Skip to main content

Short Stories | قصص قصيرة

فتى مصنع البونبون

CONTRIBUTOR
المساهم/ة
بلال حسني

ARTIST
الفنان/ة
Nourhan Maalouf

WRITER
الكاتب/ة
بلال حسني

TAGS
الوسوم
posts-issue12

PDF

SHARE POST
للمشاركة
CONTRIBUTOR المساهم/ة
بلال حسني

كاتب ومصور مصري. نُشرت له نصوص وفوتوغرافيا في مواقع مثل مدى مصر، رصيف22، ختم السلطان، ومجلة أمكنة وميريت. صدر له كتاب كعكة الحمار الوحشي (دار الكتب خان 2024).

WORKS BY THIS CONTRIBUTOR
أعمال للمساهم/ة
بلال حسني
Short Stories | قصص قصيرة

فتى مصنع البونبون

By April 16, 2026No Comments
Nourhan Maalouf, Don’t don’t don’t you forget about me. Digital photography (2023)

في المرة الأولى التي جاء فيها إلى مصنع سيكا بونبون كان مع والدته التي عادت في آخر اليوم لاستلامه. قالت لصاحب المصنع «هيجي لوحده من المرة الجاية»، كان ذلك قبل ستين عاماً. افترض وقتها لو أن عبارة «ايديه كبيرة وما بتعرقش» التي أضافتها، تعني امتيازاً لبقائه للأبد في تعبئة أكياس البونبون، هو الولد الذي لا يترك أي أثر لرائحته، ويرفع يده بيضاء تسرّ الناظرين من دنس الألوان الصناعية.

ها قد أصبح وحده. وبعد عامين من الآن سيصبح في السبعين من عمره. وبينما كان يمرّ بجوار مبنى البورصة المصرية في شارع طلعت حرب، ألغى تمشيته المعتادة على الكورنيش، وقرّر أن يعود مرة أخرى إلى المصنع. تدرّب أبو السيد طوال الطريق على قول إن هناك خطأ في احتساب أجره الأسبوعي. مؤكدٌ أن هناك أمراً ما سيفعله للحصول على مبلغ إضافي من المصنع. كان هناك مبلغ 260 جنيهاً في جيبه بعد أن سدّد معظم ديونه. كل فترة يُدخل يده ليفرك المتبقي من المال، لكي يطمئنّ إلى عدم ضياعه. على الرغم من حرارة أغسطس وهواء الإسكندرية المشبع بالرطوبة كان يرتدي بنطال صوف وقميصاً أكمامه طويلة وحذاءً نصف رقبة، يمسك شنطة مستعملة تحمل شعار أحذية محل بيرار وفردة حذاء نسائية، يستخدمها في وضع ملابس العمل المتسخة وعلبة الأكل. على الرغم من وجومه، كان يهزّ الشنطة كما يهزّ الأطفال حقائبهم حتى وصل إلى مكتب الإدارة في شارع الفراهدة. 

شعر أبو السيد بأهميته عند دخوله، ليس لأنه واحد من الأسطوات القدامى الذين لا يزالون على قيد الحياة، بل لأنه قد أشيع طوال سنوات عمله في المصنع، أن صاحب المصنع استجاب لزوجته وعرض على والدة أبو السيد أن يتبنّى ابنها، مقابل أن تختفي من الحي، وتبدأ حياة جديدة بعيداً عن الاسكندرية، غير أنها رفضت رفضاً قاطعاً. وضع أبو السيد الشنطة التي يحملها معه دائما، انتظر في مكانه حتى أتمَّ رئيس الوردية مكالمته. كل ما يعرفه أبو السيد عن رئيس الوردية، أنه في الأربعين أو الخامسة والأربعين من عمره، وأنه مدرس يزوغ من حصصه في مدرسة الدون بوسكو ليشرف على المصنع. والأهم من ذلك كله أنه تربطه قرابة من بعيد بصاحب المصنع. أراد أبو السيد أن يقاطعه ويقول له «أمي كانت بتاخدني في ايدها للمصنع، وهي رايحة السوق»، وإنه كان يعود كل يوم إلى المنزل ومعه كيس كبير من الحلوى كمكافأة مع أجر اليوم. لماذا؟ لأنه ولد كفؤ. تحمّل مسؤولية أن يكون رجل المنزل بعد وفاة والده، هو ذو اليدين الكبيرتين اللتين لا تتعرّقان أبداً، ولا يحتاج إلى دعكهما بمسحوق الشبة كما يُفرض على باقي العمال. وإذا بدأ في تعبئة البونبون فهو أسرع من إنتاج مجموع ثلاث عاملات في نهاية الوردية.

