؛ في الخليل، جنديٌّ قتل طفلًا؛ في الشيخ جرّاح أعدمت الشرطةُ الفتى خالد سامر الزعانين (14 عامًا) وسط تصفيق مئات المستوطنين؛ ثم اقتحم الاحتلال مجلس عزائه في بيت حنينا ورمى عائلته بقنابل الغاز المسيّل للدموع؛ في بيت سيرا قُتل رجلٌ بعد أن دهس وقتل جنديًّا؛ في شمال أريحا، قُتِل فتى وأُصيب جنديٌّ في اشتباكٍ مسلّح؛ وقُتل عبد الرحيم فايز غنّام برصاصٍ من جنديٍّ في الرأس، في طوباس؛ وهذا كلّه ليس سوى لمحة عامّة.

والآن، أيٌّ من الأمور المعروضة للتو أثارت جدلًا واسعَ النطاق داخل الأوساط الفلسطينيّة في الشتات؟ ولا شيء. بعض الضجيج تعالى حيال تصريحاتٍ لإيتمار بن غفير[11]تتهكّم سيرة بن غفير من نفسها بنفسها. كان محاميًا لاثنين من المستوطنين الذين شاركوا في تفجير منزلٍ فلسطينيٍّ، … Continue reading يقترح فيها، على التلفاز، أنّ الحياة اليهوديّة أكثر أهمّيةً من حريّة الفلسطينيّين،[12]قال بن غفير: «إنّ حقّي أنا وزوجتي وأطفالي بالتجوّل داخل الضفّة الغربية هو أكثر أهميّةً من حقّ العرب بذلك». ثم … Continue reading ثم ضجيجٌ أقل حيال نقش نجمة داوود على خد الشاب بالشفرة، وبالطبع، استدرج محمود عبّاس الردود الأكثر ضجيجًا بين كل ما ذُكر.

هذه أمثلة تتعلّق بالجماليّات، بالشكليّات. بالمشهد. تصريحات بن غفير كانت واقعيّة ودَقيقة: في القانون الإسرائيلي تُعتبر حياة اليهود أكثر قيمةً من حياتنا بالفعل. ولكن ما استدعى الردود الغاضبة كان الطريقة التي بها عبّر عن فكرته، المجاهرة الكلاميّة بالموضوع، وليس سياساته المُمَأسسة التي حوّلت تعليقاته العنصريّة إلى حقيقةٍ ملموسة. حتّى التشويه الفعليّ لوجه أحد الفلسطينيّين كان سببه ما يرمز إليه الشكل المدموغ على خدّه، أي نجمة داوود، وليس فعل الدمغ نفسه. فرضًا أنّ الجنود حفروا خطوطًا عشوائيّةً لا معنى لها على وجهه، ما كان الأمر ليجلب أيّ اهتمام، وهذا أمر أقوله بثقة لأنّ مثل هذه الأفعال كثيفة الحدوث بقدر ما هي شحيحة التغطية. أمّا بالنسبة لموت الفلسطينيّ، فهذا من الروتينيّات التي يُمكن تجاهلها. إن حالفنا الحظ، قد تُحتَسَب حصيلة شهدائنا ضمن تقريرٍ يصدر سنويًّا. أمّا ما يُسمّى «التحريف التاريخيّ» بحقّ قدسيّة الهولوكوست، فهذا ما يتطلّب، بالمقابل، جوقةً عالميّةً للاستهجان والتنديد.

إليكم موقفي إذًا: يعيشُ يهوديٌّ — بالقوّة — في النصف الأماميّ من منزلي بالقدس، ويقول إنّه يفعل ذلك بموجب «تدبيرٍ إلَهيٍّ» وباسم الشعب اليهوديّ. وكثرٌ آخرون يُقيمون — بالقوّة — على أراضٍ فلسطينيّةٍ وفي بيوتٍ فلسطينيّةٍ فيما يركن أصحاب هذه البيوت الفعليّون في مخيّمات لجوء. ليست مشكلتي إن كان أولئك يهودًا. لا يعنيني على الإطلاق أن أعتذر عن استعاراتٍ ومجازاتٍ معادية للساميّة، عمرها قرون، صنعها الأوروبيّون، فيما يخضع الملايين منّا لقمعٍ مادّيٍ ملموسٍ وهم يعيشون خلف جدرانٍ اسمنتيّةٍ أو تحت الحصار أو في المنفى، كما يعيشون وسط مآسٍ أوسع من أن تُعرَض هنا. لقد سئمتُ من هذا الاندفاع الاستباقيّ لاتّخاذ مسافتي تجاه مسألةٍ لا ذنب لي فيها، وتعبتُ بالتحديد من ثقل البرهنة وبشكلٍ دائم على أنّني لستُ متعصّبًا بشكلٍ بنيويّ. تعبتُ من الادّعاء المبالغ فيه بالصدمة الأخلاقيّة والذي يوحي بأنّ مثل هذا الكره أو الاحتقار تجاه محتلّينا، لو وُجد، فهو بلا تفسير وبلا جذور. وقد مللتُ أيضًا من الأكاديميّين والمثقّفين الذين ينهالون بالنقد على مَن لا يُفَلتر خطابه من بيننا. وقبل كلّ شيء، مللتُ من المساواة الزائفة بين «العنف» الدلاليّ والعنف البنيويّ: طرفٌ واحدٌ فقط في هذا «النزاع» ينخرط بشكلٍ فعّالٍ ومتعمّدٍ وممنهجٍ في محاولة إبادة شعبٍ بأكمله.

