
ما هي الحيوات الممكنة لفيلم «من هبّ ودبّ» \ Lebanon by Night بعد عرضه الأول في سينما متروبوليس في بيروت العام الماضي؟
في ثلاثة أماكن في لبنان، ضهور الشوير وبرمانا والتحويطة، يتتبّع فيلم وليد عبد النور آراء الأهالي ومواقفهم من قرارات منع العمالة السورية من التجول بعد ساعة محدّدة من المساء. وفي موازاة ذلك، يقترب الفيلم من عدد من العمال السوريين الذين يطالهم هذا القرار، ليستمع إلى تجاربهم وكيف يتعايشون مع إقصائهم عن ليل المدينة. هكذا يتحرّك الفيلم بين فضاءين منفصلين اجتماعياً، متتبّعاً في الوقت نفسه نقاط التقاطع بينهما، والآليات التي يُدار بها هذا التقاطع ويُنظَّم.
سواء في حديثه مع عضوٍ في الحزب القومي السوري الإجتماعي في ضهور الشوير، أو مع خيّاطة مسنّة في برمانا، أو مع شاب مفتول العضلات في التحويطة، يضعنا الفيلم أمام خطابات متقاربة. تحال الشخصيات الموازنة بين حملها التاريخي الذي انطلق من معتقدات سياسية فتحول إلى قناعات اجتماعية من جهة، ومحاولة الالتزام بقدر من الصوابية في قولها، من جهة أخرى. فتلجم مواقفها هذه شيئًا من حدّة كلامها تحت ضغط مواجهة الكاميرا التي تتّخذ شكل مرآة تستدعي شعوراً ما بالخجل مما سيُقال. يمتزج الخطاب بين «نحن لا نكره أحداً»، و«هناك محبة هنا بين كل الطوائف»، و«إن الحظر هو لحمايتهم قبل كل شيء»، مع التأكيد على سلطة الدولة بوصفها مصدر قرارات الحظر الذي يُبرّر له على أنه يضمن أمن الأماكن العامة ويحمي السكان، لا سيما النساء منهم طبعاً.
*
ينجح الفيلم وصناعه، منهم المصورة جود غوراني والمنتجة كارولين حاتم، في التقاط اللحظات المكثفة في التعبير، تلك التي تتأرجح بين الكشف والإخفاء. هكذا نقترب من الحركة الجدلية للتاريخ الذي، وبعدما تحوّل لموروث معاصر، يتجسّد في مواقف وعلاقات وأدوار مدفوعة سياسياً لا تلبث أن يؤديها الأهالي سعياً لحفظ مكانهم ضمن الجماعة. هكذا يترسّب التاريخ — إن كان على شكل حرب أو احتلال — في تعميم العنصرية، وتحويلها إلى فئة شمولية، توحّد الفئات الأخرى و تختزلها في «الآخر»: العامل السوري هو المصري، هو العاملة السريلانكية، هي العمل، هي الطبقة العاملة. لا يتنصّل الفيلم من البعد التاريخي للعنصرية، كما أنه لا يقدّم العنصرية في أي لحظة على أنها حالة جوهرانية، سابقة للتاريخ ولاحقة له، فالموقف الأخلاقي من العنصرية لا يترك لنا مجالاً للنقد والحركة، ويبعدنا عن السياسة.
وحدها إيزابيل، الخيّاطة من برمانا، تتجرّأ على ما لا يُقال. «بيجووا البلد»، تقول، مشيرةً إلى استباحة «من هبّ ودبّ» لمدينتها، فتستقرّ كلماتها عنوانًا للفيلم. لا تتفوّق إيزابيل على الآخرين لأنها قالت علناً ما يحاول الآخرون إخفاءه تحت ستار المحبة والحماية، بل لأنها تتحدّث بشجاعة عن ألم التاريخ؛ وفي حالتها، عن تجربتها مع الاحتلال السوري. كذلك، تعبّر إيزابيل بوضوح عن تناقض يمكن أن يدلّنا، في كثير من الأحيان، على مخارج ممكنة لجماعات تبدو عاجزة عن تشكيل مجتمعاً: «بيشفق قلبنا بس كرهناهم». هنا فقط نواجه إمكانية تعايش التعاطف مع الكراهية.