لكن هذا لم يحدث. ودون أي مقدمات أنزل أبو السيد بنطاله ولباسه، كاشفاً عن قضيبه وخصيتيه أمام رئيس الوردية. لم يكن ما يفعله غريباً، بل متعارفاً في المصنع. فقد اعتاد معظم العمال العجائز إظهار أماكن الألم في أجسامهم، لكي يبرهنوا لرئيس الوردية عما سبّبه الوقوف لساعات طويلة أثناء العمل من ضرر — جلطات، وتمزق الأوعية الدموية، وتلف الأعصاب، وحتى إصابات الحزام الناري — لكنْ، هذه المرة، بقي أبو السيد عارياً، ثابتاً في مكانه دون أن يوضحَ سبباً. أشار إليه رئيس الوردية أن يرتدي بنطاله، لكنْ أبو السيد استغرق بضع دقائق ليدرك أنه يخاطبه، ثم لم يعرف ما إذا كان عليه أن يخلع قميصه أيضاً، وللحظة ظنّ أنه معاقب أمام أمه. يفرط في استرجاع طفولته، وكأنه يتحايل للتغلب على شعوره بدنو أجله. 

في هذا اليوم تحدّث أبو السيد عن الألم الشديد الذي يشعر به في كل أنحاء جسمه. منذ الخريف الماضي وهو يجد جسده ينزف دماً دون أن يعرف مصدر النزيف. ذهب إلى مستشفى العمال ولم يستطع تشخيص حالته. قد ينزف أكثر من مرة خلال اليوم الواحد، وقد تمرّ أيام دون أن ينزف أبداً. تحرّكت عينا رئيس الوردية من خصيتي أبو السيد وقضيبه، إلى النافذة الزجاجية التي تطلّ على صالة المصنع، حيث تعمل عشرات الفتيات على تعبئة وتغليف البونبون بمساعدة الأسطوات العجائز. جلس أبو السيد على شيكارة دقيق كانت موضوعة على الحائط المقابل لمكتبه، فغطست مؤخرته بالدقيق، وهي تستدعي في مخيلة رئيس الوردية شكل العجين قبل تخميره. كشّر أبو السيد عن وجهه قبل أن يهاجمه البكاء، وظلّ يتنفّس بصعوبة، والألم يشفط جلده، وهذا ما أخرسَ رئيس الوردية لبضع دقائق أخرى.

لم يُقلق رئيسَ الوردية الدخولُ المباغت لإحدى العاملات من باب الادارة. فالفتيات اعتدن العمل مع الأسطوات العجائز وهم عراة الصدور. وبالمثل اعتادت الفتيات ارتداء ملابس منزلية أثناء العمل. كما أنه لا يوجد إلا حمام واحد مشترك لجميع العمال، وكم من مرة باغت رئيسُ الوردية أبو السيد وأمسكه من قضيبه أمام عمال المصنع. ينكشه هازئاً حتى يخرج من اندماجه الطويل في تعبئة البونبون، ومع ذلك لا يتهاون إذا تسلّم إنتاجَ أقل من المتوقع منه في نهاية الوردية. طبعا، ليس كل العمال العجائز يقبلون مثل هذا التصرف، لكن يبهجهم ما يدور بين الرجلين في صالة المصنع، خاصة في المرات التي يخلع فيها رئيس الوردية قميصه ويعمل فيها مساعداً لأبو السيد في الساعة الأخيرة من الوردية، أو حتى يصل به إلى الحماس الذي يتوقّعه منه، عندها يترك الفتاة المساعدة لأبو السيد تكمل مهمتها ويعود لمكتبه. 