أُدرك أنّ هذا الفصل هو بذاته حقلًا للألغام. سوف يُجتزأ من سياقه ويُحرَّف ويُشَوَّه، ولكنّي لن أكون يومًا ضحيّةً مثاليّة. لا مفرّ من تهمة معاداة الساميّة. إنّها معركةٌ خاسرة، والأهمّ من ذلك أنّها ذرٌّ فاضحٌ للرماد في العيون. وقد آن الأوان لإعادة تقييم هذا التكتيك. لدينا ما هو أولى بالعمل: نعوش علينا حملها، وشهداءٌ لنا محتجزون في الثلاجات الإسرائيليّة بانتظار أن نواريهم الثرى.

Author

كاتب وصحفي في بيروت، له يد في الفنون ويد في السياسة. تنقّل بين اختصاصَي الهندسة المعمارية والفلسفة في الجامعة اللبنانية، قبل أن يرسوَ في عالم الصحافة. نشر عدّة مقالات ومساهمات حول مواضيع اجتماعية- نفس اجتماعية- سياسية- ومتابعات للنشاط الطلّابي في لبنان، وذلك في عدّة مجلّات ومواقع. صدر له كتاب «الأقحوان ينبت في الشيّاح» (2018) وكتاب «نهار أحد» (2020)، عن دار الفارابي. *  

Samir Skayni is a journalist based in Beirut, with his writing partner: Simba (a long-haired creature). He moved between the disciplines of architecture and philosophy at the Lebanese University before finally settling in the field of writing. He has published two novels with Dar al-Farabi: The Chrysanthemum Grows in Shiyah (2018) and Once Upon a Sunday (2020). He is currently working on a third project exploring the concept of “the atrocious” in the region.

Author

شاعر وكاتب وصحافيّ ولد وترعرع في القدس المحتلّة. هو أوّل مراسل لفلسطين لدى مجلة «ذا نيشن»، ويشغل منصب محرّر حرّ في منصّة «موندوايس». سُمّي سنة 2021 ضمن قائمة مجلة «تايم» لأكثر مائةِ شخصٍ تأثيرًا في العالم. نال الكُردُ العديدَ من أوسمةِ التكريم والجوائز، وقد ألّف الديوان الشعريّ «رفقة» الذي تُرجمَ إلى عدّة لغات وحظيَ بإشادةٍ واسعة.

Footnotes:

Footnotes:
1 “Jacob, you know this is not your house.”
2 “Do you support the violent dispossession of me and my family?”
3

بصمات المحكمة العليا حاضرة في كل المؤسّسات الاستيطانيّة-الاستعماريّة للحكومة الإسرائيليّة ونظامها للفصل العنصريّ، وليس فقط في قوانين الدولة القوميّة. لقد أيّدت المحكمةُ مرارًا وتكرارًا شرعيّةَ «قانون لمّ الشمل» الذي يَسلب آلاف الأزواج الفلسطينيّين، ممّن لديهم أوضاع قانونيّة مختلفة، «الحقَّ الأساس في أن يكونوا معًا كأسرة».