من الصعب ألا تنتقد إيزابيل على عنصريتها — يا عيب الشوم — ومن الصعب أيضًا ألا تتعاطف مع ألمها، لا بل تحبّها قليلًا؛ فهي، بدورها، تستدعي تناقضاتنا. هذا التناقض هو ما يصنع الواقع، وحين نقرّ بوجوده، نفهم أن المواقف ليست ثابتة، وأن التاريخ ليس راسخاً، بل ثمة حركة في اتجاه الممكن.
في الكثير من الكتابات عن العلاقة بين السينما والتحليل النفسي وبنتيتها، تتحوّل الشاشة، أو الفيلم، إلى محلّل نفسي يتلقّى إسقاطات المشاهد اللاواعية. تكمن إشكالية هذا التصوّر في زجّ السينما في الخلاف التاريخي حول العلاج النفسي بوصفه مقاربة فردية للتعامل مع أهوال العالم، وهو الخلاف الذي سيأخذه الفلاسفة والمفكرون إلى مناطق أكثر إثارة، من خلال طرح أسئلة، منها عن الدور الذي يلعبه التاريخ المتسرّب إلى اللاوعي، وما ينسجه من مساحة جماعية لهذا اللاوعي الفردي المتواري.
لكن هناك شيئاً أكثر ثورية في «من هبّ ودبّ»، إذ تنقلب العلاقة التي نظّر لها كثيرون، وتتحوّل الشاشة إلى مساحة ممكنة يتشارك فيها المشاهدون الغوص في لاوعيهم الجماعي. لا يسترخي المشاهد أمام صور «من هبّ ودبّ»، ولا يجد نفسه مسترسلًا في أفكاره ومشاعره أمام شاشة تلعب دور «السكوبوفيليا»، شاشة تمنحه ما يحتاج إليه من صور ليتعامل مع الأفكار والمشاعر هذه.
الصورة في «من هبّ ودبّ»، صورةٌ مسؤولة، تلقي بأطيافها وأوهامها على الحضور، فلا تخاطبهم كأفراد، بل كجماعة؛ تستغيث بهم، وتقول لهم إن الفظيع هذا ليس شخصياً أو فردياً، بل هو شرط تاريخي-اجتماعي معاصر. فالصورة هنا هي المريض، والسينما بمثابة غرفة عمليات، والحضور هو الفريق المعالج. هذه إحدى اللحظات التي تؤدي فيها السينما، بفضائها الداكن وصورها وأصواتها الآسرة — التي صمّمتها كنده حسن — دوراً في الإيقاظ لا العكس.
*
على الجانب الآخر، يذهب بنا «من هبّ ودبّ» إلى ليل العمال. عاملات إثيوبيات يجدّلن شعر بعضهن بعضاً في ساعات الراحة. «الكوافير اللبناني لا يعرف جدولتنا»، تقول إحداهن بلهجة مكسورة، فيما يجتمع عمّال سوريون حول الشاي في سكنهم المشترك بعد الاستحمام وتصفيف الشعر وتحضير العشاء. يسأل المخرج وليد عبد النور أحدهم، «هاي الأوضة يعني؟»، فيردّ العامل ضاحكاً: «أي أوضة؟ هاي الشقة»، ويريه الحدود الخيالية بحركة قدميه بين «الصالون» و«المطبخ» و«غرفة النوم».
تستدعي هذه الصور، من جهة، جاك رانسيير وكتابه الجميل ليل العمال: حكاية السيرة الذاتية العمالية (1981) وكتاباته عن العمال في القرن التاسع عشر. يطرح رانسيير رؤىً للتفكير في فرص التحرر من العمل الكامنة في ساعات الراحة المسائية، حين يحلم العامل، أو يغني، أو ربما يكتب، أو يسامر غيره من العمال. هنا، في الفيلم، نلتقي بأطياف العمال في ليلهم: العامل السوري الذي سكنت لسانه اللهجة اللبنانية، كما تآلف عقله، في تماهٍ تام، مع منطق السلطة التي أصدرت قرار منع تجوّل العمال: «بيخرِب المنظر. كله باطون وصباطه مليان تراب، قاطع بالشارع شاب وصبية قاطعين في طريقهم للسهرة، يشوفوا هيك منظر؟». كما نلتقي بطيف العامل السوري الذي يستذكر ليلة قُبض عليه وعلى زملائه لكسرهم حظر التجوّل، ووضعهم في طابون سيارة الشرطة، قائلاً بسخرية: «الغنم أحسن منا… العامل مو إنسان»، والعامل المصري الذي يدافع عن مصريته بمزيج من اللطف وضبط النفس والتحسّب، وشيء يشبه المنطق، في مواجهة وابل من المقولات اللامنطقية التي يطلقها جاره اللبناني: «حفاظاً على سلامتكم، الساعة 8 لازم تكونوا نايمين». والعاملات المنزليات من إثيوبيا، اللواتي لا يكترثن بالحديث عن حياتهن كعاملات في ساعات الراحة، بل يعشن وحسب.