نظر أبو السيد إلى النافذة المطلة على صالة المصنع على أمل رؤية إحدى الفتيات التي تذكّره بزوجته في صباها، على الرغم من أن قلبه انغلق في سبات طويل بعد رحيلها، إلا أنّ الفتاة كانت لها كفّان مفتوحتان تدلّان على الإصرار، قبّلهما حين سنحت له الفرصة للاستفراد بها في مخزن المصنع.

كان رئيس الوردية يعرف أن أبو السيد وقح، وأنه من المحتمل أن يطيل الوقوف عارياً، إلا أنه لم يشِح بنظره عن قضيب العامل السبعيني وخصيتيه، بل أمعن النظر بها. حتى حين غمزت خصية أبو السيد رئيس الوردية، تلوّى قلبه هو الآخر وردّ عضوُه التحية تلقائياً. كان رئيس الوردية يرى في مظهر قضيب رجل وخصيتيه ما يشبه استكشاف الرغبة، رغبة تختلف من رجل لآخر. نظرة واحدة إليها تكشف عن غايته من الحياة.

في النهاية استسلم رئيس الوردية وأخرج أربع ورقات من فئة المائة جنيه، ووضعها على المكتب. ثم أشار بحزم لأبو السيد أن يرتدي بنطاله، وأخبره أن عليه استشارة طبيب أبناء صاحب المصنع، طالباً منه ألا يخلع ملابسه مرة أخرى بهذا الشكل، «يا أخي، أنت مش محتاج تثبت حاجة». أخذ أبو السيد المبلغ الذي تركه رئيس الوردية، ثم رفع لباسه وبنطاله — بهذا الترتيب وليس العكس — كأنه يقدم عرضاً وصل إلى نهايته، آملاً في الحصول على سيجارة منه، دون أن تصل الإشارة إلى رئيس الوردية. ثم عندما وضع أبو السيد كفه على مقبض الباب، سمع صوت أمه يتردّد بداخله وهي تقول لصاحب المصنع «هيجي لوحده من المرة الجاية». حين لم يجد أي استجابة ولو صغيرة من رئيس الوردية، قال أبو السيد شيئاً من قبيل «حد اشتكى لك من الموضوع ده هنا قبل كده؟». لم يعرف رئيس الوردية ما الذي يجب أن يقوله، خاصة أن أبو السيد لم يضف شيئاً آخر. لم يلاحظ زملاؤه من العجائز أي شيء، لأن أبو السيد حافظ على انضباطه فور خروجه، فهو لا يريد أن يلهمَ أياً منهم، فيندفعوا لمقابلة رئيس الوردية. ومع ذلك لم يحتقر نفسه بسبب الطريقة التي تظاهر بها أمامهم، إذ كان يؤمن أنّ ما يميزه عنهم هو تمتعه بقدرة على التحكم في مصيره.  

لم يعرف أبو السيد سبب نزيف الدماء. كل ما يعرفه أنه بدأ في خريف 2023. هذا ما شخّصه طبيب عائلة صاحب المصنع. لكن هذا التفسير لا يناسب طريقة تعاطي أبو السيد مع الأمور، لذا فضّل الطبيب ألا يخبره. «انت كان لازم تبطّل شغل من زمان… وتروق على حالك كده وتنام كويس». هذا ما كرره الطبيب بأكثر من طريقة، رغم علمه مسبقاً أن جيل العمال العجائز في المصنع ينتمي إلى بدايات صاحب المصنع المتواضعة، وهم على يقين بأنهم شركاء الرجل، حتى ولو لم يحصلوا على شئ سوى السماح لهم بالعمل للأبد بأجر زهيد وبشكل متقطع، كما هو حال الطبيب أيضا مع عائلة صاحب المصنع.

