
بمناسبة نيل الشاعرة الكندية آن كارسون جائزة نوبل للآداب. طرحنا خمس أسئلة على الشاعر والمترجم عبد الرحيم يوسف، الذي ترجم لها إيروس: الحلو/المر (2024).
فَمْ: ما الذي جذبك إلى ترجمة «إيروس: الحلو/المر» إلى العربية؟
عبد الرحيم يوسف: حين عرضت عليّ دار صفصافة للنشر ترجمة الكتاب في نهايات 2022، رحّبت على الفور. كنتُ قد قرأتُ لآن كارسون قصائد وحوارات ومقالات في عدد من الدوريات وصار اسمها مألوفاً بالنسبة لي شاعرةً. لكني بعد بحث سريع عرفت أهمية الكتاب في مسيرتها الشخصية والأكاديمية، فالكتاب هو إعادة صياغة لأطروحتها لنيل درجة الدكتوراه عام 1981 وصدر عن جامعة برينستون عام 1986. شكَّل الكتاب أفكارها حول الرغبة التي ستسيطر على إنتاجها الشعري لاحقاً، ورسّخ أسلوب كتابتها المحاكي لنماذج الأدب اليوناني الكلاسيكي.
فَمْ: تتنقّل كارسون في كتاباتها بين الشعر والنثر والدراسة الأكاديمية والترجمة والتأمل الفلسفي، وأحياناً داخل النص الواحد. كيف تعاملت مع هذا التنقّل بين الأجناس والأساليب في العربية؟
عبد الرحيم يوسف: تعاملتُ مع هذا التنقل وفق قانونه. وفي رأيي أن كارسون في «إيروس» قدّمت نموذجاً فريداً في كتابة نص أكاديمي يفيض شعرية في أسلوبه، ويمتلئ بالتأملات التي تبدو للوهلة الأولى شروداً شعرياً لكنها في رأيي كانت ممتعة لي كشاعر بالأساس وكمترجم راقته الصياغة بقدر ما أرهقته محاولة تتبّع الأفكار وهضمها ثم إعادة صياغتها بالعربية بوضوح لكن دون إهدار بناء الأسلوب الأصلي للكاتبة قدر الإمكان. ينقسم الكتاب إلى مقالات قصيرة كل واحد منها يحمل عنواناً، لكن كل واحد ينتهي بسؤال تحاول كارسون تتبّعه في المقال التالي. يتحوّل النص إلى مجموعة من الأسئلة ومحاولات للإجابة عليها عن طريق الغوص أكثر، ليس في الأدب والفلسفة اليونانيين القديمين وحسب — مع احتلالهما بالطبع المساحة الأكبر داخل الكتاب نظرًا لأنه في الأصل أطروحة دكتوراه في الكلاسيكيات — بل لأنها تتأمل وتستشهد بكتابات من عصور لاحقة وحتى عصرنا الحديث أيضاً، فنجد بالتالي أسماء مثل: ديكينز ومونتين وستندال وفرجينيا وولف وإميلي ديكنسون وكافكا وميلان كونديرا، كما نقرأ عن فلاسفة مثل سارتر وسيمون دو بوفوار وكيركجارد وميشيل فوكو وسيمون فاي، مع إشارات خجولة إلى مراجع شرقية قليلة منها شاعر الهايكو الياباني ماتسو باشو، والروائي الياباني ياسوناري كاواباتا.