سنة 2006، رفضت المحكمة اعتراضَين على مسار جدار الفصل والضمّ الإسرائيليّ، فأتاحت تشييد الحاجز فوق أراضٍ يملكها فلسطينيّون في القدس المحتلّة، بما في ذلك، فوق مقبرة. وعلى امتداد تاريخها كلّه، لم تُقرّ المحكمة العليا مرّةً واحدةً التماسًا لإلغاء أمر اعتقالٍ إداريٍّ. بل لعبت عوضًا عن ذلك دورَ الختم التابع لسياسات الجيش الإسرائيليّ المُجحفة، والتي تُتيح الاعتقال بلا مدّة محدّدة وبلا محاكمة. علاوةً على ذلك، سنة 2018، حكمت المحكمة بأنّ التعليمات التي أصدرها جهاز الأمن الإسرائيليّ حول استخدام «وسائل التحقيق الخاصّة» و«الوسائل الجسديّة» (تُقرأ: التعذيب)، هي تعليمات شرعيّة في حالات ما يُسمّى بـ«القنبلة الموقوتة».

وخلال الحملة القمعيّة المتوحّشة على مسيرات العودة الكبرى، قضت المحكمة بأنّ استخدام قوّات الاحتلال للقوّة المُميتة ضدّ المتظاهرين الفلسطينيّين يُشكّل «دفاعًا مشروعًا عن النفس». كما أنّ المحكمة العليا قد أيّدت مرارًا السياسةَ الإسرائيليّة المتواصلة والقاضية بحجز جثامين الفلسطينيّين واستخدامها كـ«أوراق مساومة»، وقد شرعنت قيود الجيش على جنازات الفلسطينيّين، لتؤدّي بذلك دورًا محوريًّا في إرساء ممارسات العنف المُمأسس على الأموات في بنية النظام الصهيونيّ..

4

العبارة هنا مرجعها اقتباس من سايديا هارتمن: «لم يكن السوط ليُتخلّى عنه؛ بل كان لِيُستبطَن».

5

خلفيّة هذه الاستعارة برنامج كارتوون من الحقبة النازيّة، يصوّر اليهود على هيئة أخطبوط تلتفّ مجسّاته حول الكرة الأرضيّة، بإشارةٍ إلى الصورة النمطيّة المتجذّرة عن «هيمنة اليهود على العالم».

[ملاحظة المترجم] تعرّفت على الأخطبوط بدوري قبل أسابيع، للمفارقة، بسبب تغريدةٍ أعاد الكرد نشرها: كانت الناشطة غريتا تونبرغ قد نشرت صورةً لها مع زميلاتٍ مناهضات للإبادة، وتظهر في خلفيّة الصورة دميةٌ صغيرةٌ طريفةٌ غاضبةٌ — على شكل أخطبوط. استغل اللوبي الصهيونيّ على منصّة «إكس» الصورة لاتّهام تونبرغ بمعاداة الساميّة عبر تبنّي استعارة الأخطبوط. تحت الضغط والتشهير، حذفت الصورة. فانهالت التعليقات التي تقول أنّها «بالفعل معادية للسامية، وتُدرك أنّها أخطأت، وإلّا لما كانت قد حذفت الصورة». علّق محمد على ذلك بما مفاده ألّا مجالَ للمهادنة مع الصهاينة، إذ كلّما منحتهم شبرًا، طالبوك بأكثر.

6

[ملاحظة المترجم] بطبيعة الحال، لم تكن هذه حالةً «فرديّة». في 11 نيسان 2025، بعد يومٍٍ من الإفراج عن الأسيرَين أحمد مناصرة ومصعب قطاوي، كشف الأخير كيف تعرّضا للتنكيل بشكلٍ خاصّ خلال ساعاتهما الأخيرة في المعتقل. انتشرت صورةٌ لرأس قطاوي، تُظهر نجمة داوود محفورةً في فروة شعره، تمامًا كتلك المدموغة على وجنة الشاب عروة شيخ علي. وقد بلغ الأمر درجةَ حفر الدبّابات الإسرائيليّة النجمة ذاتها على أراضٍ محتلّة من قطاع غزّة، حيث تمركز الجيش الإسرائيليّ، كما أظهرت صور «غوغل مابس» بعد تحديثها في كانون الثاني 2025.