في شباب أبو السيد، كان أسطوات مصنع سيكا بونبون يستحمّون عرايا عند شاطئ قلعة قايتباي بعد الانتهاء من وردية الليل، لا تخيفهم الشرطة ولا يحرجهم نظرات المارة. طبعاً، في بداية تعارفهم، كانوا يرتدون الألبسة عند نزول البحر، لكنهم تخلّوا عن الحشمة بعد فترة قصيرة. كانت رائحة أجسامهم غريبة وكريهة، إلا أنها كانت تشعّ بما يشبه الألفة. كان أبو السيد يسير بهداوة حتى يصل إلى قمة صخرة عالية عند الشاطئ، يكسو الشعرُ أردافه، كل مجموعة من الشعيرات تشكل دوامات على شكل هندسي دقيق. كان يقف فوق الصخرة، ثم يأخذ نفسا عميقا ويغوص في البحر.  

 فور خروجه من المصنع، تدرّب خلال تمشيته على تقوية قبضة يده اليسرى، التي أصابها خدر جزئي بعد حادث قديم أدّى إلى قطع أوتار معصمه وأعصابه. وما يتركه الشعور بالخدر الجزئي هو وخز يجعله يشعر بأبعاد جسده، كأنه يعرف جسده بطريقة برايل للمكفوفين. توقّف أبو السيد عند محل «هريسة عيسى»، أفضل من يقدّم الحلويات ساخنة في الإسكندرية. فضّل أن ينتظر البائع حتى ينتهي من تقطيع الهريسة للزبون، لكنه شعر من زاوية عينه الميتة أن البائع قد انتبه إليه، لذا ابتسم أبو السيد على الفور بملء فمه، لكنه لم يجرؤ على رفع وجهه. كان يحدّق في الفراغ. أمسك البائع بورقة زبدة، ثم قطع خارطة كبيرة من صينية الهريسة، وناولها لأبو السيد بامتنان. أخذها أبو السيد ثم خرج من المحل، لكنه لم ينسَ أن يلقي التحية بهزّ رأسه للزبون، كي يسحقَ نظرته المتفوقة. على أي حال لقد ترك ذلك انطباعاً غامضاً عند الزبون: هل يتسوّل أبو السيد بحكم الجيرة بين المحلات، أم أنه يتعامل كزبون دائم وسيدفع لاحقاً، النوع الذي يقدم نصائحه وتعليقاته على ما يشتريه، وتُقطّع له البسبوسة من الأماكن التي يفضلها داخل الصينية؟

وصل أبو السيد عند مدخل العمارة التي يسكنها. كان مدخل العمارة يستخدم كمخزن للمانيكان، وكانت هناك مجموعة كبيرة من المانيكان العاري على الجانبين. علّق أبو السيد شنطة أحذية محل «بيرار» على كتف المانيكان بجوار الدرابزين، كان جزءٌ من فك المانيكان محشوّا بالفايبر ومهترئا، أما كفاه فكانتا غير متماثلتين. نزع أبو السيد ورقة الزبدة وأكل خارطة الهريسة. أكلها بتركيز شديد دون أن يجفل، ثم تخلص من ورقة الزبدة ومسح فمه جيداً، ثم صعد أربعة طوابق. كان ممنوعاً من استخدام المصعد الكهربائي، فكان يلتقط أنفاسه عادةً ويستريح في الطابق الثاني، يتسلّى لبضع دقائق بحوارات خاطفة مع زبائن مكتب المحاسب القانوني، حتى إذا التقى أحدَهم في الشارع نثرَ عليه التحية مثل البونبون. بعد حادث بتر ساق ابنه، قرر أبو السيد أن يترك باب شقته مفتوحاً طوال اليوم، لعلّ إحدى الجارات تعطف عليه بلقمة أو هدمة قديمة أو تترك له بعض الفكة، بدلاً من أن يموت جوعاً مثل الحيوان المتردد. 