يقترب الفيلم بأسلوب حميمي من استكشاف الطرق المختلفة التي يسكن فيها القهر النفوس، بدءاً من التماهي وانتهاءً بعدم الاكتراث، وبينهما شيء من العقلنة والسخرية. يعمل الفيلم، منذ لحظات التصوير الأولى وحوارات المخرج مع العمال، على التقاط هذه المشاعر، ثم يعيد توليفها في حركة مونتاج ذكية تبرزها وتضعها في حوار مع بعضها بعضاً.
*
يقع شعار «الشباب والبلدية ضد الزعران» على مستوى آخر. يستدعي الأهالي سلطة الدولة لشرعنة العنصرية ضد العمال. لا نعرف بالضبط ما إذا كان الحظر يبدأ في السابعة أو الثامنة أو التاسعة. قد يكون الأمر متعلقاً بكل منطقة على حدة. ولا نعرف مصدر القرار تحديداً: هل هو الأمن العام، أم البلدية، أم الاثنان معاً؟ لكننا كثيراً ما نسمع جملاً من قبيل: «الشباب بيراقبوا»، «البلدية سهرانة»، «لا ننام»، «سيطرة»، وهكذا. نرى محاولة للإحالة إلى فئة تبدو غائبة، لكنها أكبر وأهمّ وأكثر شرعية من مجرد حالة من الفزع الاجتماعي. يتوجّه فريق الفيلم إلى هذه الفئة، عند نقطة شرطة بلدية الشوير، فتتلاشى محاولة إضفاء شيء من الاتساق على سردية الدولة، وتنتهي بطرد فريق العمل من نقطة الشرطة. يظهر استجلاب الدولة/البلدية/الأمن في حديث الأهالي وكأنه تطلّع إلى غائب قد ينقذهم من فوضى اختلقوها هم، أو فرضها عليهم التاريخ.
في ظلّ الغياب الذي يملؤه الأهالي بالحديث عن الدولة، نتساءل: هل هناك طريقة لإدارة علاقات القوة داخل مجتمع ما لا تنحصر في انزياح الأدوار، حيث يمارس الأهالي سلطة الأمن، بوعيٍ ملتبس بمدى شرعية سلطتهم؟ قد يشوب السؤال تطلّع طوباوي، إلا أن هذا ليس المغزى.
قد يودّي فيلم «من هبّ ودبّ» دور سلطة مؤقتة: سلطة لتحريك الوعي، وسلطة للصورة، حين يخرج من دور العرض الرسمية ومهرجانات السينما، ويجوب ليل المدن والقرى ولو لحين، فيصبح الفيلم مادةً للبحث والتأمل في مجتمع بذاته، في صورته المكثفة. ويمكن أيضاً استبدال أدوار الأهالي والعمال في هذه الصورة، لمحاكاة لحظة أخرى ليس فيها الآخر عامل أجنبي فحسب، بل آخر من الداخل؛ النازح الجنوبي، مثلاً. هي صورة على هذا القدر من الوسع، على هذا القدر من التعقيد، لا حلّ لها من خلال استدعاء سلطة الدولة أو غيرها لحلها، أو بتبرير العنف الكامن فيها.
وقد يكون الفيلم، ببساطة، مساحة للاستراحة ليلاً. فماذا لو حلّت الشاشات وعروض الأفلام محلّ إعلانات حظر التجوّل في الشوارع والميادين؟
Lina Atallah is a journalist based in Cairo and the founding editor of Mada Masr.
لينا عطالله صحفية وناشرة موقع مدى مصر.