7

مشكلة أخرى تكمن في أنّ الرسالة تكرّس عن غير قصد محمود عبّاس ممثّلًا فعليًّا للشعب الفلسطيني، وهو لا يعدو كونه ديكتاتورًا، تعرّض لنقدٍ شديدٍ من قِبل بعض الموقّعين منذ ما قبل ولادتي حتّى. فإذا كنّا متّفقين على أنّ السلطة الفلسطينيّة هي باعٌ للاحتلال الإسرائيليّ، فلماذا نشعر بالتزامٍ ما تجاه التبرّؤ من تصريحات مسؤوليها؟

8

أودّ أن أوضّح أنّني لا أحاول بأي شكل التقليل من شأن مساهمات أي أحد في نضالنا، حتّى لو أنّني لا أتّفق مع التكتيك المُعتمَد. ولكنّي أجد من المفارقة، أنّ مَن يحظون بيننا بدعمٍ مؤسّساتيّ ويصعدون سُلَّم الامتيازات، حين يوجّهون نقدًا للتكتيكات الارتجاليّة التي تلجأ إليها الطبقات المسحوقة، نادرًا ما يُتَّهَمون بأنّهم «يشقّون الصفوف» أو «ينشرون غسيلنا الوسخ أمام العلن». إنّ اعتبار النقد ضربًا من «التقسيم» ليس سوى تبسيطٍ مُخلٍّ وكسلٍ ذهني. فالمناقشات الصادقة والعفويّة شرطٌ لبناء حركاتٍ قادرة على الصمود..

9

كان نزار بنّات (1978 – 2021) معارضًا سياسيًّا مولودًا في دورا في الضفّة الغربيّة المحتلّة. كان ناشطًا سياسيًّا معروفًآ ومن أبرز منتقدي السلطة الفلسطينيّة، وعضوًا في لائحة الحريّة والكرامة التي تشكّلت للاحتجاج على إلغاء انتخابات المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ لعام 2021 من قِبَل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس. في 24 حزيران 2021، اعتُقل بنّات من قبل أمن السلطة الفلسطينيّة، وظلَّ يُضرب إلى أن فارق الحياة.

10

على نحوٍ مُفارق أيضًا، كل من الرسالة المشتركة وتعليقات عبّاس حاولتا اتّخاذ مسافة تجاه معاداة السامية. في بداية المقطع، أراد عبّاس أن «يوضّح» مسألةً تتعلّق بمعرفة «مَن الذي يجب أن نتوجّه إليه، لنتّهمه بأنّه هو عدوّنا»، وأنّ اليهود الأوروبيين «لا ساميين ولا الهم علاقة بالسامية».

11

تتهكّم سيرة بن غفير من نفسها بنفسها. كان محاميًا لاثنين من المستوطنين الذين شاركوا في تفجير منزلٍ فلسطينيٍّ، أدّى إلى مقتل كل أفراده إلّا واحد منهم. وقد مثَّل النخبة من المتَّهمين في قضايا الإرهاب اليهوديّ وجرائم الكراهية (راجع: جودي مالتز، «محامي الإرهابيّين اليهود الذي استهلّ مشواره بسرقة شعار سيارة رابين»). كما ساعد مرارًا في تنظيم «مسيرة الأعلام» الشهيرة العنصريّة، حيث يشارك آلاف المستوطنين الإسرائيليّين بمسيرةٍ في داخل مدينة القدس العتيقة (ويهتف بعضهم «الموت للعرب»)، احتفالًا باحتلالها سنة 1967. سحب بن غفير مسدّسه بوجه فلسطينيَّين يعملان في موقف سيّارات. طابل بنفي «العرب غير الأوفياء» إلى بلدان عربية أخرى، كجزءٍ من حملته الانتخابيّة التي نجحت للغاية. كما عنده تلك العادة، أن يقتحم المستشفيات وغرف الأسرى الفلسطينيّين المضربين عن الطعام. وحتّى سنة 2020، علّق يفخرٍ داخل غرفة جلوسه صورةَ باروش غولدشتاين، الأميركيّ الذي أصبح مستوطنّا قبل أن يُصبح مجرمًا سفّاحًا حيث قتل 29 فلسطينيًّا في مجزرة الحرم الإبراهيميّ أثناء صلاتهم، سنة 1994. ولكن الأهم من ذلك كلّه، هو أنّ بن غفير مستوطنٌ في الخليل.

12

قال بن غفير: «إنّ حقّي أنا وزوجتي وأطفالي بالتجوّل داخل الضفّة الغربية هو أكثر أهميّةً من حقّ العرب بذلك». ثم أخبر المُذيعين: «الأمر بغاية البساطة، الحقّ بالحياة يفوق أهميّةً الحق بالتنقّل». وتابع ذلك عبر نشر تغريدة: «قلتُ أمس على التلفاز أنّ حقّ اليهود العيش من دون أن يُقتَلوا بهجماتٍ إرهابيّةٍ يسود فوق حقّ العرب [في الضفّة الغربيّة] بالتجوّل على الطرقات من دون قيودٍ أمنيّةٍ».