بعد أن فرغا من الحزن على الأم، كانت حالة من الفوضى، جعلتهما يهملان العناية بالمنزل ونظام اليوم. وحين يصل أبو السيد إلى المنزل، لا يغلق الباب، حتى يتمكّن المتفرجون من الجيران من متابعة اثنين من الوحوش يتنافسان مرة أو أكثر كل يوم. يستقبله منزله في كل مرة برائحة عطن متجددة تخرج من دولايب المطبخ وأقمشة طقم الصالون، كما لو أنه يصدر رشة من بخاخة، لها موعد معلوم. تجاهل أبو السيد النظر إلى ابنه الذي كان يقف على السرير، يقفز عدة مرات مهلّلاً لعودة أبيه، حتى اختلّ توازنه وانفلتت ساقه الصناعية. اقترب منه أبو السيد وعقد مسامير الساق، وأغلق الرجلاش بعزم. استسلم ابنه، لكن نظرته كانت تقول إنه يفكر في مباغتته. فقبل يومين كان أبو السيد يلاعب ابنه، فحاول خنقه بالملاءة، فشدّها بقوة حول رقبته على غير المعتاد، حتى أصدر السيد صوت صفير من صدره أجبر الأب على التوقف. 

كان الرجلان قد اعتادا ممارسة الموت الخفيف كل فترة. حين يكون مزاجهما منضبطاً على نفس النغمة، لا يفرغان رغبتهما إلا بالمباغتة والاقتناص بمرمغة عجينة جسد الآخر. ومن أجل إرضاء الابن بعد محاولة خنقه بالملاءة، أخبره أبو السيد عزمه أخيراً على تحصيلِ قرضٍ ميسرٍ من بنك ناصر لشراء توكتوك مجهز طبياً. على أية حال، فهو يريد التخلص من ابنه، إما أن يخرج ويسترزق، أو لا يعود مرة أخرى إليه.

فكر أبو السيد لو أن لديه قميصاً نظيفاً، لكان ذهب والتقى امرأةً قبل هبوط الشمس، كي ينتعش قليلاً: يذهب إلى محل رينيه الحلاق، ومن هناك ينال المرأة التي يريد. وقف أمام مرآة صغيرة في الحمام، رفع أنفه وتفحّص فتحات النفق ونتف الشعيرات داخلها. استغلّ الساعات الأخيرة من النهار كي يطبخ صينية باذنجان بالطماطم والفلفل الحار، خزين من الإفطار الجاهز، يستخدمه لاحقاً لوجبات الإفطار في المصنع. في المساء، ذهب أبو السيد إلى محل الحلاقة المزدحم مرتدياً قميصه النظيف. كان هناك ثلاثة حلاقين، يرتدون معاطف بيضاء. تصل امرأة أربعينية مع ابنها من أجل قصّ شعره. راقبها أبو السيد بطرف عينه، متظاهرا بعدم تبادل النظرات بينهما، وكان الصالون عابقاً برائحة الكولونيا، حيث جميع الزبائن العجائز يحاولون إيجاد طريقة لمحادثة والدة الطفل. تحرّكت أمامه، وكان جسدها يشعّ هواءً بارداً، كما لو أنها أتمّتِ استحمامها منذ دقائق، كان يحاول فهمَ شيءٍ عنها من خلال النظر إلى حقيبة اليد التي تحملها. حقيبة محل بيرار التي يحملها دائما معه هي تذكار من زبونة لمحل الحلاقة. هناك ابتسامة تجعل وجهه مثل اليوسفي المعصور، يخرجها أبو السيد حين يشعر بأنه سينال مراده. لقد جعلته يفكر في عازف العود الذي يذهب كل خميس للاستماع إليه في بار نفرتيتي، يبهجه في آخر الليل حين يغنّي من أجله، متجاهلاّ كل السكارى وشاخصاً ببصره نحوه، دون أن يدفع له في المقابل بقشيشاً. في مخيلته قدّم أبو السيد افتتاحية غير مثيرة للجدل لكي يحصل على لقاء مع والدة الطفل. يلتقط الطفل لشراء حلوى له، فتومئ بابتسامة حارة، الاستجابة الصحيحة لحدسه الوحشي. 