فَمْ: تحتلّ علاقة كارسون بالأدب اليوناني القديم موقعاً محورياً في «إيروس: الحلو/المر». كيف تعاملت، في ترجمتها إلى العربية، مع الطبقات اللغوية والتاريخية المتعددة في تلك الكتابة؟ وهل أتاح لك التراث الأدبي والفكري العربي إمكانات لم تكن تتوقعها؟
عبد الرحيم يوسف: حضور الأدب اليوناني القديم أساسي في الكتاب، وكذلك الفلسفة اليونانية القديمة، بل واللغة اليونانية القديمة. تورد كارسون أحياناً أبياتٍ شعرية مكتوبة باليونانية القديمة وترسم أصواتها بالإنجليزية كي يشعر القارئ بموسيقاها. وكذلك المفردات التي تتناثر في النص، فهي مكتوبة بنطقها اليوناني ثمّ تعمل كارسون على تأملها وتحليلها. كان هذا ممتعاً بصراحة بالنسبة لي، وفي بعض الأحيان كنت أستعين بصديقة أكاديمية درست اليونانية القديمة كي أراجع معها نطق الكلمات لو احتجت إلى ذلك. أما عن الطبقات التاريخية أو الإحالات الثقافية فكنت أبحث في المصادر المتاحة على الإنترنت للاستزادة أو لكتابة هامش توضيحي للقارئ. والحقيقة أنّ آن كارسون لا تعقد المسائل في إحالاتها الثقافية، فهي تعرض الأسطورة أو القصة أو القصيدة بوضوح وتحللها، وعلى مدى الكتاب بأكمله الذي تجاوزت صفحاته المئتين وثلاثين صفحة، أضفت سبعة عشر هامشًا فقط للتوضيح. بالنسبة للتراث العربي فللأسف ليس له حضور في الكتاب، ولكن بالتأكيد أفادني كمترجم في تشكيل لغتي ومعرفتي. وفي الحقيقة أشرت في مقدمتي للكتاب إلى أنّ أسلوب المقالات القصيرة وبناء الأفكار ذكرني إلى حد ما بكتابات الناقد العربي الكبير عبد الفتاح كيليطو وقراءاته العميقة وغير المعقدة للتراث الأدبي العربي.
فَمْ: كثيرًا ما تتأرجح كتابة كارسون بين الدقة والغموض، والحميمية والتجريد. كيف تقرّر ما ينبغي الحفاظ عليه حين يتعذّر نقل غموض لغوي أو التباس مقصود إلى العربية؟
عبد الرحيم يوسف: في ترجمة هذا الكتاب تحديداً، وضعت لنفسي هدف الإنصات للنص الأصلي ونقله ملتزماً ما يمليه عليّ فهمي، لكن دون حذف أو تبديل لأي شيء. وربما هذا ما جعل الكتاب صعباً على بعض القراء. هذا هو الغموض الشعري المحبب بالنسبة لي، لأنه ليس إبهاماً ولا تعمية. تكتب آن كارسون نصاً أكاديمياً مختلفاً: تشرحُ وتحلل كأنها معلمة، ثم تشرد وتتأمل وتصيغ جملًا ذات حمولة شعرية كبيرة، لكنها في رأيي ليست عصية على فهم القارئ الصبور والمتدبر.
فَمْ: بعد فوز كارسون بجائزة نوبل للآداب، ما الذي تأمل أن يكتشفه القارئ العربي في أعمالها، مما قد يظلّ بعيدًا عنه لولا الترجمة؟
عبد الرحيم يوسف: الحقيقة أنا مع الرأي الذي يرى في فوز كارسون بنوبل انتصاراً آخر للشعر وللكتابة الأدبية المفتوحة على الذاتي والثقافي معًا في زمن رواج الرواية والخفة. لست متفائلًا بشأن شيوع وذيوع أعمالها بين القراء في سوق الكتاب العربي الذي ما زال يفضل الرواية. لم يؤدِّ فوز لويز جليك، مثلاً، منذ سنوات إلى انتشار أعمالها، لكني آمل أن يتيح لنا فوز كارسون بنوبل أن نقرأ المزيد من شعرها وأعمالها وندرك أن هناك أفقًا آخر للكتابة دائماً.
شاعر ومترجم مصري من مواليد الإسكندرية حيث يعمل ويقيم. صدر له ثمانية دواوين بالعامية المصرية وتسعة وأربعون كتاباً مترجماً عن اللغة الإنجليزية. حصل على جائزة الدولة المصرية التشجيعية في الآداب، فرع ترجمة الأعمال الفكرية لعام 2016 عن ترجمته لكتاب «ثلاث دراسات حول الأخلاق والفضيلة»، للكاتب والمفكر الهولندي برنارد ماندفيل.