سقط من يد أبو السيد عدد قديم من مجلة الشبكة اللبنانية. كانت ضمن مجموعة من المجلات القديمة مثل الكواكب والموعد وحريتي في الطابق السفلي للمنضدة أمامه، التي لم تُستبدَل منذ افتتاح المحل. حين همّ أبو السيد بالتقاطها من الأرض، فقد اتصاله بالزمن. تذكّر على الفور ما سمعه من الشيخ: أن الرجل حين ينزل إلى قبره، تزوره امرأة من الجنة، يفتنه العقد الملفوف حول رقبتها، يقترب منها ليلمسه، فتنفلت حباته، ثم حين يركع ليلتقط حبات العقد، يمرّ الدهر وتقوم قيامته. 

وجد أبو السيد نفسه جالساً في محل الحلاقة. لم يكن غيره أحد وإن كان هناك زحام كبير في الشارع، حيث انهارت العمارة المقابلة للمحل. كانت ماكينات الحلاقة الكهربائية في وضع التشغيل، ومساند مقاعد الحلاقة لا تزال تحمل علامات مؤخرات أصحابها، كما لو أن فأراً كبيراً تحرّك في عبه، خلع قميصه الجديد، ووجد الدماء تسيل من صدره. تحسّس جسده بحثاً عن مصدر النزيف، ثم استدار ولفّ ذراعه حول ظهره، لكنه لم يجد مصدراً له. رفع أبو السيد رأسه ناحية الصوت الذي يأتي من شاشة التلفزيون، كانت مذيعة النشرة تقف أمام شاشة، تتحرّك بضع خطوات كما لو أنها تمشي في شوارع مدينة في حالة حرب. أشارت إلى عدة إحصائيات، لكن أبو السيد لم يفهم، وهذا يعني أنه فهم الكلمات لكنه لم يفهم دوافعها. 

دخل حمام محلّ الحلاقة. كان الحمام مثل كابينة صغيرة، يُستخدم كمخزن لمساند المقاعد والشعر المستعار والأطراف الصناعية والمانيكان وشكائر الدقيق. خلع أبو السيد ملابسه، وسمح للرخام البارد أن يلتصق بكامل إليتيه. كان ينظر ولا يرى ناحية شاشة التلفزيون. تتحرّك المذيعة بفستانها الزاهي في أحياء تم تدميرها بالكامل. تسحب بذراعها في الهواء فتتبدّل الشاشة إلى شوارع أخرى. بدا وكأنها توتّرت وهي تنظر إلى المونيتور لكي تخطو خطوتها التالية، حيث يفضي الشارع إلى سوق تجارية في مدينة غزة، وقد تحوّل إلى ركام مسدود. زاغت عيناها للحظة وتفقّدت طرف فستانها، وبدت وكأنها ترتجف. رفع أبو السيد ذراعيه مرتعشاً، وكانت كفاه تتعرّقان نقاطاً كبيرة.

Author

كاتب ومصور مصري. نُشرت له نصوص وفوتوغرافيا في مواقع مثل مدى مصر، رصيف22، ختم السلطان، ومجلة أمكنة وميريت. صدر له كتاب كعكة الحمار الوحشي (دار الكتب خان 2024).

كاتب ومصور مصري. نُشرت له نصوص وفوتوغرافيا في مواقع مثل مدى مصر، رصيف22، ختم السلطان، ومجلة أمكنة وميريت. صدر له كتاب كعكة الحمار الوحشي (دار الكتب خان 2024).